الرئيسية / عبق التراث / الحايك الجزائري والسفساري التونسي.. وحدة الأصل وثراء المعنى

الحايك الجزائري والسفساري التونسي.. وحدة الأصل وثراء المعنى

بقلم : وفاء الحكيري 

تميزت النساء قديما في المجتمعين الجزائري والتونسي، بارتداء  لباس تقليدي موحد  ،على شكل لحاف حريري، درجت النسوة على ارتدائه فوق ملابسهن العادية عند مغادرة المنازل، يسترهن من طرف رؤوسهن إلى أخمص أقدامهن، وقد عرف هذا اللحاف بالحايك في الجزائر وسمي في تونس بالسفساري.

وقد أصبح  الزي التقليدي النسوي المميز، موروثا شعبيا و رمزا للثقافة والهوية في المغرب العربي، فيما كان يرمز لزينة وجمال المرأة المغاربية وعفتها وحيائها، رغم أنه اندثر بفعل التطورات والحداثة والتقليد ولم يبق منه غير التسمية.

الحايك الجزائري يقاوم الاندثار

عند بدايات التسعينات، وبعد خروج المستعمر الفرنسي، من التراب الجزائري، بدأ لباس الحايك، يضمحل شيئا فشيئا، وتخلت المرأة الجزائرية عنه ، بفعل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، ولم تعد ترى إلا نادرا مشهد امرأة تجوب الشوارع وهي تتلحف الحايك.

غير أن ذلك لم يمنع من عودة هذا الموروث التقليدي إلى شوارع الجزائر وتظاهراتها الثقافية، حيث تخرج نساء في مسيرات نسوية سنوية، في الجزائر العاصمة، وقسنطينة، وجيجل، ووهران،و تلمسان، وهن يرتدين الحايك، حفاظا على هذا الموروث الثقافي الجزائري الأصيل، وحتى لا يطوى في طيات النسيان.

الحايك يحضر في التظاهرات النسوية حفاظا عليه من خطر الاندثار

علاوة على حضور الحايك في المسيرات النسائية والاحتفالات السنوية، ما يزال  يسجل حضوره في الأعراس الجزائرية، حيث تلتحفه العروس عند خروجها من بيت أهلها إلى بيت زوجها، وقد درج على هذه العادة أهالي مناطق الوسط والغرب وبعض مناطق الجنوب الجزائري.

الحايك جوهر الإيقاع

يتميز لفظ “الحــايَــكْ”، بسهولة النطق، ووبإحداثه وقعا موسيقيا في لسان المتكلم وأذن السامع، وقد عرف قاموس المعاني العربي، الحايك، بأنه من فعل حاك ويَحيك، حِياكة أي خاط الثوب ونسجه. فضلا على أنه يعكس نشاطا نسويا، وهو فن الحياكة، الذي كانت تمارسه النسوة قديما عند قبوعهن في بيوتهن.

ويتكون الحايك الجزائري من قطعتين وهما اللحاف، الذي تختلف تسميته  في المدن الجزائرية، حيث يسمى بالحايك في وسط وشرق الجزائر، الذي تلبسه نساء الحواضر، ويسمى “الكساء” أو “الكْسَا” دون نطق الهمزة، في المدن الغربية على غرار مدينة تلمسان.

أما المكوّن الرئيسي الثاني، فهو ما يعرف ب”العْجَار”، وهي قطعة من القماش  مثلثة الشكل، تُربط حول الرأس و يثبت على الوجه، الذي لا تبرز منه غير العينين.

ويكون الحايك بشقيه، بلون موحد وهو لون أبيض وسكري، يصنع من قماش الحرير، الذي يحاك منه كذلك لباس السفساري التونسي.

يتكون الحايك من قطعتين، الحايك (لحاف) والعجار(لتغطية أسفل الوجه)

السفساري هوية تونسية في العمق

على غرار الحايك الجزائري، عكس السفساري التونسي، أيضا هوية وأصالة المرأة التونسية، كما حفظ زينتها وجمالها لعديد الأزمنة والسنين، إلى أن أصبح مجرد موروث حضاري وثقافي يحتفى به في المهرجانات التقليدية وترتديه العروس يوم الحمام وعند الخروج إلى الحلاّقة في اليوم الذي تزف فيه إلى زوجها.

ولم تبق الا قلة قليلة من النساء اللواتي مازلن يحافظن على لباسه في منطقة العالية الواقعة في مدينة بنزرت شمال البلاد التونسية، حيث ماتزال نساءها وخاصة أجيال الخمسينات والستينات يستحين من الخروج دون لباس السفساري.

 

السفساري ومريول فضيلة، لباس نسوي من التراث

ورغم أن السفساري غني عن المعرفة، فقد سعى المهتمون بحفظ التراث إلى توثيق معناه ، حتى يسهل للأجيال القادمة التعرف على هذا الموروث الثقافي الأصيل، حيث عرف السّفساري بأنه” لباس النساء التقليدي في أنحاء كثيرة من تونس. وهو عبارة عن قطعة واحدة من الحايك من اللون الأبيض أو السكّري ترتديها النساء عند خروجها من البيت”.

 لفظ هندي: سف..ساري

على عكس الحايك، الذي عرف في قاموس المعاني العربي، لم يرد لكلمة “السفساري، أية تعريف لغوي، حتى قيل أنه كلمة دخيلة على العربية.

وقد ذُكر في موقع هجرة الكلمات، أنه “يتضح أن الكلمة وردت على شكل سفسر وسسّاري إلا أنه لا ذكر لأصلها…يتبادر إلى ذهن المتأمّل في كلمة سفساري القرابة الملفتة مع كلمة ساري وهو اللباس التقليدي في الهند…والسّاري التقليدي يتشكل من قطعتين إلا أن بعض الجهات (مثل كيرالا) ابتدعت الساري المشكل من قطعة وحيدة من القماش لونها أبيض ولها حرج مذهب. ويسمّى ست-ساري set sari أو settu saree  وهو اللباس التقليدي لطائفة المليالا (Malayala).”

 

نساء غرناطة وجمال الحايك

الحايك والسفساري وحدة الأصل

البحث عن أصل كلمة السفساري التي لم يرد تفسيرها لغويا، لا يخفي حقيقة وحدة الاشتراك في الأصل بين السفساري التونسي والحايك الجزائري، فقد ذكرت عديد المراجع التاريخية، أن هذا اللباس التقليدي المغاربي، هو أندلسي الأصل، قدم مع هجرة الأندلسيين إلى شمال افريقيا، ما بين سنوات 1608 و1609م، حيث كان تختص به المرأة الأندلسية، التي حافظت على الجمع بين طابع الحياء والحشمة والجمال في آن، وتلّخص في لحاف أبيض اللون.

 

نساء الأندلس يرتدين اللحاف

وقد أتقن الشاعر الأندلسي  لسان الدين ابن الخطيب، في كتابه  “الإحاطة في أخبار غرناطة“، وصف نساء الأندلس اللاتي تميزن بالجمال، فقال “حريمهم حريم جميل، موصوف بالسحر وتنعم الجسوم، واسترسال الشعور، ونقاء الثغور، وطيب النشر، وخفة الحركات ونبل الكلام، وحسن المحاورة، إلا أن الطول يندر فيهن، وقد بلغن في التفنن في الزينة لهذا العهد والمظاهرة بين المصنفات والتنفيس بالذهبيات والديباجيات والتماجن في أشكال الحلي”.

وذهب الباحث القطري أحمد ثاني الدوسري، في بحثه حول اللباس والحلي والعطور في الأندلس إلى أن “اللباس الأبيض الذي تحدث عنه ابن الخطيب يقصد به “الملحفة” التي كانت تستعمل في المغرب كما في الأندلس، ويعني به الخمار أو المعطف الذي تُحجب به المرأة خارج البيت. ويذكر المؤرخ دييغو دي طوريس أن اللباس المسمى “الإزار” في المغرب يسمى بالملحفة في الأندلس، والشيء ذاته أكده كذلك مارومول”.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

مـــظـــاهــر الـــعـــيــــد و حــكايـــات زمـــان …

بقلم : أميمة حسين – مصر كلمة «عيد» تعود إلى كثرة عوائد الله على عباده …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *