الرئيسية / آراء و مواقف / الإتجاه الاحتفالي عند عبد الكريم برشيد

الإتجاه الاحتفالي عند عبد الكريم برشيد

بقلم :ذ .جميل حمداوي – المغرب 

عرفت الساحة الثقافية العربية في مجال المسرح، منذ منتصف ستينيات القرن العشرين إلى يومنا هذا، مجموعة من الاتجاهات والنظريات والبيانات والأوراق والتصورات الدرامية التي حاولت النبش في هوية المسرح العربي تأسيسا وتجنيسا وتجريبا وتأصيلا، سواء أكان ذلك على مستوى المضمون أم على مستوى القالب والشكل أم هما معا . وهذا كله من أجل مواجهة الاستلاب الحضاري والتغريب والمسخ الثقافي.

ومن بين الاتجاهات المسرحية المعروفة عربيا مسرح المقلداتي مع توفيق الحكيم، ومسرح السامر مع يوسف إدريس، والكوميديا المرتجلة مع علي الراعي، والاحتفالية مع عبد الكريم برشيد، ومسرح التسييس مع سعد الله ونوس ودريد لحام، والمسرح الحكواتي مع روجيه عساف، ومسرح الصورة مع صلاح القصب، والمسرح التراثي مع عز الدين المدني، ومسرح الگوال مع عبد القادر علولة، ومسرح النفي والشهادة مع محمد مسكين، والمسرح الثالث مع المسكيني الصغير، ومسرح البيان الجدلي مع عبد القادر عبابو، ومسرح الافتراض الجمالي مع نوال بنبراهيم، والاتجاه الإسلامي مع عماد الدين خليل، ونجيب الكيلاني، وجميل حمداوي؛ ومسرح الاستدراك مع أحمد ظريف، و مسرح المرتجلات مع محمد الكغاط، والكوميديا السوداء مع لحسن قناني ومصطفى رمضاني، والمسرح الفردي مع عبد الحق الزروالي، والاحتفالية الجديدة مع محمد الوادي…

لكن ما يهمنا من هذه الاتجاهات والنظريات والتصورات والبيانات هو ما يتعلق بالمسرح الاحتفالي عند عبد الكريم برشيد رغبة في معرفة أصوله الفكرية والجمالية، وتحديد موقفه من التراث، ورصد مجمل الآليات التي اعتمد عليها في الاشتغال على التراث تأليفا، وتشخيصا، وإخراجا.

المبحث الأول: سياق النظريـــة الاحتفاليـــة

لم تظهر النظرية الاحتفالية – كما يقول مصطفى رمضاني- إلا بعد نكبة الأمة العربية ونكستها المريرة.أي: بعد هزيمة العرب في 1967م أمام غطرسة إسرائيل، وتجبر حلفائها العداة. وقد ساهمت هذه النكسة في تمرد المثقفين العرب عن معايير الثقافة الكلاسيكية الموروثة. كما دفعتهم إلى التجديد والتجريب والتأصيل عبر البحث في الهوية الذاتية، ورفض قوالب الفكر الغربي، والعودة إلى التراث من أجل استقرائه، وإعادة كتابته من جديد، وتوظيف نقطه الإيجابية من أجل تنوير الحاضر قصد تحقيق قفزة تنموية مستقبلية على غرار الدول المتقدمة. لذا، وجدنا محمد عبد الجابري، وعبد الله العروي، وحسين مروة، والطيب التزيني، وحسن حنفي، ومحمد أركون… ينبشون في الفكر الإسلامي والتراث الفلسفي من أجل تثويره من جديد.

وألفينا أيضا جمال الغيطاني، وإميل حبيبي، وعبد السلام المسدي… يبحثون في التراث السردي والروائي. وألفينا كذلك عبد الكريم برشيد، والطيب الصديقي، وعز الدين المدني، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، وعلي الراعي… يبحثون في التراث المسرحي رغبة في التأصيل، وتأسيس فكر عربي وإبداع فني مغاير للفكر الغربي.(1)

ولم تظهر النظرية الاحتفالية إلا في أواسط السبعينيات من القرن العشرين مع مسرح الهواة، وظهور مجموعة من الاتجاهات المسرحية التي ظهرت بمثابة رد فعل على المسرح الاحتفالي الذي نظر له عبد الكريم برشيد. وهذه الاتجاهات هي: المسرح الثالث مع المسكيني الصغير، ومسرح المرحلة مع حوري الحسين، والمسرح الفردي مع عبد الحق الزروالي، ومسرح النقد والشهادة مع محمد مسكين. لكن البحث في التأسيس والتأصيل المسرحي بدأ في الحقيقة مع منتصف الستينيات من القرن الماضي، وامتد مع السبعينيات وعقد الثمانين مع تصورات يوسف إدريس وتوفيق الحكيم وعلي الراعي في مصر، وعز الدين المدني في تونس، ومسرح التسييس بسوريا، وفرقة الحكواتي بلبنان، والفوانيس بالأردن، وجماعة السرادق بمصر، وإن كان التأصيل التراثي في الحقيقة قد انطلق مع بدايات المسرح العربي في منتصف القرن التاسع عشر مع محاولة أبي خليل القباني، ومارون النقاش، ويعقوب صنوع، ومحمد تيمور…

وعليه، فلقد أصدر عبد الكريم برشيد مجموعة من البيانات الفردية منذ بيانه الأول سنة 1976م، معلنا تأسيسه لمشروع مسرحي جديد يتمثل في النظرية الاحتفالية والمسرح الاحتفالي. كما ظهرت بيانات جماعية لأعضاء المسرح الاحتفالي للتعريف بالنظرية المسرحية الاحتفالية، وتبيان مرتكزاتها الفنية والجمالية والفلسفية التي تؤسس لمسرح عربي جديد مغاير للمسرح الغربي. وقد انصبت هذه البيانات الفردية والجماعية على شرح النظرية الاحتفالية، وتوضيح أسسها الدلالية والتقنية في مجال السينوغرافيا، والإخراج، وتأليف النص الاحتفالي.

ومن الأعمال المسرحية التي ألفها عبد الكريم برشيد، ضمن الاتجاه الاحتفالي بمختلف فنياته وجمالياته، موال البنادق، وعنترة في المرايا المكسرة، وسالف لونجة، والزاوية، ومنديل الأمان، وابن الرومي في مدن الصفيح، والناس والحجارة، وعطيل والخيل والبارود، وفاوست والأميرة الصلعاء، وامرؤ القيس في باريس، وعرس الأطلس، والسرجان والميزان، وقراقوش، وحكاية العربة، ولعبة الوجوه والأقنعة، ومرافعات الولد الفصيح، وجحا في الرحى، واسمع يا عبد السميع، والنمرود في هوليود، وخيطانو المجنون، والدجال والقيامة، والحومات، والحسين يموت مرتين، ويا ليل ياعين، ورباعيات المجذوب، وموال مسرحي، والحكواتي الأخير…

المبحث الثاني: التصور النظري

تنبني الاحتفالية – حسب بيانات عبد الكريم برشيد- على مجموعة من المبادئ والمرتكزات النظرية والتطبيقية، و يمكن حصرها في نوعين من العناصر، ما يتعلق بما هو فكري ودلالي وقضوي، وما يرتبط بما هو جمالي وفني:

* المسرح عيد ولقاء واحتفال: يذهب عبد الكريم برشيد إلى أن المسرح الاحتفالي مبني على الاحتفالات والأعياد، سواء أكانت دينية أم وطنية أم قومية أم فنية جمالية. والأصل في المسرح منذ نشأته كان عيدا احتفاليا منذ ديونيسوس. وبعد ذلك، ارتبط بالأسواق والمواسم والأعياد والزوايا. وفي هذا الصدد، يقول برشيد:" المسرح حفل واحتفال.هكذا عرفناه من قبل. إنه مهرجان كبير يلتقي فيه الناس بالناس.إنه عيد جماعي. لذلك، ارتبط بالساحات والأسواق والمواسم ."(2)

* المشاركة الجماعية: تؤمن الاحتفالية بالمشاركة الجماعية، فالمسرح عند برشيد تجمع حاشد، يلتقي فيه المبدعون والمسرحيون مع الجمهور لتقديم فرجة احتفالية تحقق التواصل الحي بينهم،" فحيثما اجتمع الناس. كان هناك مسرح. والحفل في أصله موعد شامل. يجمع الذوات المختلفة داخل إطار واحد. وعندما نوحد أماكن وجودنا، نوحد زمن اللقاء وموضعه، نكون بذلك قد أوجدنا هذا الكيان الجديد. هذا الذي يحمل اسم جمهور. ومن خلال هذا اللقاء يولد المسرح. تولد الفرجة وكل أنواع التعبير المختلفة. إن أساس كل تعبير هو وجود الآخرين وتفاعلهم معنا. ومن هنا، كان المسرح – وهو فن مركب- يسعى إلى التواصل ليجعل من عروضه أعيادا واحتفالات"(3).

* تكسير الجدار الرابع: لتحقيق التواصل الحي بين الملقي المسرحي والجمهور المتلقي لابد من تمزيق الستارة الوهمية التي تفصل بين الركح والجمهور، وتكسير الجدار الرابع على غرار دعوة برتولد بريخت" داخل فعل الاحتفال يكون التمثيل لعبة جماعية تشكل خيوطها خلفياتها المختلفة أمام المحتفلين. فمن داخل الحفل تتميز مواهب مختلفة-سواء في المحاكاة أو الغناء أو الرقص- لتؤدي مشاهد وفواصل للآخرين. وبهذا، يسقط الجدار بين المبدع والمتلقي، إذ المشاركة متوفرة. ولو في أبسط صورها.أي عن طريق التصفيق والتشجيع والضحك والتعليق الفوري…"(4)

* المسرح الاحتفالي فن شامل ومتكامل: يتميز المسرح عند عبد الكريم برشيد بكونه فنا شاملا ومركبا من عدة فنون وأجناس أدبية وفرجات شعبية، تشكل ذاكرته وتاريخه وهويته الاحتفالية،" إن الاحتفال ليس مرادفا بالضرورة للتمثيل.لأنه في جوهره مجموعة من الفنون التي تقوم على أنواع مختلفة من التعبير المتكامل.إنه الشعر والغناء والرقص والإيماء.إنه الأقنعة والأزياء. إن المشاركة لا تتم على مستوى المحتفلين فقط. بل وأيضا على مستوى الفنون التي يمتلكون."(5)

* المسرح إحساس بالمسرات والأفراح والانشراح: يرى برشيد أن المسرح إحساس وجداني بالفرح الاحتفالي الذي تقدمه الفرجة الدرامية الجماعية عبر وسائط فنية عديدة تخاطب مشاعر الجمهور وذاكرته الموروثة، وتساعده على الالتحام بالمبدع المسرحي،" إن الاحتفال إحساس قبل كل شيء. إحساس عام داخل فضاء عام. إن هذا اللقاء يفجر موضوعا واحدا وموحدا للتعبير عن الفرح. الفرح باللقاء والحضور والتواصل. ويبقى أن هذا الإحساس/ الأساس يتم التعبير عنه بوسائل فنية تتعدد وتختلف. وذلك، بحسب تعدد واختلاف الحاضرين المشاركين. فالبعض يحسن الغناء…والبعض الآخر يحسن الرقص أو الإيماء."(6)

* التلقائية والبساطة والمباشرة والحيوية: وفي هذا النطاق، يقول عبد الكريم برشيد:" بمجيء عصر النهضة، خضع المسرح لعملية مسخ وتشويه. لقد ضيع أسسه الجوهرية الكامنة في التلقائية والمباشرة والحيوية.وبذلك، لم يعد ذلك الاحتفال النابض بالدفء والحياة."(7)

* المسرح فضاء مفتوح: ثار عبد الكريم برشيد على المسارح الكلاسيكية القائمة على العلبة الإيطالية التي كانت تخنق الجماهير طبقيا، وتحرم اللقاء التواصلي الحميم بين الفنانين والجمهور لخلق فرجة احتفالية جماعية،" إن التحول الذي عرفه المسرح- من فضاء مفتوح إلى فضاء مغلق- لم يكن أبدا فعلا بريئا؛ ذلك لأنه كلما ضاق الحيز المكاني إلا وكان لذلك معنى. ومعناه هنا استبعاد الآخر وتغييبه ونفيه.إنها العودة من جديد إلى مسرح الأسرار، حيث يتحول الفعل المسرحي إلى طقوس خاصة…"(8)

ومن ثم، يدعو برشيد إلى إقامة العروض المسرحية في أمكنة وفضاءات مفتوحة، كالساحات والأسواق والمواسم الروابط والزوايا.أي: الفضاءات الشعبية التي يحتشد فيها الناس والجماهير الشعبية الغفيرة.

* المسرح خلق وإبداع وتجدد مستمر، وليس محاكاة وتقليدا: يرفض برشيد أن يتحول المسرح إلى أداة لاستنساخ الواقع الموضوعي، بل المسرح فن وخلق وإبداع وتجاوز." بهذا، يكون المسرح خلقا جديدا ومتجددا للطبيعة والواقع والتاريخ والأشياء.الطبيعة ليست شيئا جاهزا وثابتا، وذلك حتى تكون المحاكاة ممكنة.الطبيعة هي التحول والتغير.إنها مانراه ومالا نراه.إنها الحاضر والغائب والساكن والمتحرك. ومن هنا، كان من العبث أن نكون أكثر طبيعية من الطبيعة وأكثر واقعية من الواقع."(9)

* المسرح ظاهرة شعبية: يقر عبد الكريم برشيد أن المسرح بصفة عامة، والمسرح الاحتفالي بصفة خاصة، هو مسرح شعبي بامتياز مادام مرتبطا بالذاكرة التراثية، " كان ينبغي أن نبدأ من حيث يبدأ كل مسرح.أي من ظاهرة الاحتفال الشعبي. بهذا، ندخل فضاء البحث المشروع عن المسرح/المشروع."(10)

* المسرح إنساني النزعة: يتجاوز المسرح الاحتفالي عند برشيد الحدود الضيقة الإقليمية والوطنية ليصبح المسرح إنسانيا، مادام يرتكز على الاحتفال والفرجة الشعبية." في كل احتفال هناك جانبان: جانب ثابت وآخر متغير. الأول إنساني مطلق أما الثاني فإقليمي ونسبي.وإن ملامسة الجوهر تنطلق من مسألة الثابت وليس المتغير والمطلق – وليس النسبي- والإنساني وليس الإقليمي. لو فعلنا هذا لعرفنا أن المسرح الغربي ليس أكثر من صيغة واحدة للاحتفال."(11)

* الارتباط بالتراث: يدعو برشيد إلى التشبث بالذاكرة التراثية لتأسيس مسرح عربي أصيل،" إن فنونا عديدة ما تزال بعيدة عن التناول والمقاربة. مع أنها تملك إمكانيات هائلة في التعبير والتبليغ.إن مخاطبة الشعب لا يمكن أن تتم أبدا إلا من خلال تراثه الفني والأدبي والفكري."(12)

* الاحتفال بالحياة بدلا من التمثيل: يرى برشيد أن المسرح الاحتفالي لا يؤمن بعملية التمثيل، بل يركز على الاحتفال القائم على التلقائية والعفوية والمشاركة والبساطة،" إن المسرح لا ندخله، لأنه هو الذي يدخلنا .لأنه الحياة في صورتها المصغرة والمكثفة.إنه حيز زماني.وهل نحن إلا هذا الحيز الزماني. الممتلئ حياة وانفعالا وقضايا. لنحتفل، إذاً، ولنبتعد عن التمثيل.لأن الاحتفال ممارسة لفعل الحياة والتمثيل تقليد لهذا الفعل."(13)

* شعار الاحتفالية هو: نحن/ الآن/هنا: تركز الاحتفالية على حضور الإنسان في بعده الاحتفالي الجماعي، مع التشديد على الحضور في الزمان والمكان.

* الاحتفالية فعل حي: ويعني هذا أن الفعل المسرحي في المنظور الاحتفالي لا يعتمد على التكرار والرتابة والسكون، بل هو فعل حي نابض ومتجدد باستمرار،" إن الاحتفالية لا تقدم وهما ولا تعرض فرجة، إنها لا تحكي عن فعل كان، ولا تحاكي فعلا يكون الآن، لأن الاحتفال المسرحي في جوهره فعل حي، فعلا لا يكرر غيره من الأفعال، ولا يمكن أن يشير إلا لنفسه وذاته، إنه زمن متقطع من عمر المحتفلين زمن لا يتكرر، وعليه فإن ما يرتبط به من فعل اختصار لكل فضاء العالم، إنه تكثيف لكل الأمكنة والأزمنة."(14)

* الاحتفالية تجريب بغية التأسيس والتأصيل: تهدف الاحتفالية إلى تجريب طرائق جديدة في المسرح، ولاسيما الاعتماد على الذاكرة التراثية من أجل تأسيس مسرح عربي، وتأصيله هوية وكينونة ووجودا.

* الاحتفالية كشف وبحث عن المدهش والعجيب: ليست الاحتفالية حركة عادية تكتفي بالجاهز والعادي، بل هي دائما تبحث عن الغريب والمدهش، وتكشف عن عوالم جديدة حلمية ممكنة ومحتملة." الاحتفالية تنطلق من الرغبة في الكشف، كشف الذات- ذات الفرد والجماعة- وكشف أسرار العالم المحيط، مثل هذا الكشف يقتضي التحرر من العادي والهروب من المعروف والشائع بحثا عن المدهش والعجيب. والاندهاش هو بداية العلم، ومنطلق الفن الحقيقي ."(15)

* الاحتفالية اجتهاد جماعي كلي وليس فرديا، وجمع بين النظرية والتطبيق. وفي هذا الصدد، يقول عبد الكريم برشيد: "إن الاحتفالية تجاوزت العمل الفردي- الجزئي- إلى العمل الجمعي والكلي، فهي- قبل أن تكون نظرية فكرية- ورش يقوم على أساس التجريب الميداني وعلى التطوع الإبداعي، وذلك من حيث الممارسة والتنظير والاعتقاد.إنها تزاوج بين النظرية والتطبيق، لذلك أوجدت الجماعة المتجانسة، وذلك عوض الفرقة المجتمعة بالصدفة."(16)

ومن ثم، فقد تأسست جماعة المسرح الاحتفالي بمدينة مراكش في 27 مارس من سنة 1979م، وأصدرت بيانها الأول الذي يتضمن خمسا وسبعين نقطة(17). وتتكون الجماعة من عبد الكريم برشيد، والطيب الصديقي، وعبد الرحمن بن زيدان، ومحمد الباتولي، وثريا جبران، ومحمد فرح، وعبد الوهاب محمد، وآخرين…

*الاحتفالية رؤية واقعية: لم تنس الاحتفالية، وهي تهتم بالمدهش والغريب والعجيب، وتكشف خبايا الماورائيات والأحلام، أن تهتم بقضايا الواقع والكائن والحاضر،" إن المسرح الاحتفالي لا يباعد بين الفعلين: الواقعي والمسرحي. لأن الأساس هو أن يصنع منهما سحر المسرح واقعا جديدا، فيه شيء مما هو كائن، وشيء مما هو ممكن.فيه بعض مما نراه، وبعض مما نتصوره. فيه الواقعي والحلمي والحقيقي والوهمي والحاضر والغائب. إن الحفل المسرحي لا يكون إلا بيننا.فنحن شهوده ونحن من نحييه ونتورط فيه. وبهذا، تختفي ميتافيزيقية المسرح الكلاسيكي، وتختفي لاهويته الكامنة في وجود الغيب المسرحي والجبرية المسرحية."(18)

* التحدي والتجاوز: تؤمن الاحتفالية بالتحدي والتجاوز والتغيير،" إن الاحتفالية تتجاوز ما يقع- في الواقع والتاريخ والحكاية والأسطورة والحلم- إلى تلمس معنى ما يقع ورصد روحه ومغزاه…هذه المحاكاة الاحتفالية تقوم على أساس التحدي والتجاوز…"(19)

* الابتعاد عن التعليم والتحريض والتلقين: ترفض الاحتفالية،بشكل قطعي، تحويل المسرح إلى أداة إيديولوجية تقوم على الأطروحة والتلقين والتسييس المباشر، والاعتماد على التحريض الجماهيري؛ إذ"تحاول الاحتفالية بناء علاقات جديدة بالجمهور، علاقات تقوم على استبعاد التعليم والتحريض والتلقين".(20)

* الاحتفالية ليست اتجاها أو مذهبا، بل هي المسرح ذاته: يرى برشيد أن الاحتفالية ليست مذهبا أو حركة أو اتجاها مسرحيا، بل هي منذ القديم كانت أس المسرح وجوهره الحقيقي،" المسرح الاحتفالي يرفض أن يكون اتجاها، لأن طموحه أكبر من أن يكون مجرد رافد من روافد المسرح/ النهر، ليست الاحتفالية شكلا جديدا في المسرح، بل هي المسرح ذاته منذ أن وجد."(21)

* الاحتفالية نظرية نسقية متكاملة: تبدو أن الاحتفالية نظرية فلسفية متكاملة إلى الوجود والمعرفة والإنسان والقيم، وليست حركة جزئية، أو اتجاها مدرسيا فقط في مجال المسرح، بل هي ممارسة مصحوبة بتصور فلسفي نظري متين يدعو إلى عالم إنساني احتفالي بعيدا عن التغريب والاستلاب والاستغلال والتعليب والتشييء. ومن ثم، فهي تهدف إلى إقرار إنسانية الإنسان، ومدنية المدينة، وحيوية الحياة، " حاولت الاحتفالية – من خلال الأبحاث والدراسات والبيانات- أن تقيم لها منظومة فكرية، وأن تكون هذه المنظومة من الاكتمال والشمول حتى تستوعب الأسس الفكرية والجمالية لبناء مسرح وبناء إنسان وواقع."(22)

* اهتمام الاحتفالية بالشخصية على حساب الأحداث الدرامية: يعنى المسرح الاحتفالي كثيرا بالشخصيات، سواء أكانت مرجعية أم واقعية، ولا يهتم كثيرا بالأحداث المسرحية الدرامية،" تركز الاحتفالية على الفعل الحيوي، أي على الإنسان الممثل والشخصية، وبهذا، فإن النص الاحتفالي لا يركز على الحدث الدرامي والبناء المعماري والزخرفة. بقدر ما يركز على الشخصية .إنه يبني الإنسان/ الشخصية قبل أن يبني الحدث. والشخصية دائما في موقف صعب أو مواقف، شخصية متوترة حية لها ظاهر وباطن، محاصرة دوما بين الصحو والسكر، موجودة بين اليقظة والحلم، بين الحقيقة والوهم والجد واللعب والموت والميلاد. ولعل هذا ما يفسر أن تحمل مسرحيات الاحتفاليين أسماء لأشخاص- لهم وجود في الواقع أو التاريخ أو الأسطورة- ( سيدي عبد الرحمن المجذوب- بديع الزمان الهمذاني- بوكتف- الحراز- سيدي قدور العلمي- عطيل والخيل والبارود- ابن الرومي- قراقوش الكبير- عنترة في المرايا المكسرة)."(23)

* تقسيم المسرحية إلى أنفاس احتفالية: يقسم الاحتفاليون المسرحيات إلى أنفاس احتفالية حيوية نابضة بالحياة والحركة، وليس إلى فصول ومناظر ومشاهد كما في المسرحيات الكلاسيكية،" إن هذه التسمية ليست حذلقة، ليست لعبا بالألفاظ، وإنما هي استجابة حقيقية لمضمون الاحتفال.لأن الأساس في الحفل هو نحن- إحساسا وفكرا وتصورا وزمنا وعلاقة- وبهذا فإن هذه/ النحن/ لا يمكن أن تعبر عن حياتها إلا بتعاقب الأنفاس الحارة. وبهذا، فلا مجال لتشييء المسرحية / الاحتفال، وذلك بأن تصبح فصولا أو مشاهد أو لوحات مادية نراها ونسمعها من غير أن نحياها.."(24)

* توظيف مصطلحات درامية دالة على الاحتفال: من المصطلحات التي يستعملها الاحتفاليون كثيرا: الحفل، والاحتفال، والممثل المحتفل، وأنفاس احتفالية، والمخرج الاحتفالي، والحفل المسرحي، واللااندماج الاحتفالي…

* النص المسرحي مجرد تخطيط للاحتفال والارتجال الجماعي: وفي هذا السياق، يقول برشيد:" إن المسرحيات الاحتفالية مكتوبة على أساس أن تكون حافزا للفعل. إنها ليست شيئا مغلقا، وإنما هي مجرد تخطيط يعطي فرصة للارتجال بين الجمهور والتحاور معهم، وذلك حتى يتحقق للفعل المسرحي آنيته وحيويته وانتسابه إلى اللحظة وإلى الناس وقضاياهم الحية…"(25)

* الدعوة إلى إخراج احتفالي: ينطلق الإخراج الحقيقي من التصور الاحتفالي فكرا، وإبداعا، ووظيفة،" فدور المخرج هو أن يجعل اللقاء ممكنا، يهم الجميع ويمس الجميع ويخاطب الجميع، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا من خلال استخدام أدوات فنية دقيقة، من مثل إدخال كلمات أو تعابير شائعة في الحفل أو ارتجال جاد ينقذ موقفا أو يرد على الجمهور."(26)

وخير من يمثل الإخراج الاحتفالي – حسب عبد الكريم برشيد- هو الطيب الصديقي الذي أبدع مسرحيات احتفالية حولت الفرجة الدرامية إلى احتفال شعبي جماهيري مفيد وممتع. وفي هذا الصدد، يقول محمد عزام:" وإذا كان الكاتب عبد الكريم برشيد قد أغنى الاحتفالية في المجال التنظيري والإبداعي، فكتب مسرحيات إنسانية على مستوى عال من التجريد، فإن الطيب الصديقي قد استطاع أن يقدم المسرح التسجيلي والتراثي باحتفالات مسرحية ضخمة شهدت بولائه الكبير، من حيث التقنية والإخراج للمسرح الاحتفالي، كما في مسرحياته 🙁 عبد الرحمن المجذوب، وسلطان الطلبة، ومعركة الملوك الثلاثة، والمغرب واحد)."(27)

*المسرحية الاحتفالية بناء درامي مغاير: المسرحية الاحتفالية – في مفهوم برشيد- بناء مغاير متعدد ومتنوع غير خاضع للبناء الأرسطي،" إن المسرحية ليست حكاية، لها بداية ووسط وختام، وأنها لابد أن تنتهي إلى مايرضي الذوق السائد، أي بالثبات والنبات."(28)

* الاندماج الاحتفالي: يرفض برشيد والجماعة الاحتفالية نظرية التغريب عند بريخت. ومن ثم، كان الإيمان بالاندماج. وفي هذا الإطار، يقول برشيد:" كان لابد لهذا الإبعاد كما نعرف- قائم بالأساس على الفصل بين مستويات الواقع: إن التمثيل- وإن كان وهما- فهو واقع كذلك، فالأحلام واقع وكذلك الأمر بالنسبة للتصورات والتمثيل إننا نؤمن بأنه لاشيء في الواقع يمكن أن يكون خارج الواقع، إن التمثيل الاحتفالي يقوم على الاندماج، أي على تحقيق الوحدة مع الدور والشخصية والجمهور، وحتى نميز بين مفهوم ستانسلافسكي للاندماج ومفهوم الاحتفالية، نقول: إن الاندماج في المفهوم الأول يتم لفائدة الوهم والماضي، أما في المفهوم الثاني فيتم لحساب الواقع الآتي."(29)

* اللغة الاحتفالية: تتكون اللغة الاحتفالية من الرقص والغناء والحكي والإيماءة وجميع أشكال الفرجة الشعبية المتنوعة؛

* الزمن الاحتفالي دائري: يرتبط زمن المسرح عند برشيد بالاحتفال الذي يتخذ دورة طبيعية دائرية،" إن الممثل يعيش الحاضر الآني، هذا الحاضر الذي هو ملتقى الأزمان المختلفة، إن الشخصية التي يجسدها هي حقيقتها اختصار لكل الإنسان أو لنمط معين منه. إن الزمن الاحتفالي هو بالضرورة زمن أسطوري، وذلك لأنه يتخذ له خطا دائريا تنتفي فيه نقطة البدء والختام، إن الاحتفال يعود دائما سواء بعودة الخصب إلى الطبيعة أو عودة القمر. فهو إذاً متكرر، وفي تكراره يتجدد. ومن هنا، كان الممثل هو هذا الكائن الذي يعيش الزمن المتجدد باستمرار، فهو يعيش أكثر من مرة، ويولد أكثر من مرة، ويموت أكثر من مرة، إنه ليس عمرا واحدا، وإنما هو حزمة أعمار."(30)

* تمثل تقنيات المسرح الفقير : تعتمد النظرية الاحتفالية على تقنيات المسرح الفقير، مع تشغيل السينوغرافيا القائمة على الاقتصاد والتقشف في الديكور، وتنوير قاعة الجمهور بدلا من استخدام الظلمة المستلبة، وتشغيل مكونات الفن المسرحي الشامل من غناء ورقص ورواية وشعر وتمثيل….

وهكذا، فالمسرح الاحتفالي هو تركيب جديد يجمع بين ماهو ذهني ووجداني، فهو مسرح مخالف للمسرح الملحمي البريختي الذي يعد مسرحا تعليميا عقلانيا وذهنيا يخاطب العقل والوعي الإيديولوجي. في حين، لا يخاطب المسرح الدرامي، أو ما يسمى كذلك بالمسرح العاطفي، سوى الإحساس والجوانب الذاتية الشعورية لدى المتفرج. بيد أن أستاذنا مصطفى رمضاني يصحح تصور عبد الكريم برشيد حول البريختية ذاهبا إلى أن المسرح البريختي يجمع بين الإحساس والعقل معا؛ إذ يصرح بريخت قائلا أن" ماهو جوهري بالنسبة للمسرح الملحمي يتلخص كما يبدو لي في مخاطبته للمشاعر قدر مخاطبته لعقل المشاهد، فالمشاهد يجب ألا يتعاطف، بل يجب أن يجادل، وفي مثل هذه الحالة فليس من الصحيح قطعا أن نجرد هذا المسرح من الإحساس"(31)

من خلال تأملنا للبيانات الفردية لعبد الكريم برشيد والبيانات الجماعية لأعضاء المسرح الاحتفالي يتبين لنا أن النظرية الاحتفالية نظرية فلسفية جمالية عامة وكلية. بينما المسرح الاحتفالي جزء وتطبيق للنظرية على مستوى الممارسة الميدانية. ومن ثم، فالاحتفالية نظرية مسرحية قائمة على الحفل والاحتفال، وأن جذور المسرح احتفالية مع بدايات المسرح اليوناني الذي كان يقدم فرجته الاحتفالية لمباركة الإله ديونيسوس(32). ومن هنا، يعد التراث من أهم مكونات النظرية الاحتفالية إلى جانب الشعبية، والعفوية، والتلقائية،ودائرية الزمن، والتحدي، والإدهاش، والتحرر من العلبة الإيطالية نحو فضاءات خارجية ترتبط بالشعب والجماهير.

 كما ترتكز النظرية الاحتفالية على تكسير الجدار الرابع، ورفض نظرية الاندماج الأرسطي ونظرية التغريب البريختي، وتستبدلهما بالاندماج الاحتفالي. و تثور النظرية الاحتفالية أيضا على مقومات الشعرية الأرسطية، مثل: الوحدات الثلاث، وتقسيم المسرحية إلى فصول ومشاهد، وتستبدل ذلك بالمسرح الدائري . ويسمي الاحتفاليون الفصل المسرحي بالحفل أو النفس الاحتفالي، ويسمى الممثل والمتلقي بالمحتفل، والعرض بالاحتفال المسرحي.

ويلاحظ كل راصد للمسرح الاحتفالي مدى اندماج الجمهور مع الممثلين في تقديم حفلهم الدرامي عن طريق الارتجال والمشاركة الوجدانية الحميمة، دون أن يكون هناك أدلجة مستلبة. فالاحتفالية ثورة على التزييف والتمويه وتزوير الحقائق. إلا أن الكثير من النقاد يعتبرون الاحتفالية نظرية رجعية تهادن الإقطاع والسلطة. وهناك من يعتبرها، في هذا الاتجاه التوعوي، نوعا من البريختية الجديدة. على الرغم من أن عبد الكريم برشيد يرفض نظرية بريخت؛ لأنها ماركسية التصور، تحاول أن تفرض على الراصد الدرامي موقفا إيديولوجيا معينا، على عكس الاحتفالية التي تحاول أن تصل إلى عقل الراصد ووجدانه عبر الحجاج الموضوعي والاقتناع الشخصي والإدراك الذاتي، دون فرض ولا إجبار ولا قسر (33).

لكن ما يلاحظ على هذه الانتقادات أنها غير موضوعية وغير نزيهة، فهي مجرد أحكام متسرعة وانطباعات متشنجة نابعة من الحسد والحقد، وتنطلق من خلفيات إيديولوجية، أو حزازات شخصية، بعد أن أظهر عبد الكريم برشيد تفوقه العلمي والمنهجي والتنظيري والإبداعي في الساحة الثقافية المغربية بصفة خاصة، والثقافة العربية بصفة عامة. وما يزال برشيد يصدر البيانات الاحتفالية بيانا تلو الآخر، ويرفق ذلك بالمسرحيات المتميزة والمتنوعة، وبالدراسات النظرية والنقدية الجادة والرصينة. بينما لم تصمد النظريات المسرحية الأخرى أمام قوة النظرية الاحتفالية التي انتشرت مشرقا ومغربا بقوة نسقها الفلسفي ومعقولية بنائها الفني والجمالي.

ومهما مدحنا عبد الكريم برشيد بكل صدق وإخلاص، حتى ولو اختلفنا معه في بعض الأفكار والتصورات النظرية، فإننا لانستطيع أن نستوفي حق هذا الرجل الذي أعطى للمسرح العربي الشيء الكثير الكثير . ومازالت نظريته حية باقية تعطي ثمارها اليانعة المتجددة، وتنبض بالحياة والحركة والتلقائية والعفوية . وقد دعا برشيد مؤخرا إلى الفلسفة العيدية التي تشكل المسار النظري لكتاباته الفكرية والإبداعية والفلسفية(34).

المبحث الثالث: مصادر النظرية الاحتفالية

تنطلق النظرية الاحتفالية عند عبد الكريم برشيد من مرجعيات غربية وعربية، وتستلهم تصورات الاحتفال في المسرح اليوناني، وآراء جان جاك روسو الذي استبدل العرض بالاحتفال، وتستوحي توجهات جان فيلار الذي أسس المسرح الشعبي، وكذلك أفكار أنطونين أرطو الذي دعا إلى مسرح شرقي بديلا للمسرح الغربي، وما قام به بعض المخرجين الغربيين الذين عادوا إلى الحفل كوسيلة للتواصل الحي الفطري كأدولف أپيا، وجاك كوپوه، وگوردون گريگ، ومايرهولد. دون أن ننسى أبحاث ألفريد سيمون حول التواصل الاحتفالي، وما كتبه العلماء الأنتروپولوجيون حول فاعلية الحفل، وتمثل آراء بريخت.

كما اعتمد كذلك على الظواهر الشعبية العربية الإسلامية، والاطلاع على تنظيرات بعض المنظرين المسرحيين العرب المحدثين والمعاصرين، مثل:توفيق الحكيم،ويوسف إدريس، وعلي الراعي، والطيب الصديقي، وعبد الرحمن كاكي، وأحمد الطيب لعلج، وعز الدين المدني، وألفرد فرج، وقاسم محمد…

المبحث الخامس: موقف الاحتفالية من التراث

لا يمكن الحديث عن الاحتفالية دون ذكر التراث، ولا يمكن أيضا الحديث عن التراث دون الإشارة إلى الاحتفالية. ومن ثم، فمن الضروري التشبث بالذاكرة التراثية؛ لأنها هي التي تشكل الوعي الممكن لدى الفنان المبدع الاحتفالي،"إن مخاطبة الشعب لا يمكن أن تتم أبدا إلا من خلال تراثه الفني والأدبي والفكري. إن سفوكلوس مثلا، لم يفعل شيئا سوى أنه أعاد كتابة أو قراءة التراث اليوناني بشكل آخر مغاير. لقد فجر الاختلاف داخل الائتلاف، واستخرج المستقبلي- من رحم الماضوي. من هنا، كان فعله تحديا للكائن وتجاوزا للجاهز واستشرافا للمكن. فقديما كانت عكاظ سوقا تجارية وأدبية معا. لم يكن اللقاء يحدث من أجل المنفعة التجارية فحسب. وإنما كان أيضا استجابة لدوافع اجتماعية في التواصل. وعن هذا اللقاء خرجت أمهات القصائد العربية. وعن مثل هذا اللقاء ولد المسرح في أثينا. وعن الساحات العربية العريقة جاءت ملاحم عنترة وسيف بن ذي يزن والهلالية والوهابية. كما أن الأعياد والمواسم قد أعطت (لبساط) و(سلطان الطلبة) و(خيال الظل) و( القره قوز) وغير ذلك…"(35)

وبما أن الاحتفال قديم على مستوى الذاكرة، فمن الضروري التعامل مع التراث بطريقة إيجابية. ومن ثم، " فلقد عثر المسرح العربي أخيرا على هويته.عرف أن أساس المسرح هو الاحتفال. ولذلك، فقد نشأت تجارب مسرحية تنطلق أساسا من الاحتفال العربي.وبهذا، كان الارتباط بالتراث ضروريا ؛ لأن الحفل تقليد تمتد جذوره في التاريخ.وعندما نقول الحفل فإننا نقصد كل مايرتبط به من أزياء وحلي وغناء وأشعار وأزجال وحكايات وألعاب سحرية وبهلوانية."(36)

ومادام المسرح الاحتفالي مسرحا شعبيا، فكان من الضروري التعامل مع التراث والذاكرة الشعبية التي ارتبطت بالوجدان العربي،" ولما كان المسرح الاحتفالي مسرحا شعبيا بالأساس، ولما كان التراث- بكل ما يحمله من تنوع وخصب- يمثل ذاكرة الشعب، فقد كان لابد أن يكون له مكان مهم في إبداعنا المسرحي، إن المسرح كما رأينا لغة، ولا يمكن أن تحدث شعبا إلا من خلال لغته، هذه اللغة التي تختزن عقليته وروحه وتطوراته، هذه أشياء لا يمكن التوصل إليها إلا من خلال دراسة التراث العربي. هذا التراث الذي هو بالأساس وليد شرعي للوجدان الشعبي."(37)

وليس الغرض من توظيف التراث في المسرح الاحتفالي هو تفسير العالم، بل هو تغييره عن طريق توعية الجماهير عبر الفرجات الشعبية التي تغرس الوعي الممكن في أذهانهم. أي: يتم توظيف التراث بكل فرجاته الشعبية توظيفا إيجابيا سياقيا ووظيفيا من أجل فهم الماضي والحاضر والمستقبل على حد سواء.

ويتطلب التعامل مع التراث في النظرية الاحتفالية العبور من خلال قنوات أساسية ثلاث:

أولا: الحفر في الثقافة العربية للبحث عن الأشكال التراثية لتوظيفها في المسرح: فالمواد المستخرجة" من التاريخ والحكاية والأغنية الشعبية والأمثال والحكم والعمران والأزياء والوشم والرسوم والحناء والحلي والأساطير والألعاب والاحتفالات والأعياد لا تكتسب قيمتها النهائية إلا بما يمكن أن تصير إليه. أنها مانراه ونحسه ونلمسه.وبذلك، فإنها تختزن داخلها قابلية التشكل والتحول والتغيير لتصبح شيئا يشبهنا ويشبه قضايانا وإحساساتنا الجماعية والفردية."(38)

ثانيا: تحويل المواد التراثية الخامة إلى فعل درامي مسرحي حي ونابض بالحياة: ويعني هذا أن المواد التراثية المستخرجة لا ينبغي أن تبقى صماء وجامدة وجافة وعمياء، بل لابد من توظيفها في سياقات وظيفية حية وحقيقية تخدم القضية المطروحة، وبذلك،" تصبح الأسطورة مثلا مسرحية…مسرحية لها أبعاد جديدة وخلفيات مغايرة وأهداف أخرى. هذا التحول من المادة إلى الشكل يتطلب المرور إلى التساؤلات المنهجية التالية…كيف، ومتى، وأين، ومع من، و…

– كيف نمثل؟ وأين نمثل؟ ولمن نمثل؟ ومع من نمثل؟ وماذا نمثل؟

– كيف نعالج المواد الأولية معالجة مسرحية احتفالية؟ معالجة تحررنا من الماضي والغائب والوهمي لتفسح المجال أمام الحاضر والملموس والحقيقي.

– كيف نحاول الشفهي إلى مكتوب وذلك حتى يصبح اللامسرح مسرحيا وتتحول الحكاية إلى واقع حي؟

هذه التساؤلات- وأخرى غيرها- هي التي يمكن أن تفضي إلى إيجاد صيغة مسرحية جديدة. صيغة احتفالية لها منهجيتها في الكتابة النصية والسينوغرافية ولها فضاؤها ومعمارها الهندسي ولها أدواتها ومصطلحاتها المغايرة."(39)

 ثالثا: أن يكون توظيف التراث خاضعا للتصور النظري والفكري: أي: لا بد لتوظيف التراث في المسرح من خلفية نظرية وقاعدة فكرية صلبة وواقعية . " إن المسرح- كطاهرة اجتماعية- لا ينفصل عن علم الاجتماع. كما أن لا ينفصل عن علم اللغة وعلم النفس ولا عن الفكر السياسي أو الديني في مجتمع من المجتمعات. ومن هنا، فإن البحث في (سلطان الطلبة) و(الحكواتي) و(المداح) شيء لا يكفي.وذلك، لأنه سيبقى ملامسة شكلية للأصالة. وأن من شأن الملامسة الشكلية للتراث أن تقود إلى الفلكلورية مثل هذه المقاربة السطحية نجدها عند الكثير من المسرحيين العرب الذين تستهويهم لعبة الشكل، فيراكمون الأسماء التراثية والعمامات والطراطير والعباءات واللحى والأغاني والتراتيل الصوفية والبخور والبيارق والأعلام التي تحمل اسم الله.كل ذلك من غير أن يكون هناك خطاب فكري يعطي للأشكال التراثية. وهي سياحة تعتمد على تصوير الغريب أو المدهش والعجيب والمثير انطلاقا من عين استشراقية وليس من عين شرقية."(40)

ومن ثم، فهناك ترابط وثيق وجدلية عضوية بين الأصالة والمعاصرة من خلال تداخل الأزمنة(الماضي والحاضر والمستقبل)، وتعالق الأمكنة، واستحضار الشخصيات التراثية والمعاصرة، واستعمال المفارقة في التعامل مع التراث، واستعراض المواقف المتباينة التي يمثلها الموروث. وفي هذا الإطار، يقول عبد الكريم برشيد:" إنني لا أقول بتوظيف التراث والتعامل معه، وذلك لأن تراثنا له وجود داخل ذواتنا وأنفسنا. وأن التعامل- كما يعرف الكل- لا يمكن أن يتم إلا مع شيء له وجود مستقل عنا. فالتراث، إذاً، ليس هو الكتب الصفراء وإنما هو نحن.إنه اللغة والفكر والعقلية والروح والتاريخ أيضا، هذا الذي عرف الاستمرار ولم يعرف القطيعة أبدا، ومن هنا كان الماضي حاضرا في الآن، وكانت نماذجه البشرية ذات حضور مستمر، فابن الرومي كان في الماضي. ولكنه كائن الآن كذلك، وعريب الجارية أيضا كانت ولكن هل تغير وجهها وواقعها نتيجة سير شيء يسمى الزمن؟ قد يكون التغيير قد لحق بها، ولكنه تغيير عرضي. أي إنه مرتبط بالسطح دون الجوهر…

ومن هنا، نقول بأن المسرحية لا تستحضر الماضي ولكنها تستقرئه، وهي لا تنظر إليه كشيء جامد له وجود خارج اللحظة الراهنة، وإنما كشيء يشكل مع الحاضر زمنا واحدا موحدا، هذا الزمن الذي لم يعرف الانقلابات إلا في حدود ضيقة جدا. الشيء الذي جعل ابن الرومي وجيرانه الفقراء- وهم ينتمون كلهم إلى الماضي- يعاودون الظهور في الزمن الحاضر."(41)

هذا، ويدعو عبد الكريم برشيد، في الحقيقة، إلى ما يسمى بالتراث الاحتفالي القائم على الاحتفال والعيد والفرجة الجماعية بدلا من التراث التأصيلي الإحيائي. ويعني هذا أن برشيد يريد منا أن نتملك التراث وعيا وفهما وذكاء، فنغربله جيدا عبر مشرح التفكيك والتركيب، ثم نعيد قراءته، ثم نمارس ضده النقد، ثم نتخذ إزاءه موقفا معينا، ولابد من تعامل حي وحركي وجدلي مع التراث." إن الأساس، إذاً، هو أن نتمثل التراث، في حياته وليس في موته، في حركيته وليس في سكونيته، وفي ممكنه وليس في كائنه، وأن نمتزج به حيث هو، أي في الاحتفالات والأعياد، وأن نعيشه، ونحياه، وذلك عوض أن نقرأه في الكتب البالية الصفراء، أو أن نتفرج عليه في المتاحف. وأن نستنطقه، وأن نكلمه، وأن نحركه، وأن ننصت إليه، وأن نتقمصه، ونرتديه، وأن يكون داخلنا، قبل أن يكون زيا أو عمامة أو سبحة أو لحية أو سيفا أو رمحا أو أسماء متحفية. وأن يكون فعلا نحياه، عوض أن يكون ذكرى نسترجعها، أو نرجع إليها، وأن يمارس هذا الفعل الاحتفالي بصدق وتلقائية وعفوية وحيوية، وأن يكون فعلا مجسدا ومشخصا، وذلك بدل أن يكون شيئا مجردا وهلاميا وشبحيا، وهذا ما لا يمكن أن يتحقق – بشكل حقيقي وكلي- إلا في الأعياد الحقيقية، والتي هي ملتقى الماضي والحاضر، وملتقى المحكي والمعيش، وملتقى ماكان وما يكون، وما يمكن أن يكون مستقبلا.

كثير من تجارب التيار التأصيلي أخطأت طريقها إلى هذه الأعياد، وبذلك ركزت على المظاهر الفلكلورية- في الرقص والغناء في الأزياء- وذلك عوض أن تركز على روح الأعياد والاحتفالات، والتي هي حالات دقيقة وشفافة ومركبة قبل كل شيء؛ حالات تبحث لها عن معادل مسرحي؛ تراه العين، وتسمعه الأذن، وتلمسه اليد، ويتذوقه الذوق. معادل مادي وحسي وموضوعي، يترجم الحالات حركة وزيا ولونا وشكلا وضوءا ورقصا وأهازيج شعبية، لها ارتباط لاشعوري خفي، وذلك بالمبدع والإبداع، وبموضوع الإبداع أيضا، وبمكانه وبلحظته وساعته."(42)

وعليه، تقرأ الاحتفالية التراث قراءة نقدية واعية، بعيدا عن الرؤية السياحية الفلكلورية الضيقة. ومن ثم، يمكن القول: إن الاحتفالية هي نظرية تراثية بامتياز.

المبحث السادس: آليــات التعامــل مع التــراث

شغل عبد الكريم برشيد في مسرحه الاحتفالي مجموعة من الآليات والتقنيات الفنية والجمالية للتعامل مع التراث كآلية الاندماج،" إننا لا نقول للمثل كن" عطيلا" كما كان، بل نقول له: اجعل من عطيل ما أنت كائنه الآن، إنه لا يهمنا ابن الرومي كما كان في التاريخ، ولكن كما يمكن أن نعثر عليه ونجده في حارات الفقراء وأحياء القصدير، إننا نؤمن بالاندماج، ولكن باندماج المعنوي في الحسي، واندماج الماضي في الحاضر، واندماج الوهم في الحقيقة والحلم في الواقع"(43)

كما استعمل برشيد آلية المفارقة في توظيف عناوين تراثية متناقضة ومتقابلة ومتضادة وخارقة للعادة والعرف ومنطق الواقع، كالجمع بين شخصيات تراثية وشخصيات واقعية، واستعمال أزمنة مفارقة، وأمكنة متناقضة، كابن الرومي في مدن الصفيح، وامرؤ القيس في باريس، وعنترة في المرايا المكسرة…

ويضاف إلى ذلك أنه يستعمل آلية السخرية عن طريق التلاعب بالأسماء كما في هذا الشاهد النصي:" أنا…تريدون معرفتي أكثر؟ أنا آخر الحكواتيين…اسمي نور الدين، واسم أبي محيي الدين، واسم جدي شرف الدين، واسم جدنا الأكبر معز الدين…"(44)، وآلية التضمين والاقتباس كما في هذا الشاهد الشعري:

أنا ابن ذي يزن من فرع ذي يمن ملكت من جد صنعاء إلى عدن(45)

ويشغل آلية القناع كما في هذا الإرشاد المسرحي:" يلقي بالأقنعة للجمهور الوهمي"(46)، وآلية التناص كما في هذا الشاهد النصي:" والفقير فقير أيضا، ويموت معدما، وإن كانت له أموال قارون وكنوز علي بابا وكان له جني عملاق يخرج من المصباح ويقول له: (شبيك لبيك.كل ماتطلب يحضر بين يديك)."(47)

ويستعمل برشيد كذلك آلية التزامن من خلال الانتقال من لحظة الماضي إلى لحظة الحاضر، أو الانتقال من شخصيات تراثية إلى شخصيات واقعية معاصرة كما في مسرحية( ابن الرومي في مدن الصفيح).

 المبحث السابع: النظريــــة الاحتفاليـــــة والفضاء الاحتفالي.

قدمت النظرية الاحتفالية تصورات جديدة ومهمة على مستوى المضمون والشكل والرؤية، تتعلق بالفضاء المسرحي والخشبة الركحية،منطلقة في ذلك من فلسفة التعييد الاحتفالي، والتأصيل على مستوى الكتابة الدرامية، والتأسيس لمسرح عربي جديد بعيدا كل البعد عن مسرح التغريب والاستنبات والتقليد والاقتباس والتدجين الذي يرتبط في عمومه بالبناية المدرجة اليونانية من جهة، والعلبة الايطالية من جهة أخرى .

بادئ ذي بدء، يرى عبد الكريم برشيد، في كتابه( حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي)، أن المسرح العربي ينبغي أن يكون بعيدا كل البعد عن الأبنية الغربية التي تحاول أن تسيج الفرجة الركحية بين الجدران والكواليس والستارات والأعمدة. وفي هذا الصدد، يستدعي عبد الكريم برشيد قولة أوجينيو باربا التي يقول فيها:" إن المسرح كتلة من أشخاص، إنه ليس مجرد مكان، فالأبنية لامكان لها، وحيثما كان هناك ممثلون ومؤلفون وفي أي مكان، فإن هناك مسرحا"، والمسرح في أي مكان، هو شعار المسرحيين المعاصرين. فلم تعد البناية شرطا لازما لتقديم الحفل المسرحي. هذه الحقيقة غابت عنا زمنا طويلا، فربطنا المسرح بالمسرح، والفن بالبناية والإبداع بالمكان…

في مبدإ الأمر، لم تكن لدينا مسارح، ولكننا أوجدناها… وكان ذلك على الطريقة الإيطالية… وكان شيئا طبيعيا أن تكون تلك البناية غريبة عنا، لأنها وضعت وفق هندسة خاصة، ففي البناء روعيت الأذن الأوربية والعين الأوربية والروح الأوربية والفكر الأوربي، وبذلك ظل المسرح/ الفن غريبا في المسرح البناية، بعيدا عن حقيقته وهويته.

المسرح ولد في العراء بين الناس. نشأ حرا طليقا كالريح، ولكنه بعد ذلك أصبح خلف الجدران، سجين الجدار الأول والثاني والثالث والرابع… أصبح فعله سحريا يعتمد على لعبة الخفاء والتجلي، وبهذا فقد دوره وفقد حقيقته…

المسرح في أوروبا مؤسسة، ولأن رأس المال يمتلك هناك كل المؤسسات فقد أصبح المسرح أيضا بيد البورجوازية…إنه قناة إعلامية- مثل كل القنوات الأخرى- وعليه فقد وجب أن يظل في حوزة المال وأرباب المال، أي أن يبقى مصنعا لعينة خاصة من الفكر والفن والاعتقاد الإيديولوجي."(48)

ومن هنا، يدعو عبد الكريم برشيد إلى فضاءات شعبية مفتوحة، كالمداشر، والأسواق الثقافية، والمواسم، والأعياد، والمهرجانات السنوية. وفي هذا الصدد، يقول برشيد:" نسعى إلى تحويل المسرح من دكان ثابت وقار لبيع الإبداع الفني والفكري إلى أسواق ومواسم ومهرجانات سنوية، أسواق تكون قريبة الشبه بسوق عكاظ وسوق المربد حيث تصبح الثقافة شيئا داخلا في نسيج الحياة اليومية، وليست شيئا طارئا وغريبا كما هو الشأن الآن.(49)"

ومن جهة أخرى، يرى عبد الكريم برشيد أن المسرح العربي ظل لمدة طويلة وما يزال أسير الخشبة الإيطالية والجدران الأربعة التي خنقت الفرجة الدرامية، فحصرتها في إطار ضيق، وحيز محدود، لايسمحان بالحركة والتشخيص وحيوية اللقاء والاحتفال:" وإذا ما ألقينا نظرة على المسارح العربية، فإننا نجدها كلها قد بنيت وفق الأسلوب الإيطالي، أي إنها قائمة على أساس الفصل بين شرطي الإبداع الفني: المبدع والجمهور. كما أن الخشبة- وهي فضاء الإبداع- ليست مفتوحة إلا من جهة واحدة فقط. فالجدار الوهمي والستارات المختلفة وحفرة الجوقة والكواليس قد اجتمعت كلها من أجل تأكيد القطيعة وتعميقها."(50)

وقد دفع هذا كله عبد الكريم برشيد إلى الدعوة إلى استبدال المسرح الغربي بالمسرح العربي الأصيل، بفضاءاته الاحتفالية الدائرية التي تتمثل على سبيل الخصوص في الحلقة، والأسواق، والفضاءات العامة، وكل ذلك من أجل خلق علاقة احتفالية حميمة بين الممثل والمتفرج بدلا من خلق انفصال بين الخشبة والراصد:" وباختفاء التمييز بين المتفرج وصندوق التفرج وبين المشاهد(بالكسر) والمشاهد، بين الواقعي والوهمي، فقد كان لابد أن نراجع كل البناء المسرحي التقليدي وأن نفكر بالتالي في تأسيس فضاء جديد يمكن أن يستوعب الاحتفال المسرحي، ويبعده عن أن يكون طقوسا في كنيسة أو فرجة أمام صندوق سحري، أو تجمعا رسميا في بناية رسمية."(51)

علاوة على ذلك، يتبنى عبد الكريم برشيد مبدأ المسرح الجوال بعيدا كل البعد عن العلبة الإيطالية والفضاءات المسرحية المستلبة، بالدعوة إلى المسرح في الشارع بدلا من مسرح الشارع، وهو مسرح فرنسي بورجوازي (théâtre de Boulevard ) ، وهو بمثابة مسرح الفودفيل القائم على الثلاثي التقليدي: الزوج، والزوجة، والعشيق أو العشيقة. أما المسرح في الشارع، فيعنى" بتقديم عروضه إلى الجماهير حيث تتواجد في الشارع والمعمل والمستشفى والمقهى وفي كل مكان يمكن أن يلعب فيه المسرح دوره الجماعي الطليعي…وهكذا، يؤدي رسالته العظيمة التي وجد من أجلها…إذ بدون هذا التلاحم العميق مع الجماهير يفقد مسرح الشارع كل قيمته الأصلية ويتحول إلى ادعاء فارغ."(52)

وعلى الرغم من هذه الدعوة النظرية المثالية المتمثلة في تقديم الفرجة المسرحية الاحتفالية في الساحات العمومية، فإنه على مستوى التطبيق العملي لم تفلح الاحتفالية في تقديم عروضها خارج العلبة الإيطالية لأسباب أمنية. وفي هذا المنحى، يقول عبد الكريم برشيد :" أي مسرح هو ذاك الذي يمكن تقديمه في الشارع؟ إن المجتمع العربي ليس هو المجتمع الغربي، هذه حقيقة لا تقبل الجدل. وما يصلح هناك، لايمكن أن يصلح هنا… نعرف أن المسرح بالأساس تظاهرة، إنه احتشاد جماهيري.هذا الفعل خطير بلاشك، خصوصا عندما يصبح في الشارع. فهل يمكن تصور مثل هذه التظاهرات الجماهيرية في الشارع العربي؟ ويبقى أن نشير بعد هذا، إلى أن المسرح موقف فكري، وكل موقف سياسة. فهل نتصور الموقف المضاد على قارعة الطريق؟ أما المسرحيات التي قدمها الصديقي – خارج المسرح- فهي لاتعدو أن تكون مجرد استعراضات محايدة وبريئة للتاريخ، وهي بذلك لاتمثل الخطورة إلا من جانب واحد، أي جانب التجمهر، أما الموقف فهو مهرب."(53)

ومن هنا، ستبقى مشكلة تشغيل الفضاء دائما تؤرق المسرح الاحتفالي، مادام هناك تناقض فادح بين النظرية والممارسة. وفي هذا السياق، يقول أستاذي مصطفى رمضاني:" إن الدعوة إلى تأصيل الخشبة المسرحية تبقى مشروعا نظريا بالرغم من أن فنانا تشكيليا(54) قد حاول أن يحل هذه المشكلة بتقديمه مشروع خشبة دائرية، لأنه رأى أن القاعة الدائرية تسمح بالتواصل الحي ولا تقيم حواجز طبقية بين المتفرجين. كما حاول أن يجعل من هذه الخشبة فضاء طبيعيا لايحتاج إلى تقنيات اصطناعية من إنارة وكواليس وستارة وما إلى ذلك. وبالطبع، فإن هذا المشروع يبقى حلما جميلا بالنسبة للاحتفاليين لن يتحقق إلا بتضافر الجهود وبتوفير الشروط الموضوعية. "(55)

وهكذا، يتضح لنا – في الأخير- أن عبد الكريم برشيد قد ثار في نظريته الاحتفالية على المسارح الكلاسيكية القائمة على العلبة الإيطالية التي كانت تخنق الجماهير طبقيا، فتحرم اللقاء التواصلي الحميم بين الفنانين والجمهور لخلق فرجة احتفالية جماعية:" إن التحول الذي عرفه المسرح- من فضاء مفتوح إلى فضاء مغلق- لم يكن أبدا فعلا بريئا؛ ذلك لأنه كلما ضاق الحيز المكاني إلا وكان لذلك معنى. ومعناه هنا استبعاد الآخر وتغييبه ونفيه.إنها العودة من جديد إلى مسرح الأسرار، حيث يتحول الفعل المسرحي إلى طقوس خاصة…"(56)

ومن ثم، يدعو برشيد إلى إقامة العروض المسرحية في أمكنة دائرية وفضاءات شعبية جماهيرية مفتوحة، كالساحات، والأسواق، والمواسم،والروابط، والزوايا.أي: تقديم العروض والفرجات الاحتفالية في الفضاءات الشعبية التي يحتشد فيها الناس والجماهير الشعبية الغفيرة. وبالتالي، يتخذ الفضاء في نظرية عبد الكريم برشيد طابعا احتفاليا وعيديا:" المسرح حفل واحتفال.هكذا عرفناه من قبل. إنه مهرجان كبير يلتقي فيه الناس بالناس. إنه عيد جماعي. لذلك، ارتبط بالساحات والأسواق والمواسم. فحيثما اجتمع الناس. كان هناك مسرح. والحفل في أصله موعد شامل. يجمع الذوات المختلفة. داخل إطار واحد. وعندما نوحد أماكن وجودنا نوحد زمن اللقاء وموضعه نكون بذلك قد أوجدنا هذا الكيان الجديد. هذا الذي يحمل اسم جمهور، ومن خلال هذا اللقاء يولد المسرح، تولد الفرجة وكل ألوان التعبير المختلفة، إن أساس كل تعبير هو وجود الآخرين وتفاعلهم معنا. ومن هنا، كان المسرح- وهو فن مركب- يسعى إلى التواصل ليجعل من عروضه أعيادا واحتفالات."(57)

ويقول برشيد كذلك في تنظيره للفضاء الاحتفالي:" لقد غاب عن رواد الحركة المسرحية أن المسرح ليس بناية وليس أسوارا وخشبة. ليس ستارات وكراسي من خشب. إنه موعد بين جمع من الناس عجزت الكلمات والحروف أن تمد بينهم حبل التواصل فاهتدوا إلى وسائل تعبيرية مختلفة. كل ذلك سعيا في التقارب وفي الترجمة عن الذوات المختلفة بأكثر من لغة وأكثر من حديث."(58)

وعليه، سيظل عبد الكريم برشيد اسما لامعا في مجال المسرح، و مقترنا دائما بالفضاء الاحتفالي القائم على الفرجة الجماعية والجماهيرية التي تتمثل في الشعار التالي:" نريد احتفالا مفتوحا – على الناس والأشياء- داخل فضاء رحب ومفتوح."(59)

و على الرغم من قوة النظرية الاحتفالية قضية وتشكيلا ومقصدية، وعلى الرغم كذلك من صرامة نسقها الفسلفي والتنظيري إلا أنه من الصعب جدا أن نخرج بهذا المسرح الاحتفالي إلى الناس والجماهير الحاشدة بالوطن العربي، مادام هناك دائما ما يسمى بالعوائق الأمنية، و انعدام حقوق الإنسان، وغياب الديمقراطية الحقيقية، وزيف شعار الحريات الخاصة والعامة.

 الخاتمة :

وخلاصة القول: يتبين لنا – مما سبق ذكره- أن النظرية الاحتفالية مع عبد الكريم برشيد قد تعاملت مع التراث تعاملا إيجابيا ونقديا، وكانت من أكثر النظريات المسرحية تعاملا مع التراث. بل يمكن القول :إن الاحتفالية نظرية تراثية بامتياز، ولكن المنظور إلى التراث عند عبد الكريم برشيد نابع من تصور فلسفي متماسك. وبالتالي، تنظر هذه النظرية إلى التراث نظرة احتفالية على أن التراث احتفال، وعيد، ومسرات، وابتهاج، وانشراح.بيد أن الاحتفالية لا تقدم التراث على أنه شيء مقدس، بل تخضعه للنقد والمساءلة والمحاكمة عبر مجموعة من الآليات والتقنيات الفنية والجمالية التي تعيد بناء هذا التراث الإنساني من جديد رغبة في تأسيس مسرحي عربي تعييدا، وفلسفة، وتجريبا، وتأصيلا، وحداثة.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

شذرات من الحب … ليطمئن قلبك

بـــقــــلـــم : شــيـــمـــاء أعــــلــــول – المغرب يلبسون الأحمر … يخيطون الطرقات والشوارع … يحملون الورود …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *