الرئيسية / آراء و مواقف / إنـــــي أتــــهــــم
فريد بوجيدة ناقد سينمائي مغربي

إنـــــي أتــــهــــم

بقلم :فريد بوجيدة

أتهم ماضيا بعيدا حين وافقتم على الحُكم الجائر ضد سقراط واتهمتموه بالزندقة ، ووقفتم إلى جانب قضاة مغمورين ووعدتم بمطاردة الأحفاد البررة: الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن طفيل وابن ميمون والجابري… 
أتهم ماضيا قريبا حين استكثرتم على السوسسيولوجيا بيتا مستقلا و تركتم الخطيبي تائها بين الرواية والغواية ، وملأتم الصفحات بفكر المشارقة وأحكمتم الإغلاق على نوافد التنوير…
أتهم حين جرّبتم فينا المنع حتى أضحى المنع قانونا وصرنا بفضل منعكم منفيين داخل أنفسنا …منعتم المجلات والكتب واللوحات وصادرتم الأشعار ، وتعاليتم على الهواة ومسحتم من الأرض مسرح المحرومين وأعلامه، حوري الحسين كان شاهدا على المأساة وتيمود وبرشيد و مسكين ومسرح النقد والشهادة …
أتهم حين استخسرتم فينا مسرحا عميقا و ممتدا في العروق ، مسرحا منا ولنا ، به نحتفل ونُعدل في موازين الغربة والرغبة والذوق ، و أبعدتم الهواة عن مسرحهم وأدخلتموهم في دوامة ، منهم من رَحَلَ عنا ومنهم من أضحى مهرجا والباقي أكلته هموم الحياة…
أتهم حين أشهرتم المسدس في وجه المثقف وقايضتموه بين جواهر التيه ولؤلؤة النسيان ، بين الشيطنة والرهبنة ، بين المدنس والمقدس ، بين الحسابات البنكية والصلوات الخمس ، هل يعقل (قلتم) أن يجتمع المثقفون هكذا دون سياسة ودون ذكر الرحمن ، وخيرتم الباقي بين السجن وسنوات الإحباط… 
أتهم
حاضرا امتص وهج الحياة والتَهَمَ الحرف والصوت والذكريات، أتهمكم أيها الأوصياء ماذا فعلتم ؟ أين حرفنا الجميل المرصع فوق المنبر والمزهر والمكسر في شارع الحرية ، أين آباؤنا أين المختار السوسي ومحمد الفاسي وعبد الله كنون ، وأين دعاة الثورة على العمود والقافية أين بنيس وبلبداوي وراجع وبنطلحة ، وأين وعاء الحرف وبحر الغواية وأين الشعراء ؟ أين شكري وزفزاف وبوزفور؟ أين الأغاني الخالدات ؟ الراشدي والسقاط وبنعبد السلام وعامر وبلخياط ؟ أين الحياني والدكالي وبهيجة وما تبقى من الأصوات ؟ أين القمر الأحمر وقصائد الملحون ؟ وأين خبأتم آلة العود ؟ أين وهج السبعينيات ؟ الغيوان وجيلالة و لمشاهب ومسناوة ، وأين الهجهوج و حمى الحال والبحث عن المحال ؟ وأين الشامخات؟
أنهيتم عصرا قبل آوانه وصادرتم الصور وأطلقتم العنان لألسن السوء وأصدرتم الأوامر ، لا صوت يعلو اليوم فوق صوت المنابر هكذا أردتم لا فلسفة في البلد ولا ثقافة في البلد ولا فن في البلد، ولا نقد غير رنين الدراهم ، ولا مرآة غير مرآة الأحباب من القبيلة والعشيرة، ولا جمال إلا ما ظهر من جرعات، وما اشتعل فوق فروة الرأس من شيب الزمان …
أتهم حين صادرتم الصور الجميلة و اللغة البهية وكل علامات الإغراء ، وبلّغتم عن نصوص اقترفها الأدباء و كتبوها دون استشارة الفقهاء ، وأرجعتم الساعة إلى الوراء .
أتهم رساميلكم التي حولت ثقافتنا إلى سلعة ، ومادة للإشتهاء وحولتموها أيضا إلى استهلاك سريع الهضم مثلها مثل قطع الحلوى والمناديل الورقية وحبات صداع الرأس و كل ما ينتهى صلاحيته في المساء.
أتهم إعلامكم الرديء السادي والمتلاشي والذي كلما تقدمت وسائل الاتصال ازداد قدما ، وكلما انفتحت الاجواء تَكلّس وعاد خطوتان إلى الوراء ، أتهم ذاكرته الضعيفة و أحشاءه الخاوية وشكله النمطي المتخلف ، أين إذن ثقافتنا وفننا وأين الوجوه التي احترقت ألما وأعطت بكل سخاء ؟ 
أتهم وقد أعفيتم الكتاب وسرحتم الممثلين وتخليتم عمّا تبقى من ألوان البلاغة وفنون النظم والكتابة وأسدلتم الستار، بلاهة أن يغترب المثقف في بلاده ، ويُترك الجهل بأرقامه وأعبائه مهددا سلامة الذوق والأداء.
أيها الأوصياء ليس لي ما أقوله كاعتراف في الأرض و في السماء غير حبي الكبير للوطن المتعدد اللغة والهوية والموحد الكامل السليم والمعافى ، ليس لي إلاّ ملكات وهبها لي الله حين أعطاني بكل سخاء عقلا به أدينكم سرا وجهرا ولأتهم حاضرا بشعا أنتم صانعوه ونحن منه أبرياء… 

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

سيميائيات التواصل اللفظي وغير اللفظي

بقلم:جميل حمداوي يذهب كثير من الدارسين إلى أن الدوال تدل وتتواصل بطريقة مباشرة وغير مباشرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *