الرئيسية / رحيق الأدب / تراتيل.. لحظات إختفاء الإبتسامة..!

تراتيل.. لحظات إختفاء الإبتسامة..!

بقلم : محمد الصغير داسه

 أخذت تحدّج فيه وتستنسخُ احْلامها بنار مُلتهبة، يقول لها وبصوت مُرتعش: هيّ ذي الحياة، حتى وإن اسْترْجع المرءُ بصرَه فلن تتغير الحياة، ولن يتغير طبعُ الإنسان، فمن خلال احْلامنا نرى وينطلق نبضنا في كل الاتجاهات، ستواصل العصافير تغريدها لتملأ فضاء ألحياة، كالأمْس واليوم وغدا وإلى النهاية، نحن نلتمسُ الكلمات الشفافة العميقة المضيئة بوعي كاشراقة شمس الضحى، اذ الحياة ستنتصر بالبَصر وبدُون البصر.

01- أخذَ صوْته يرتفع مُدندنا، فيَختلط بأصْوات غيره، يسير على غيْر هُدى في شوارع الْمَدينة، يُتمتم بكلمات مُبهمة، فجْأة يلتقي بتلك الفتاة، وقد كان يعْرفها من قبل في مُدرجات الجامعة، تقول له: أنها كانت تبْحث عنه، لم يكن يتوَقع أنّها تطلب الزوَاج منه، فهو فقير وهيّ غنية، كان في حَديثه إليها خجُول مُحْبط، وقف يسْألها: لي عندك رجَاء فهل تصغين إليّ؟ تقول مُبتسمة:ها أنا ذا أصْغي إليك، مَا المانعُ ياصَديقي أن نجْلس معا ونتحدث فيما يفيدنا؟! فكلانا نُعاني مَرارة الوجد وحرمان البصر، وكلانا يحْمل شهادة جامعيّة أليس كذلك؟ بلى.. ارْهف السّمع إليها وهي تقول: نحن لانشعْر بمُرور الوقت، الغيُوم ملئ بالحقائق وتمر بهيجة تحْمل الشيْء الكثير، نحن نتسكعُ على الأرصفة نبْحث عن الضوء، إن لم نفعل شيئا سَنموت كالأزْهار دُون صُراخ، اطلق قهْقه من جوْف صدْره، وبصوْتٍ مُرتعِش يقول: ايقظت في نفسي مشاعرجيّاشة، وأحَاسيس مُرْهفة، فتضحك ضحْكة خفيفة وتقول: وما الحياة التي نحياها إلا جسْر عُبور لعالم آخرنتشهاهُ، فيلتفت نحْوها، وقد افرج عن اسْنان بيْضاء، ونظرة تكاد تنطق بمرارة وهو يقول: هكذا توقعْت ولكنه مُجرّد تخمين، فتجيبُه على الفور: من حقنا أن نحْلم، هذا مُبهرٌ وجميل أن يرى كلانا نفسه في مرْآة الآخر، وبنبرةٍ تمناها أن تكون طبيعية يقول: ودِدْتُ أن اراك ولكن..يُنكس رأسه ويْبتلع أنفاسه، كمن يفعل شيئا مُخجلا ويَبكى طويلا؛ فغرت فاها وابتلعت أحْزاناها، وتهدّج صوْتُها، وبريق جاف همست إليه تقول: هذا قضاء وقدرٌ، فلا تشغل نفسك بشيْء يتجاوزُنا، كل ماهو جميل نراه بقلوبنا لا بأبصارنا، لملم أشلاء فرْحته وقال: سنكون عندكم ضيوفا، ترافقني والدتي وأعمامي، فهل أنت موافقة؟ 
02-كان طلبه إليها مُفاجئا لم تكن تتوقعه، افترَّ ثغرُها وانكلّ حتى بدَت ثناياها وتجلت آياتُ الرضا والبشر على مُحَيّاها، فأخذت تلفُّ يديْها على صدْرها، وتلتفتُ من حوْلها يَمْنة ويَسْرة، ثم تقذفُ بشعْرها الطويل إلى الوراء، تتيهُ في الخيال، تختلجُ ، تترقرقُ دُموعها في مآقيها، والكلامُ الصادِر من القلب يسْتقر في القلب ويُنعشه، تتساءل ما الذِي يُمكن عمله مع القلب المَكين؟ قلبُ أمِّها وقد كانت تهدْهِدُها حتى النوم، بعد تفكير يأتي الردُّ وتقول: بصوْت خفيضٍ سَنرحّب بكم في بيتنا.. يَامرْحبًا..وتنتهي الخطبة ويتزوّجها؛ تمر الأيام سَريعة، ويرْزقهُما الله أطفالا، بدت تسْأل وتتسَاءل والدُّموع مُنهمرة، مالون أبنائِها، كيف حالهم؟ وتصف لها ابنتها الْمَشهَد، ذات يوْم احَسّت بألم حَادٍ في عينيها، نقلت إلى طبيب العُيون، فأعطاها دواء وما إن اسْتعملته حتى بدأت تبصر، فصاحت:وهي تزف الخبر إلى زوْجها وأبنائها، تهتف إلى والدتها، وكم كانت فرْحتها عظيمة وهي تحَدّق في أبنائها وهُم يتباهون، ها هي ذي اللحظة الرهيبة قد حلت؛ يتبن لها أن زوجها شابٌ نضر، وأن صورتها بشعة، اخذت تحدّج فيه وتستنسخُ احْلامها بنار مُلتهبة، يقول لها وبصوت مُرتعش: هيّ ذي الحياة، حتى وإن اسْترْجع المرءُ بصرَه فلن تتغير الحياة، ولن يتغير طبعُ الإنسان، فمن خلال احْلامنا نرى وينطلق نبضنا في كل الاتجاهات، ستواصل العصافير تغريدها لتملأ فضاء ألحياة، كالأمْس واليوم وغدا وإلى النهاية، نحن نلتمسُ الكلمات الشفافة العميقة المضيئة بوعي كاشراقة شمس الضحى، اذ الحياة ستنتصر بالبَصر وبدُون البصر. 
3- تنتفض مذعُورة كأن بها مَسٌّ، وتصيحُ في وجْهه: كفى هُراء..لا أريدُ منك شرْحًا أوتفسيرًا، لا أريدُ منك وعْظا ولا ارْشادًا..يرتجّ.. يتوقفُ عن الحديث، يستوى واقفا..يتنهدُ تنهدة تشبهُ الزّفرة، يمْضى يسبُّ الشيطان ويلعنهُ لعْنا كثيرًا، تنتصب واقفة وهيّ تحدّجُهُ فيه بنظرةٍ تنمُّ عن سُخطٍ وازدراء..وبسرعة البرْق تدفع الباب عليه بقوّة فيتراجعُ، يتسَاءل ماذا حدث؟ {ولوبسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض..} من ذلك اليوم أخذت الهوّة تتسعُ بينهُما، فتتعثر الكلمات فوق شفتيه، يتحَوّل حديثه معها ثقيلا، إنّها باتت تتجاهله، وتتجاهله كي يمْضي حال سَبيله، يبحْث عن السبب، يتساءل أكثرَ من مرَّة، يُمارس هواية الجلوس وحيدًا، يحُسُّ بالجُرْح يزدادُ عُمقا، تلتهبُ صخرة الوقت، ترْحل الافراح والذكريات من ساحتهِ لتستدْعي الاحْزانُ بعْضَها البعْض، وتكون النهاية شبيهة بالبداية، أجل.. صارمنبوذا في بيته، غريبا بين أبْنائه، وحيداً في أرْض المُواجهة، تزرعه الكلمات في عَتمة الخواء خلف الوَهْم، ودُرُوب الرَّحيل تنآى في تراتيل لحظات غُروب الابتسامة، تتسلل خيُوط الغضب إلى نفسه، بعد أن تدفقت حِمَم سُيول أحْزانه، فيفكر في اتخاذ القرار الجريء، والمشهد يومئذ يلمْلمُ أشلاءه، هيّ ذي الرّحلة الرِّهيبة آنَ أوانها، ستنطلق لامحالة، ولا أحدَ يسأل عنه، يتخذ قراره فيشعر بنشوَة لاذة في رُوحه، وخِفة في بدنه، يعْتزمُ فعل شيء، يُفضل مُعاناة الوحدة ووحشتها على الذل، يلتهمُ بُؤسه، يلتزمُ الصّمت لبعْض الوقت، يسْتأنفُ التأسُّف والتألم، يسأل بمرارة عن اسْباب هيجَانها وانفعَالها، نبض قلبه المصلوب يقول: إنها أخذت تتصرف بهذا الشكل الغريب، وبعدوَانيّة مُفرطة، مُنذ أنْ اسْتعادت بصرها، لعلها انتصرت على ظلمات الحياة "..إن أباها وأبا اباها**قد بلغا في المكر غايتاها.." نهل من مَكرها وتصرفاتها البلهاء، ما يجْعله يختار الطريق الصعب، ويمضي إلى حال سبيله. 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

لا ترحلي

بمهجة الشاعر العراقي أذ. حســـین حســـن التلســـیني شعــر : حســـین حســـن التلســـیني لاتــرحلـي یـازھــــــرةَ القَـرَنْـفُــلِ …

تعليق واحد

  1. محمد الصغير داسه

    زهرة الشرق…فضاء جميل نعتز  به وبقراءته و االمشرفين  الطيبن الفاعلين  تحيية تقدير ووفاء  وإعتراف بالجميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *