الرئيسية / عبق التراث / النيروز وشم النسيم والحضارات

النيروز وشم النسيم والحضارات

أسيمة جانو

قد تتحول الأعياد الشعبية إلى دينية وقد تتحول الدينية إلى شعبية وتبقى في ذاكرة الشعوب تراثا وتقليدا ! وقد يسبغ على الشعبي منها الطابع الديني أو يسبغ على الديني الطابع الشعبي فتختلط الأمور لدى العامة بالذات !

حالة عيد شم النسيم المصري وحالة عيد النيروز الفارسي_ الآشوري _ الكردي تتشابهان في هذا التحول من الديني إلى التراثي و الشعبي فتضيع الهوية الأصلية للعيد وحتى المحتفلون لايعرفون غالبا على وجه التحديد ماهو الأصل .

على موقع إلكتروني للكنيسة القبطية  على الإنترنت ، جاء أن : ( الأصل التاريخي لعيد النيروز مصري قديم ، وأن النيروز هو عيد رأس السنة المصرية القديمة  وهو أول يوم في السنة الزراعية الجديدة  وأصل الكلمة قبطي وهو " نى _ يارؤو" أي الأنهار  وهو يوم اكتمال موسم فيضان النيل ، ولما دخل اليونانيون مصر أضافوا حرف السين كما في لغتهم فأصبحت الكلمة " نى _ ياروس" ثم تحرفت إلى "نيروس "  فظنها العرب  "نيروز " الفارسية  وخلطوا بينهما)   كما جاء  على الموقع الرسمي للكنيسة .وهو كلام لم يثبت تاريخيا  لكنه قابل للجدل .

يوم 21 مارس  يوم بداية الربيع ، سواء في مصر القديمة أو في بلاد مابين الرافدين (العراق وسوريا) أو في بلاد فارس ( إيران ) وفى آسيا الصغرى (تركيا) وفى باقي دول آسيا الوسطى الإسلامية غالبا . وكذلك هو في الأجندة الغربية الرومانية .

وفصل الربيع يفترض أنه يبدأ في ذلك اليوم. و يسمى في تلك البلاد الآسيوية (النيروز) أو (النوروز) حسب هوية الشعوب التي تحتفل بها . ولم يجد الإسلام غضاضة حين دخل هذه المناطق في أن يدع الناس يحتفلون بهذا اليوم الذى هو في الأصل ديني ، بل وديني محض !

تحتفل شعوب آسيا الوسطى وإيران وأفغانستان وباكستان وحتى ألبانيا وتركيا ، بأهم عيد مشترك لديهم وهو (النيروز).

وتقام الاحتفالات لمدة أسابيع في بعض هذه الدول ، فهو الربيع وهو بداية السنة الفارسية . وكلمة "النيروز" هي (بداية اليوم ) أو بداية ضوء النهار الجديد . ومن هنا يقال إنها فارسية الأصل تعود إلى العبادة  الزرادشتية التي كان الضوء أهم أقانيمها . فكانت (النار) في العبادة الزرادشتية والمجوسية  هي الأصل لأنها مصدر النور والضوء .وكل من هذه الشعوب يدعى أنه أول من احتفل بالنيروز .

الفصول  لدى الشعوب القديمة كانت تلعب دورا مهما وكل شيء يتوقف عليها  وكان قدوم الربيع  أهم أعياد السنة حيث تبعث "أمنا الطبيعة " وحيث يجلب الخير والخصب والنسل والألوان . وكانت بداية الربيع هي بداية السنة لدى عدد من الأقوام القديمة وعلى رأسهم البابليون الذين اشتهروا بعلوم الفلك والآشوريين الذين يقال إنهم أول من احتفل بالنيروز عيدا لرأس السنة الشمسية .

تذكر المصادر أن (النيروز ) كان يوما مهما في عصر الدولة الأخميدية الفارسية ، فكان  ملوك مختلف الأمم التي كانت هذه الإمبراطورية تسيطر عليها ، يقدمون الهدايا للملك الذى كان يلقب (شاهنشاه) أو (ملك الملوك ) وكان "داريوس "الملقب بالعظيم اتخذ الديانة الزرادشتية ديانة للدولة في القرن السادس قبل الميلاد ، و احتفل بالنيروز عيدا دينيا بعد أن كان زرادشت (الفيلسوف أو النبي كما يقولون عنه ) قد كرسه عيدا لإله الخير "أهورا مازدا" فكانت توقد فيه النار ابتهاجا  وعبادة .  

والطريف أن شعوب آسيا الوسطى الإسلامية مازالت حتى اليوم  توقد النار ويقفز فوقها الشباب والفتيات في استعادة لتراث تاريخي وشعبي لم يعد فيه أثر للدين .

وفى عصر الساسانيين الفرس كان النيروز أهم أعياد العام على الإطلاق . وبينما فقد توهجه الديني مع دخول الإسلام إلى بلاد فارس عام 650 م  فإنه عاد في عصر  الدولة العباسية ليحتفل به  عيدا شعبيا ، تماما كما يحتفل بعيد شم النسيم في مصر  ، دون الدخول في تفاصيل الهوية والأصل .

لكن شم النسيم لاينازع المصريين فيه أحد ، بينما يقوم جدل  حول  أصل النيروز.

الأكراد بوجه خاص أو شعب (الكورد) كما يحبون أن يسموا ، يحتفلون به بين 18-21 مارس  وينطقونه ( نيوروز) ويعتبرونها أحد الأعياد القليلة القديمة  التي ظلت حتى الآن يحتفل بها .وترتدى النساء فيه  ثيابا شديدة البهجة وتضع أغطية رأس ملونة زاهية  بينما يلوح الشباب  بأعلام ملونة  أمام النار التي يوقدونها بقية من تراث قديم . وكانت السلطات التركية قد منعت الاحتفال بالنيروز  منذ عهد أتاتورك حتى عام 2000 وكانت تعتقل كل من يخالف الحظر  وعاد الاحتفال به  الآن عيدا شعبيا للربيع  ، ليس فقط للأكراد (أو الكورد) وإنما للأتراك  جميعا .

الأكراد لايعتبرونه عيدا دينيا أو حتى شعبيا  بل عيدا قوميا وطنيا ! فهو يوم شديد الأهمية في التاريخ السياسي الكردي  وقد طوعوه ليخدم القضية القومية الكردية .

وقد تم الترويج لأصل كردى للنيروز حيث اعتبر اليوم الذى اتحد فيه أسلافهم الأكراد وثاروا  ضد القوة العظمى الممثلة بالإمبراطورية الآشورية والتي كانت آنذاك هي المسيطرة على المنطقة كلها من فارس وحتى فلسطين  وقام أحدهم ويدعى " كاوه" وقبض على عنق الملك "ضحاك" الشرير الظالم ، في يوم رأس سنة 612 قبل الميلاد بعد أن اخترق الحرس  ودق رأسه بشاكوش  وجره بعيدا عن العرش  فانهارت المملكة الاشورية  وانتصر الكورد وحصلوا على استقلالهم و(أضرمت نار عظيمة فوق الجبال  ) ومازالت النار الكبيرة من معالم الاحتفال الكردي بالمناسبة .

لكن كثيرا من المؤرخين يعتقدون أن هذه القصة مجرد خيال تاريخي لخدمة القضية الكردية وإسقاط مغزاها على أعدائها المعاصرين المتمثلين في صدام حسين والحكام الأتراك والإيرانيين. ويعتقد "ويليام وردة " وهو  مؤرخ وباحث في الشئون الآشورية وهو أيضامن الآشوريين المسيحيين من العراق وزعيم الجمعية الآشورية المسيحية في أمريكا أنه ( لاعلاقة بين رأس السنة النيروز وبين هزيمة الدولة الآشورية التي سقطت على يد البابليين والميديين ) ، وأن (هذا حدث قبل ان يأتي ذكر للأكراد في التاريخ ) .

وحتى الفرس الذين يردون أصل النيروز إلى ديانة الزرادشتية القديمة ، يقول الباحثون إن رأس السنة الفارسية تعود بالأصل إلى رأس السنة الآشورية والبابلية  والتي تعود بدورها إلى العصر السومري في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد ، وكان يعتبر ( يوم البعث للطبيعة الأم ) .

ويقول "ميهرداد باهار " المختص بالتراث الإيراني إن ( استعارة  العيد حدث مع مجيء القبائل القديمة غير الإيرانية  من بلاد مابين النهرين  إلى غرب إيران ) وهو ما يؤكد صحة مقولة رأس السنة الاشورية .

ويذهب بعض الباحثين إلى أن المسيحيين الشرقيين أخذوا عن الآشوريين والشعوب القديمة عيد الربيع بمفهوم عودة (تموز إله الخصب ) من العالم السفلى جالبا معه البعث للطبيعة والخصب والخير وسموه (عيد الفسح) وتطور لدى شعوب مابين النهرين والشام إلى (عيد الفصح) المجيد . وحتى الغربيون يسمونه (الايسترن Eastern) كناية عن الشرق .

ومهما يكن من خلاف ، فإن الثابت اليوم أن شعوب المنطقة الواقعة شرق المتوسط وحتى أواسط آسيا تحتفل بالنيروز !

ففي أفغانستان له وقع خاص جدا و يسمى (النوروز) ويحتفل به شعبيا لمدة أسبوعين ويبدأ التحضير له  بعد آخر أربعاء قبل رأس السنة ، ومثل باقي الشعوب يقوم الأفغان والأكراد والتركمان والقازاق  والإيرانيون وباقي الشعوب بتنظيف البيوت تنظيفا دقيقا ( إذ ربما تزورهم ارواح ذويهم الموتى فيعرفون أنهم على أحسن حال ) ويرتدون الثياب الجديدة البهيجة ويتزاورون ويتبادلون الهدايا ولكل شعب اطباق الطعام الخاصة بهذا اليوم وإن كان يغلب عليها أنواع الطعام الفارسية التي توضع على طاولة الطعام  ويحرص أن تحتوى على 7 أصناف تبدأ بحرف السين فتسمى (السبعة أو هفت سين ) وبينها القمح والتفاح والبودنج وغيرها. وفى افغانستان يضعون السبعة من الفواكه المجففة بينها الزبيب والمشمش  في شراب واحد .

وفى سلطنة عُمان (بضم العين ) يحتفل  بتحضير خلطة معينة يعتقد أنها تحمى الإنسان باقي العام من الأمراض والعين .

ويحتفل التركمان في كركوك العراقية وفى تركمنستان في الحارات والأزقة بغناء الأطفال مع حمل المشاعل  في الشوارع وعلى اسطحة المنازل ، كما يكسرون الجرار (وراء العام الفائت) إيذانا ببدء عام جديد مع الفرح وزوال الحزن .

الحجاج بن يوسف الثقفي ، والى بنى أمية على العراق  أعاد الهدايا التي قدمت إليه في يومي العيد وأحدهما كان يسمى "خرداد " وهو عيد الخاصة  للملوك والحكام . وهو اليوم السادس من شهر "فرودين " الفارسي  (ويقابل شهر مارس الميلادي المسيحي ) . وجاء الخليفة الأموي "عمر بن عبد العزيز " فأبطل الهدايا تماما فيه .

التقويم الفارسي شمسي هجري . ويعرف بالتقويم الجلالي . ويقال إن واضعه هو الفلكي الشاعر عمر الخيام الذى شارك مع سبعة من علماء الفلك  في مؤتمر فلكى دعا إليه السلطان السلجوقى ملك شاه بن الب أرسلان  عام 1074م-462 هجرية ، واعتبر عام الهجرة النبوية بداية التقويم . وهو مستخدم في ايران وأفغانستان فقط  ويبدأ بشهر " فروردين " الذى يقابله مارس في التقويم المسيحي .  

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

أعلام التصوف المغربي العارف الكبير سيدي عبد الرحمن المجذوب (909-976ھ)

 بقلم :حورية بن قادة  من مشاهير أولياء الدولة السعدية، العارف الكبير، صاحب الأحوال العجيبة، والكرامات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *