الرئيسية / عبق التراث / عيشة قنديشة بين الأسطورة والحقيقة

عيشة قنديشة بين الأسطورة والحقيقة

بقلم : ريم حياة شارف

تتميز الثقافة المغربية بكثرة الأساطير والخرافات والحكايات والشخصيات السحرية والجنية. تلك الأساطير هي تراث متوارث أباً عن جد ويصدّقه كثيرون. ففي كل بلدة حكاية ولكل حكاية منبع يمثل مصدر القصة، ولكن انتقالها عبر العصور يشوه حقيقتها إلى أن تصير عبارة عن أسطورة يصعب تصديقها.

أسطورة عيشة القنديشة

عيشة القنديشة، أو لالة عيشة، أو عيشة السودانية، أو سيدة المستنقعات هي أسماء أطلقت على الجنية الأكثر شعبية في المغرب. ترسمها الخرافة على أنها امرأة بالغة الجمال تخفي خلف ثوبها الأبيض قدمين تشبهان حوافر الجمال أو البغال أو الماعز. ويُزعم أنها تظهر ليلاً في الغابات وبجوار المجاري الراكدة وأن عشاءها المفضل هو لحم الرجال.

ويُقال إن جمال عيشة القنديشة فائق الوصف وأنها تفتن كل رجل يراها فتغويه وتستدرجه إلى وكرها  ثم تقتله وتتغذى بلحمه وتشرب دمه.

وبحسب الأسطورة، لا شيء يقهرها إلا النار. ففي إحدى الروايات عنها، يحكى أنها اعترضت سبيل رجال كانوا في طريقهم عائدين إلى قريتهم فأوشكت على الإيقاع بهم إلا أنهم نجوا بعد أن أحرقوا عمائمهم وذلك بعد أن لاحظوا أن أرجلها هي أرجل ماعز.

دراسات حول عيشة القنديشة

قال الباحث الفرنسي في المدرسة العليا لدراسات العلوم الاجتماعية في باريس جون كلود برنارد لرصيف22 إن "شخصية عيشة القنديشة هي شخصية فريدة من نوعها، درسها الكثير من الكتاب والمخرجين عرباً وأجانب، كما هنالك تشابه كبير بين ما يُحكى عنها وبين الكثير من المعتقدات المنتشرة في أوروبا، ويعتقد أن قنديشة تعني الأميرة".

ولا تحمل عيشة القنديشة صورة الجمال فقط. ففي رواية مقابلة، يقال إنها امرأة عجوز شمطاء وقبيحة الشكل، ذات شعر منفوش ولها ذيل كلب وهدفها التفريق بين الأزواج.

وقالت نسيمة بلقاسم، طالبة في علم الاجتماع : "قبل أن تعرف التكنولوجيا طريقها إلى المجتمع المغربي، كانت معظم الأسر المغربية تجتمع ليلاً في جو حميم خصوصاً في الأماكن القروية والبوادي وهناك ينتشر هذا التفكير بقوة، وتأخذ عيشة القنديشة حيزاً أكبر من الاهتمام". ولفتت إلى أن "لها أسماء كثيرة، كبغلة القبور، وتامغارت نمسدال أو عيشة السودانية".

ما حقيقة الأسطورة؟

يربط الكاتب والأنثروبولوجي الفنلندي وستر مارك الذي درس هذه الأسطورة بعمق كبير بين عيشة القنديشة وبين إلهة الحب عشتار التي كانت مقدسة عند شعوب البحر الأبيض المتوسط وبلاد الرافدين. وذكر كتاب الأعلام للقاضي السملالي أنها كانت ولية صالحة عاشت في فترة سيدي عبد الرحمن الذي كان يزورها للتبرك بها.

وقد تناولت قضيتها بعض الدراسات المعاصرة للفرنسي بول باسكون والسوري مصطفى العتيري. غالبية الدراسات أكدت أن عيشة القنديشة هو اسم محرف لعائشة الكونتيسة، وهي امرأة مغربية مورية طردها المسيحيون من الأندلس إبان محاكم التفتيش أوائل القرن السادس عشر حين تم تهجير نحو 275.000 مسلم من المورسكيين، وقد أطلق عليها هذا الاسم البرتغاليون.

وتؤكد بعض الوقائع التاريخية أن عيشة كانت مسافرة حين هاجم الجيش البرتغالي القرية التي كانت تسكن فيها بنواحي أزمور في المغرب سنة 1558، وأبادوا كل سكانها بما فيهم عائلتها وزوجها، وكان وقع هذه الفاجعة شديداً عليها، فقررت الانتقام مستغلة جمالها الطبيعي.

تعاونت عيشة مع الجيش المغربي في محاربة البرتغاليين، وأظهرت مهارة وشجاعة كبيرتين في القتال، وكانت لها طريقتها الخاصة، وهي إغواء المحاربين بجمالها وجرهم إلى الوديان والمستنقعات، حيث كانت تقوم بذبحهم بطريقة مرعبة.

ولما أظهرت عيشة شجاعة باهرة في القتال، خاف البرتغاليون من ازدياد شعبيتها وتوسع مناصريها، فروجوا بين المغربيين البسطاء أنها جنية وليست بشراً، وأنها تختطف الذكور إلى وكرها الموحش لينفر منها الناس. وقد شاع هذا عنها واستمر إلى اليوم. وتقول الدراسات التاريخية إن "عيشة لقيت حتفها بعد مشاركتها في معركة وادي المخازن سنة 1578 ولكن لم يتم العثور على جثتها".

أساطير كثيرة تلف  شخصية واحدة

وتقول الموظفة الحكومية أمينة زين العابدين: "سمعت من جدتي أن غرس سكين في الأرض من الممكن أن يخيفها. هذا رائج في قبيلتي كلها".

ويذكر عالم الاجتماع الراحل بول باسكون في كتابه "أساطير ومعتقدات من المغرب"، أن هناك أسطورة تقول إن أستاذاً أوروبياً للفلسفة في إحدى الجامعات المغربية كان يعمل بحوثاً معمقة عن قضيتها، فوجد نفسه مضطراً إلى حرق كل ما وصل إليه وإيقاف بحثه ومغادرة المغرب لأسباب مجهولة.

وتنتشر أسطورة عيشة القنديشة بين مكناس وسيدي سليمان في المغرب انتشار النار في الهشيم، ويُحكى أنها تظهر في بعض الأماكن مثل حفرة لالة عيشة في قرية سيدي راشد في مكناس.

وقال عبد الرحيم العمراني، مقدم في الزاوية الحمدوشية في مدينة فاس: "تأتي الفتيات والنساء إلى ضريح حدماشي كل خميس معتقدات أن هذا المكان مخصص لها"، وأكّد أن "هذه المعتقدات انتشرت بين الناس، ولكن هذا المكان هو مكان للعبادة فقط".

وتقوم النساء اللواتي يظنّن أنهنّ مسلوبات ومسكونات من طرف عيشة القنديشة بطقوس غريبة من وضع الحناء على الشعر لإكسابه اللون الأحمر، ولبس الأسود في احتفال يقام على شرفها والرقص بشكل غريب على موسيقى خاصة. ويتم التقرب منها بالشموع وبوضع الخبز والزيتون في أماكن ظهورها كقربان لها.

وقال الباحث الاجتماعي المغربي مراد محمد إن "المغاربة معروفون بتشبثهم بالتقاليد، وهي في معظمها ترتبط بطقوس تدخل ضمن ما يسمى بالخرافة، فهناك مَن يخشى الجن أكثر من خوفه من الله، وهذا ناجم عن اليأس".

وقالت سكينة بوراوي، خريجة اختصاص علم الاجتماع: "اعتقاد شريحة كبيرة من المجتمع المغربي بهذه الأسطورة هو واقع لا يمكن إنكاره، ويصل الأمر إلى الاعتقاد بأن مجرّد لفظ اسمها يجر اللعنة على ناطقه".

وأكّد عبد الإله الغراوي، الباحث في الحضارة الشعبية، أن "البحث العلمي لا يتفق مع هذا التفكير الخرافي ويترجمه على أنه هذيان أو مرض نفسي، وذلك اعتماداً على درجة التصديق والاعتقاد بهذه الأشياء".

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

فانوس رمضان

بقلم: ذ. مروة عطية – الحلم العربي   شهر رمضان من الأشهر الكريمة التي لها مكانه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *