الرئيسية / آراء و مواقف / الفقر في عيون الأدباء والمفكرين
الصورة ملتقطة من قبل المصور المغربي المحترف إبراهيم فرجي

الفقر في عيون الأدباء والمفكرين

بقلم : أذ . رامز محيي الدين علي

الإهـــــداء:

إلى جميع أغنياء العالم فربما يتعظون.. وإلى سواد العالم من الفقراء والجائعين.. فربما من سباتهم يستيقظون فينهضون.. إلى سائر الأدباء والمفكرين الذين ما برحوا في جمهورية أفلاطون يحلمون.. إلى أشقياء العالم البائس المهجرين الذين ما لبثوا بالعودة إلى أوطانهم يعلقون الأفئدة والعيون.. ربما ينضب مداد الكلمات.. ولا تجف العبرات من المآسي والويلات..

التمهيد:

الفقر من أخطر المظاهر الاجتماعية التي تهدد العالم، وتؤكد على حتمية التغيير والقيام بثورة شاملة تضمن توزيع ثروات العالم بشكل عادل، تجنبه المآسي الحقيقية التي تظهرها الإحصاءات الحديثة لمنظمة الأمم المتحدة، وقد عُقدت قمة عالمية لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة في مطلع الألفية الثالثة في يوم الفقر العالمي سميت (قمة الفقر)؛ وذلك من أجل القضاء على ظواهر الفقر والجوع والمرض، دونما فائدة تذكر؛ لأن الذين يملكون المال والسلطة أقوى وأعتى من كل القرارات الدولية التي لا تختلف في شكلها ومضمونها عن قرارات الجامعة العربية التي باتت فيلما كاريكاتوريا يثير السخرية والاشمئزاز.

المقدمة:

سأتناول في هذه المقالة مشكلة الفقر من مختلف جوانبها ومظاهرها، وموقف الأدباء والمفكرين منها، وطرائق تناولهم لها التي تتباين بين نظرة ساخرة تعبر عن واقع الأديب نفسه، وبين رؤية إصلاحية تدعو إلى الإحسان والتصدق على الفقراء، وبين دعوة ثورية حقيقية تدعو الفقراء إلى الثورة على المستغلين والمحتكرين وأصحاب الثروات أولئك الحيتان الضارية التي لا تملأ أحشاءهم كل خيرات الأرض ولا السماء..

ومن الأسباب الحقيقية للفقر: الطمع والجشع والتنافس على احتكار الثروات سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول.. إضافة إلى القوانين والأنظمة والتشريعات التي تمنح المستغلين والمحتكرين وأصحاب رؤوس الأموال كل الفرص لزيادة أموالهم واستغلال ذوي الدخل المحدود من موظفين وعاملين وغيرهم.. يضاف إليها ظاهرة الملاك والإقطاعيين وأصحاب النفوذ والسلطة والتجار، ولا سيما في الدول النامية والمتخلفة التي تحتكر ثروات البلاد وخيراتها لمصالحها الذاتية ومآربها الشخصية.. حتى تتحول تلك البلاد إلى حظائر ومحميات تعيش شعوبها على فتات الخيرات..
ولولا وجود هؤلاء الأثرياء والمتخمين بالثروات، لما بقي فقير في العالم؛ لأن خيرات الكرة الأرضية وعطاء السماء لا تدع في العالم متسولا ولا جائعا ولا محروما ولا طفلا يفارق الحياة من ضنك العيش.. ولا يمكن لعاقل أن يرى مأساة هؤلاء الفقراء والجائعين إلا في ثلة من وحوش الأرض تلتهم الأخضر واليابس، وتبتلع البحار والأنهار، وتتطفل على الماء والهواء والدواء والدماء والسماء والفضاء والرجاء.. وتسطو على الآمال والأحلام.. وتقتل آدمية الإنسان.. وتسحق كرامته.. وتدنس برجسها كل تعاليم المثالية والأخلاق والأديان.

طرائف الأدباء والمفكرين في الفقر:

وفي رحم المأساة تولد الطرائف وتترعرع ضحكات البائسين وتشب الرؤى والنظرات الفلسفية الساخرة، ملخصة مأساة الحياة في أقبح صورها، وتصارع الأضداد فيما بينها.. وهاكم نتف من تلك الطرائف التي تبلور مأساة الإنسانية في بنيتها الاجتماعية والطبقية والفكرية والأدبية..

جورج برناردشو:

كاتب إنكليزي، إيرلندي المولد (1856 – 1950 ).. عرف بالمرح والدعابة وخفة الروح..
سأل أحدهم برناردشو الكاتب الإيرلندي الساخر، وكان قبيح الشكل، أصلع الرأس، كث اللحية: – ما رأيك في اقتصاد العالم؟

فأشار بيده إلى لحيته ورأسه قائلا: غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع!!
وكان برناردشو صديقا حميما لونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الذي كان يحب من برناردشو سرعة بديهته ونكته وطرائفه اللاذعة:

قال له تشرشل ( وكان ضخم الجثة ): من يراك يا أخي برنار ( وكان نحيل الجسد جدا )، يظن أن بلادنا تعاني أزمة اقتصادية حادة، أزمة جوع خانقة!
فأجابه برناردشو: ومن يراك يا صاحبي، يدرك فورا سبب الأزمة!!

الشاعر القروي رشيد سليم الخوري:
ولد رشيد سليم الخوري في 17 نيسان من عام \ 1887 م في قرية البربارة اللبنانية، من أشهر شعراء المهجر، هاجر إلى البرازيل وعمل فيها بائعا متجولا يحمل على ظهره صندوقا مملوءا بالسلع يطوف به في المناطق النائية معرضا نفسه لمشقات الحر والصقيع.. تعرف ذات يوم فتاتا جميلة ابنة ثري أعجبها شعر القروي، فدعته إلى منزلها للعشاء.. ومما جاء في مذكراته: لما دخلت إلى دارتها الفخيمة حسبتني أحلم بحكايات (( ألف ليلة وليلة )).

لكنني هبطت من فضاء أحلامي إلى الواقع الأليم لما سألني صاحب الدار، وقد حسبني طالب زواج، ماذا أعمل، فأجبته: أنظم الشعر وأعزف على العود.

تغير وجه الغني، وقال للشاعر: لعلك لم تقرأ أسطورة: الصرصور والنملة!

فأجبته: بلى قرأتها. ومع هذا فضلت الصرصور على النملة؛ لأن الصرصور يغني ويطرب ويطير، فيما النملة تزحف على الأرض زحفا.

لما سمع الغني هذا الجواب نظر إلي نظرة استخفاف، وغير مجرى الحديث.. وعلى المائدة طلبت إلي الآنسة أن أنشد بعض أبياتي فأنشدت: 1

بعـــدت همتي فعفت كنـــــوز _
الأرض لمــا عرفت قيمة كنزي
لا أبالي شبعت أم جعت والفــن _
شرابي وعــــزة النفس خبـــــزي

في اليوم التالي تلقى الشاعر القروي بطاقة اعتذار من الآنسة عليها رسم صرصور، ومعها حوالة مصرفية بمبلغ كبير، ثمن ديوان الشاعر، وعنوانه (الأعاصير). فأرسل إليها الديوان مع هذا الإهداء: إلى قطرة الندى التي تتحدى " الأعاصير " وتؤثر الشعر على المال الوفير. وأعاد إليها الحوالة المصرفية.
نجيب محفوظ والراقصة:

ولد نجيب محفوظ في القاهرة ( 11 ديسمبر عام 1911 م ) في حي الجمالية؛ وهو أديب عربي مصري شهير، نال جائزة نوبل في الأدب عام 1988على ثلاثيته الشهيرة ( بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية ).
ذات يوم وقف الأديب الكبير على الإشارة المرورية الحمراء في أحد شوارع القاهرة بسيارته القديمة التي يرثى لحالها، ووقفت إلى جانبه الراقصة المشهورة (فوفو).. بسيارتها الفخمة الحديثة.. فنظرت إلى الأديب وقالت له:
( شفت يا أستاذ نجيب..الأدب عمل فيك إيه )؟!
فأجابها على الفور قائلا:
( وشفتِ كمان قلة الأدب عملت فيكِ إيه )؟!

عباس محمود العقاد:

لم ينل ما يستحقه من التكريم الذي يستحقه، وقد عبر عن ذلك بقوله: إن مصر بلد عجيب، إذا أرادوا تدعيم الإسلام نشروا كتبي، وإذا أرادوا أن يهاجموا الشيوعية نشروا كتبي، وإذا رشحوا أحدا لجائزة نوبل رشحوا طه حسين!!
بدأ العقاد عمله في الصحافة في صحيفة "الدستور" سنة 1907 مع المفكر محمد فريد وجدي. ولم يمض عام على عمله في الصحافة حتى أصبح أول صحافي يجري حواراً مع وزير، هو الزعيم الوطني سعد زغلول، وزير المعارف في ذلك الوقت.

أغلقت "الدستور" عام 1909 واضطر العقاد ، تحت ضغط ظروف الحياة المعيشية، إلى بيع كتبه، إضافة إلى قيامه بإعطاء بعض الطلاب دروساً خصوصية. ولكنه لم يتمكن من مجابهة الأعباء المادية، فاضطر إلى السفر عائداً إلى أسوان، حيث ألف كتاب "خلاصة اليومية" واستقر في أسوان سنتين، وعانى في هذه الفترة من آلام المرض وضيق اليد.
وطرائف الأدباء والمفكرين كثيرة تغص بها بطون كتب التاريخ والفكر والأدب.. لكنني لست بصدد سرد تلك اللطائف، وحسبي ما ذكرته من أمثلة، للتدليل على فقر الأدباء والمفكرين في كل زمان ومكان، حتى إن القدماء كانوا يسِمون من يعمل في الأدب بالفقر، فيقولون: افتقر الرجل!

وها أنا ذا أعرض لبعض الأقوال والأمثال والحكم العربية والعالمية التي تضيء ظلام الفقر وترفع البراقع والسدول عن دياجيه المدلهمة بمأساة الإنسانية.. لعل القارئ يستنتج ببصيرته حقائق تلك المأساة وملامحها التي تتوارى في دياجير الحياة، ولعل أحاسيسه تستفيق من سبات المثاليات الخادعة والأفكار الظلامية التي هبطت إلينا من أساطير التاريخ وكبلت أفهامنا وجعلتنا كأوراق الخريف تتقاذفها ريح من هنا وعاصفة من هناك.. وتدوسها أقدام من هنا، وتتناثرها أياد من هناك!!

آراء وحكم وأمثال في الفقر: 2

آ- في الفكر العربي والإسلامي:

• ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) ( النور: 32 )
• ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ). ( الإسراء: 26)
• ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) ( الحج: 28 )
• ( وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) ( البقرة: 273 )
• ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها.. ) ( التوبة: 60 )
•( اطّلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ) ( حديث شريف )
•( اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ) ( حديث شريف )
•( كاد الفقر أن يكون كفرا ) ( حديث شريف )
• متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ( عمر بن الخطاب )
•إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غني. ( علي بن أبي طالب )
•عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. ( علي بن أبي طالب )
• إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الكرم حسن الخلق. ( علي ابن أبي طالب )
• قرأت في تسعين موضعا من القرآن أن الله قـــدر الأرزاق و ضمنها لخلقه، وقرأت في موضع واحد: الشيطان يعدكم الفقر.. فشككنا في قول الصادق في تسعين موضعاً و صدقنا قول الكاذب في موضع واحد.
( الحسن البصري )
•جوهر المرء في ثلاث: كتمان الفقر حتى يظن الناس من عفتك أنك غني، وكتمان الغضب حتى يظن الناس أنك راضٍ، وكتمان الشدة حتى يظن الناس أنك متنعم. ( الإمام الشافعي )
• إذا سافر الفقر إلى مكانٍ ما، قال الكفر خذني معك. ( أبو ذر الغفاري )
•لا يعاب المرء على الفقر الذي يعيشه، ولا قبح شكله، فليس له في ذلِك حول ولا قوة، إنما يعاب على قبح لسانه ودناءة أخلاقه. ( أحد الحكماء )
•حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل، فلم أحمل شيئا هو أثقل من جار السوء، وذقت المرار، فلم أذق شيئا هو أمر من الفقر.( لقمان الحكيم )
• فِي كُلِّ تَعَبٍ مَنْفَعَةٌ وَكَلاَمُ الشَّفَتَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَى الْفَقْرِ. ( سليمان الحكيم )
• إن وجود الفقر لا يسبب الثورة، لكن الإحساس بالفقر هو الذي يسببها.. والآن وقد علمنا أنه ينبغي أن ينتقل التناقض الطبقي من باطن المجتمع إلى وعي الناس، حتى يتسبب في إحداث الثورة، نـدرك مسؤولية المثقف في القيام بنقل التناقضات الموجودة داخل المجتمع إلى أحاسيس أفراد المجتمع ووعيهم، ومن ثم يقوم المجتمع بثورته بنفسه. ( علي شريعتي – مفكر إيراني )
•إن مجتمعنا اللئيم يخلق أسباب الفقر والعاهة من جهة، ثم يحتقر المصابين بهما من الجهة الأخرى. وبذا ينمي فيهم عقداً نفسية لا خلاص منها. ( علي الوردي )
• وعاظ السلاطين يتركون الطغاة يفعلون ما يشاؤون و يصبون جُل اهتمامهم على الفقراء، فيبحثون عن زلاتهم وينذرونهم بالويل والثبور. ( علي الوردي )
• لولا السرور في ساعة الميلاد، ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا الوثوق بدوام الغنى، ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاقي ما كانت ترحة الفراق. ( المنفلوطي )
•أمة الفقر تنجب بلا تفكير وتتناسل بكل عشوائية؛ لتخلف المزيد من الضحايا المساكين بحجة أنهم يولدون ومعهم أرزاقهم !! والحصيلة مزيد من الأطفال المشردين.. جائعين وحفاة عراة ينامون على الرصيف، ومستقبلهم محدد بين دعارة وإجرام وتجارة الحرام. ( دعاء البياتي )
•هذا الشعب لا بد أن يكون أحد اثنين: إما شعب يكره نفسه؛ لأنه رغم ما يشيعون عنه من أنه مصدر السلطات، يأبى أن يصلح حاله ويعالج مصابه، ويزيل عن نفسه ذلك القيد الثقيل من الفقر والجهل والمرض، وإما أنه شعب زاهد قد تعود ذلك البؤس الذى يرتع فيه والحرمان الذى يأخذ بخناقه. ( يوسف السباعي )
•اتخذ من الفشل سلما للنجاح، ومن الهزيمة طريقا إلى النصر، ومن المرض فرصة للعبادة، ومن الفقر وسيلة إلى الكفاح، ومن الآلام بابا إلى الخلود، ومن الظلم حافزا للتحرر، ومن القيد باعثا على الانطلاق. ( مصطفى السباعي )
• ما الفقر؟ ليس الفقر هو الجوع إلى المأكل أو العري الى الكسوة، الفقر هو القهر.. الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح.. الفقر هو استغلال الفقر لقتل الحب وزرع البغضاء. (صلاح عبد الصبور )
• مهما يبلغ الفقر بالناس، ومهما يثقل عليهم البؤس، ومهما يسيء إليهم الضيق، فإن في فطرتهم شيئاً من كرامة تحملهم على أن يجدوا حين يأكلون مما كسبت أيديهم لذة لا يجدونها حين يأكلون مما يساق إليهم دون أن يكسبوه أو يحتالوا فيه. ( طه حسين )
• أيها الجائعون، الفقراء، المقرورون، المشردون، النازفون، والمحقونون بالخوف.. أعلنوا إبحاركم في وجه الريح، فليست كل الفصول شتاء. ( مجدي رزوق )
•رأيت الفقراء المساكين يزرعون، والأغنياء الأقوياء يحصدون ويأكلون، والظلم واقف هناك والناس يدعونه الشريعة. (جبران خليل جبران )
• إنما الفرق بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء، يوم جوع وساعة عطش. ( جبران خليل جبران )
•لا تكن من هؤلاء الذين يهدون الأثرياء الهدايا الثمينة، ويعطون الفقراء ملابسهم المستعملة. ( محمد الرطيان )
•الفقراء والبائسون والمصابون من أسرع الناس سيرا وانخداعاً وراء الدعوات والمذاهب والشيع القائمة على إعطاء الوعود وإشباع جانب الأماني والرغبات. ( عبد الله القصيمي – مفكر سعودي )
• أنا شخصيا منحاز لطبقتي، منحاز للفقراء، وأنا لا أغالط روحي ولا أتملق أحدا، القضية واضحة ولا تتحمل الاجتهاد .. الفقراء هم الذين يموتون، وهم الذين يسجنون. ( ناجي العلي )
•وحدهم الفقراء يستيقظون مبكرين قبل الجميع، حتى لا يسبقهم إلى العذاب أحد. ( محمد الماغوط )
• احذر أن تكون أهدافك مجرد أمنيات، أو رغبات.. فتلك بضاعة الفقراء.( إبراهيم الفقي) • كثير من حالات الفشل في الحياة كانت لأشخاص لم يدركوا كم كانوا قريبين من النجاح عندما أقدموا على الإستسلام .. فلا تيأس. ( إبراهيم الفقي )
• أكلت الصبر، وشربت المر، فلم أر شيئا أمر من الفقر. ( بزرجمهر الوزير العادل )

ب- الفقر في الشعر العربي: 3

علي بن أبي طالب: ديوانه ص 336 تحقيق عبد المنعم خفاجي

النفس تجـــزع أن تكـــون فقيرة

والفقر خيــــر من غنى يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف وإن أبت

فجميع أهـــل الأرض لا يكفيها

يحيى بن هذيل:

أرى أهـــــل الثراء إذا توفوا

بنوا تلك المراصد بالصخور

أبــــوا إلا مباهـــــاة وفخــرا

على الفقراء حتى في القبـور

إذا أكل الثــــــرى هـذا وهذا

فما فضل الجليل على الحقير

سالم بن وابصة:

غنى النفس ما يكفيك من سد خلة
فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا

معروف الرصافي:

يا أيهــــــا المتـــــــرف المهنا
يمــــرح في ثـــوب كبريـــــاء
مهلا أخـــا الكبر بعض كبـــر
ألست تقنى بعض الحيــــــاء ؟

الهمذاني:
إن الغني هو الراضي بعيشته
لا من يظل على الأقدار مكتئبا

( ابن نباتة ):
وما الفقر إلا للمذلة صاحب
وما النــاس إلا للغني صديق

( المتنبي ): العرف الطيب 370/1
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
مخافة فقر، فالذي فعل الفقر

( المتبني ): العرف الطيب 220/1
يَجْنِي الغِنَى لِلِّئَامِ لَوْ عَقَلُوا
مَا لَيْسَ يَجْنِي عَلَيْهِمُ العُـدُمُ
هُمُ لأَمْــوَالِهِمْ وَلسْـــنَ لَهُمْ
وَالْعَارُ يَبْقَى وَالْجُرْحُ يَلْتَـئِمُ

( الطرماح ):
الفقر يزري بأقوام ذوي حسب
وقد يسوّد غير السيّد المال

( الكميت بن زيد الأسدي ):
يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى
وكلّ كأنْ لــــم يلقه حين يذهـــب
كأنّك لم تعـــدم من الدهــــر لذّة
إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب

( الإمام العلامة ابن دقيق العيد ):
لعمري لقد قاسيتُ بالفقر شـــــــدةً
وقَعتُ بهـــا في حيْــــرةٍ وشتات
فإن بُحت بالشكوى هتكتُ مروءتي
وإن لم أبحْ بالصبر خِفتُ مماتي
فأعْــظِــم به مــن نازل من مُـلِــمةٍ
يزيلُ حيائــي أو يـــزيلُ حيـاتي

( القاضي الأديب الفقيه علي بن عبد العزيز الجرجاني ):
وقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى
وماعلموا أن الخضوع هـــــو الفقرُ
وبيني وبين المال شيئان حَـــــــرَّما
علي الغنى: نفسي الأبية والدهـــــرُ
إذا قيل :هذا اليسر، أبصرت دونــه
مواقف خيرٌ من وقوفي بها العسرُ!
فإن لم يكن عند الزمان سوى الذي
أضيق بــــه ذرعا فعندي له الصبرُ

( الإمام عبد الله بن المبارك ):
يا عـــائب الفــقر ألا تزدجـــر
عـيـب الغـنى أكـبـر لـو تـعـتـبر
من شرف الفقر ومـــن فضله
على الغنى إن صح منك النظـر
أنك تعصي كي تنــــال الغنى
وليس تـعـصي الله كي تفـتقـــر

( العباس بن الأحنف ):
يمشي الفقير وكل شيء ضده
والناس تغلق دونـــــــه أبوابها

( الإمام الشافعي ): ديوانه موقع ديوان العرب قافية الراء
عليَّ ثيـــــاب لو تبــــــاع جميعـــها
بفَلس لكان الفلس منهن أكثــــــرا
وفيـــهن نفس لو يقـــاس ببعضــــها
نفوس الورى كانت أجــل وأكبرا
وما ضر نصل السيف إغلاق غمده
إذا كان عضبا حيث وجهته فرى
فإن تكــــن الأيــــام أزرت بـبـزتي
فكم مــن حسام في غلاف تكسرا

وقال أبو العتاهية:
رغيف خبز يابس تأكله في عافيهْ
وكوز ماء بارد تشربه مـــــن صافيه
وغــــرفة ضيقة نفسك فيها هانيه
خير من السكنى بأبراج القصورالعاليه

وقال آخر:
دع الحرص واقنع بالكفاف من الغنى
فرزق الفتى ما عاش عنـــد معيشه
و قــــد يُهـــلك الإنســـــانَ كثرةُ ماله
كما يُذبح الطاووس من أجل ريشه

وقال آخر:
يســــر الفتى وطــــن لـــه
والفقر في الأوطـــان غربه

ج – في الفكر العالمي:

•يجب ألا يوجد بين المواطنين سواء الفقر المدقع أو الثروة المفرطة؛ لأن كليهما ينتج شرا عظيما. ( أفلاطون )
•ستة لا تفارقهم الكآبة: الحقود، والحسود، وحديث عهد بغنى، وغني يخاف الفقر، وطالب رتبة يقصر قدره عنها، وجليس أهل الأدب والفضيلة، وهو ليس منهم. ( سقراط )
• الفقر هو أصل الثورة والجريمة. ( أرسطو )
•الديمقراطية هي أن يكون الفقراء، لا ملاك الأراضي، هم الحاكمون. ( أرسطو )
• تظن وسائل الإعلام أن الإجهاض وزواج المثليين هي القضايا الدينية الوحيدة. الفقر قضية أخلاقية، قضية إيمانية، قضية دينية!.( جيم واليس )
•الفقر لا يصنع ثورة، وإنما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة.. الطاغية مهمته أن يجعلك فقيراً وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائباً. ( كارل ماركس )
• إن تراكم الثروة في قطب واحد من المجتمع هو في نفس الوقت تراكم الفقر والبؤس في القطب الآخر. ( كارل ماركس ) * قد يفعل الأغنياء أي شيء من أجل الفقراء، إلا أن يحرروهم من أغلالهم. ( كارل ماركس )
•على يميني مارد اسمه الفقر، وعلى يساري سفاح اسمه الاستبداد، وخلفي نظام يعذبني ويستعبدني منذ قرون خلت، وفي الأمام أرى تمرد شعب.. ثورة شعب. ( تشي جيفارا )
•الثوار يملؤون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء.( تشي جيفارا )
•لا يهمني كيف ومتى أموت، المهم هو أن يحيى الثوار من بعدي، يملؤون الدنيا ضجيجا، حتى لا ينام هذا العالم بكل ثقله فوق أجساد الفقراء والمحرومين. ( تشي جيفارا )
•ومن غير الإله يزور منازل الفقراء؟ ( طاغور )
•أعظم أعمال الإنسان تظهر في الصراعات الصغيرة: الحياة، البلاء، العزلة، الهجر، الفقر، كلها ميادين معارك لها أبطالها، وهم أبطال مغمورون، ولكنهم في بعض الأحيان يكونون أعظم من الأبطال المشاهير. ( فيكتور هوجو )
•الفقر هو أسوأ أشكال العنف. ( المهاتما غاندي )
• يجب أن يعيش الأغنياء ببساطة أكثر حتى يستطيع الفقراء أن يعيشوا. ( المهاتما غاندي )
• أقسمُ إنه لأهون على الإنسان أن يولد في أسرة متواضعة و يعيش مع الفقراء القانعين، من أن يلبس أفخر الثياب وهو حزين، و يزدان بالذهب وهو مكسوف البال. ( وليم شكسبير )
•إذا لم نحارب الفقر والجهل فسنضطر يوماً لمحاربة الفقراء والجهلة. ( روبير تورغو )
•السبب وراء الفقر هو انعدام الخيال .. هناك العديد من الناس الذين يجمعون ما يعتقدون أنّه ثروة كبيرة.. ولكنّها ليست إلاّ أموالا، هم لا يعرفون كيف يستمتعون بها؛ لأنّه لا خيال لهم. ( ألان ويلسون واتس )
•كثيراً ما نعتقد أنّ الفقر هو أن نجوع ونعرى ونتشرّد، ولكن هناك أنواع من الفقر أشدُّ إيلاماً: شعورك بأنك غير مرغوب بك وغير محبوب.. وعدم وجود من يهتم لوجودك هو الفقر الأعظم.. يجب علينا أن نبدأ من بيوتنا لنعالج هذا النّوع من الفقر. ( الأم تريزا )
•الحقيقة إنني لم أتعلم الحرية من كتب ماركس وإنما تعلمتها من الفقر. ( ألبير كامو )
• التاريخ مكتوب من قبل الأغنياء، حتى يحمّلون الفقراء اللوم في كل شيء. ( جيفري ساش )
• يمتلكون أموالاً للحروب، لكنهم لا يستطيعون إطعام الفقراء. ( توباك شاكور)
نحن نصنع المستقبل عندما نستثمر الفقراء، وليس عندما نسلط الضوء على معاناتهم.( بيل غيتس )
• انتصار الفضيلة كذبة اخترعها النصابون الذين يديرون المجتمع؛ ليضحكوا بها على الفقراء ليظلوا هادئين.
( ماركيز دي ساد – أرستقراطي ثوري فرنسي وروائي )
•الهاتف صنع للحالات الطارئة فحسب.. هؤلاء البشر ليسوا حالات طارئة، إنّهم كوارث. ( تشارلز بوكوفسكي )
• الدين هو ما يمنع الفقراء من قتل الأغنياء. ( نابليون بونابرت )
•من خبرتي في الحياة من النادر جدا أن تجد شخصا يملك السعادة الحقيقية في حلقة الأغنياء عما هو عليه في حلقة الفقراء. ( ثور هايردال )
•إذا لم تكن قوانين الطبيعة هي السبب في معاناة الفقراء فخطيئتنا ستكون عظيمة. ( تشارلز داروين )
• معظم حالات الفشل تأتي دائما من الأشخاص الذين عودوا أنفسهم على اختلاق الأعذار. ( جورج واشنطن كارفر )
الحكيم هو الشخص القادر على التنبؤ بالمشاكل قبل أن تتحول إلى حالات طارئة يصعب حلها. ( أرنولد غلاسكو )
• الحمد ليس كلمة تقال باللسان فقط، ولكن الحمد بالنعم، فحمد الغني أن يعطي الفقراء، وحمد القوي أن يساعد الضعفاء، وحمد الصحيح أن يعاون المرضى. ( حكيم )
• الفارق بين الأغنياء والفقراء هو أن الفقراء يفعلون كل شيء بأيديهم، أما الأغنياء فيستأجرون من يؤدي لهم أعمالهم. ( بتي سميث – مؤلفة أمريكية )
• ليس الفقير من يملك القليل، إنه من يشتهي الكثير. ( سنيكا )
•الفقر يصنع منك رجلا حكيما، ولكنه لعنة.( بريخت )
•أعظم فقر هو الوحشة، وشعورك أن أحدا لا يكترث بك.( سميث )
• إذا أصبحت عزيزا بعد هوان، وغنيا بعد فقر، فلا تنس أيام فقرك والهوان.( جونسون )
•كما أن الثياب الرثة تعد عارا وفضيحة، فإن الفقر أكثر بشاعة وخزيا. (جونسون )
• ليس الفقر عارا، لكنه كبرى العقبات. ( مثل إنكليزي )
•عائلتان اثنتان في هذا العالم لا ثالثة لهما: واحدة تملك، وأخرى لا تملك. ( سرفانتس )
• الجائع لا يكون حرا. ( ستيفنسون )

الفقر ومظاهره وموقف الأدباء والمفكرين
( دراسة وصفية تحليلية )

تناول الأدباء والمفكرون الفقر، ووصفوا مظاهره وأسبابه وآثاره، تناولا يتراوح بين الوصف والسخرية، أو النظر إليه برؤية إصلاحية غير واقعية، أو قناعة إيمانية وأخلاقية وفلسفية ترى الفقر غنى وعفة وقدرا مقدرا، أو الدعوة الثورية الشاملة للجماهير ضد المستبدين والمستغلين؛ من أجل تغيير واقعهم، واسترداد حقوقهم المغتصبة.

في العصر الجاهلي:

انتشرت ظاهرة الشعراء الصعاليك الذين عبروا عن رفضهم لواقعهم المرير في أشعارهم..
وقد حدد الدكتو شوقي ضيف في كتابه ( العصر الجاهلي ) 4 معنى الصعلوك لغة: بأنه الفقير الذي لايملك المال الذي يساعده على العيش وتحمل أعباء الحياة، مؤكداً أن هذه اللفظة تجاوزت دلالاتها اللغوية و أخذت معاني أخرى كقطاع الطرق الذين يقومون بعمليات السلب و النهب. و يمكن تقسيم الصعاليك إلى فئات ثلاث:‏
1- فئة الخلعاء الشذاذ وهم الذين خلعتهم قبائلهم بسبب أعمالهم التي لاتتوافق مع أعراف القبائل التي ينتمون إليها مثل: حاجز الأزدي، و قيس الحدادية.‏
2- و فئة أبناء الحبشيات السود ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بأنسابهم، مثل: السليك بن السلكة، وتأبط شراً، والشنفرى.‏
3- و فئة احترفت الصعلكة احترافاً وحولتها إلى ما يفوق الفروسية من خلال الأعمال الإيجابية التي كانوا يقومون بها، من مثل: عروة بن الورد سيد الصعاليك وقبيلتي هذيل وفهم.‏

وما يلفت النظر في أشعار هؤلاء الصعاليك ترديد صيحات الفقر و الجوع والحرمان.. كما كانوا ناقمين و ثائرين على الأغنياء و الأشحاء، وامتازوا بالشجاعة و الصبر و قو ة البأس و المضاء، و سرعة العدو، و قد ضرب بهم المثل في شدة العدو حتى قيل: ( أعدى من السليك وأعدى من الشنفرى ).‏
فهذا أمير الصعاليك عروة بن الورد قد أدرك أنّه لا مكانة للفقير في مجتمع يميّز بين طبقات المجتمع، فينال الغني مكانة مرموقة، أمّا الفقير فيصنّف مع الأشرار؛ لذلك أبى أن يكون فقيراً، فهو يسعى إلى تغيير حاله؛ كي ينال حظوة في مجتمعه: 5

ذريني للغنى أســــعى فإنّي
رأيتُ الناس شــــرهمُ الفقيرُ
ويقصيـه النـــديُّ وتزدريه
حليلتـه، وينهـــــره الصغير

وهو الذي لايستطيع القعود عن الغزوات؛ لأن عليه حقوقاً و واجبات يجب أن يؤديها إلى المحتاجين من قبيلته، ونسائها المعوزات؛ لهذا فهو يكره الصعلوك الخامل، بل يحب الصعلوك المشرق الوجه، و فيه يقول :‏ 6

ولله صعلوك صحيفة وجــهه

كضوء شهاب القـابس المتنور‏

مطلاً على أعدائــه يزجرونه ‏

بساحتهم زجــر المنيح المشهر

وإن بعـــدوا لايأمنون اقترابه

تشوف أهـــــل الغائب المتنظر

فذلك إن يلــق المنــية يلقـــها

حميداً و إن يستغن يوماً فأجدر</poesie

وهكذا نجد أن عروة بن الورد كان صعلوكاً شريفاً وشجاعاً ومقداماً، وقد استطاع أن يسمو بالصعلكة إلى درجة المروءة و السيادة؛ لأن الغرض منها كان نداءً يدعو للتضامن و التكافل الاجتماعي الذي يضمن الخير للجميع، ولا سيما الناس المعوزين من الأهل والأقارب، بل هي تأكيد بأن للفقراء حقا في أموال الأغنياء‏.

في العصر الأموي:

 

وفي هذا العصر كغيره من العصور، لم يخل مجتمعه من مرض الفقر بسبب التفاوت الطبقي واحتكار السـلطة والمال لدى المتنفذين.. لكننا نقـرأ موقفا مثاليا لا يرى في الفقر عيبا؛ لأن الفقر قدر من السماء.. وعيوب الأغنياء كثيرة منها البخل ولؤم السعي وسوء البلاء.. فلنقرأ قصيدة ابن الرومي فيما قاله في الفقر: 7

وما الفقــــرُ عيباً مــــا تَجمَّلَ أهلُهُ

ولم يسألوا إلا مُـــــداواة َ دائِـــهِ

ولا عيب إلا عيبُ من يملك الغِنى

ويمنعُ أهـــلَ الفقرِ فضلَ ثرائــهِ

عجِبتُ لعيـــب العــــائبينَ فقيرهَم

بأمرٍ قَضاهُ ربُّــــه مـــن سمائـه

وتــركِهِمُ عيـــبَ الغــنيِّ ببخــــله

ولؤمِ مساعيه وسُــــوءِ بلائــــه

وأعجَبُ منه المادحونَ أخـا الغنى

وليس غِنــــاهُ فيـــهمُ بغنَـــائِـــهِ

أولئك أتبـــاعُ المطامـــــع والمنى

جزاهــم مليكُ الناس شرَّ جزائه

ولــــو وَزنَ استمتاعَــهُ بغَنائِــــهِ

إذاً مــا وفَى استمتاعُــهُ بعَنائــه

في العصر العباسي:

وعلى الرغم من تطور الحياة المادية وانتشار البزخ والترف والجواري والقيان والنهوض الفكري والأدبي – لم نعدم وجود طبقة فقيرة عانت من الانقسام الطبقي الذي وصل بالأثرياء والموسرين إلى مرحلة البطر بالنعمة والكفر بها، كما وصفهم الله عز من قائل في كتابه العزيز: " وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا " ( القصص آية 58 )، وأوغل بالطبقة الفقيرة إلى مرحلة القاع والحضيض والجوع والحرمان..

فها هوذا الشاعر العباسي أبو الشمقمق يصف لنا حالة الفقر التي عاشها بعض الناس في عصره بأسلوب ساخر، راصداً مظاهره من خلال صور فنية تعكس حالة الانحدار والتردي المعيشي والاقتصادي المهين..

فالسنّور الذي تعوّد أن يصطاد الجرذان من بيت الشاعر فقد الأمل في اصطياد شيء يسد به رمق جوعه، والذباب قد هجر بيت الشاعر إلى أماكن النفايات والزبالة، حيث يجد ضالته.. وبهذه الصورة الساخرة يرسم لنا الشاعر واقعه بشكل كاريكاتوري مؤلم، فيصف خلو بيته من أي صنف من أصناف الطعام.. مما أفقد الجرذان والذباب أمل البقاء والعيش فيه: 8

في بُيـيت مـــن الغضارة قفر

ليس فيـه إلّا النُـوى والنخاله

عطلته الجرذان من قلّة الخيــ

ـــر وطار الذباب نحو زباله

وينفد صبر السنور بعد اليأس واستحالة العيش دون طعام في بيت خال من كل مظاهر الحياة حتى غدا صحراء خالية:
قال: لاصبرَ لي وكيف مُقامي
في قفــار كمثل بيــــد تُبــــاله

و ها هو الشاعر أبو فرعون الساسي – من شعراء العصر العباسي أيضا – يعبر عن فقره وسوء حاله بأسلوب ساخر، فهو يوصد باب بيته، خشية أن يرى حاله المارون، وليس مخافة سرقة اللصوص له؛ لأن بيته خال من أي شيء يمكن أن يُسرق، وإنما السارق نفسه يمكن أن يكون هدفاً للسرقة، ولم يكن وصفه لبيته مبالغة أو فرية؛ لأن من يراه بعين أمه، يدرك الحقيقة المرة دون زيف: 9

ليس إغـــــلاقي لبابي أن لي

فيه ما أخشى عليه الســــــرقا

إنمـــــا أغلقه كي لا يــــرى

سوء حالي مـن يجوب الطرقا

منزلٌ أوطنه الفقــــر فلــــــو

دخل الســــارق فيـــه سُــــرقا

لا تراني كاذبــــاً في وصفه

لو تـــراه قلت لي: قـــد صدقا

والأديب الكبير الجاحظ: ولد في مدينة البصرة ونشأ فقيرا، وكان دميما قبيحا، جاحظ العينين، عرف عنه خفة الروح وميله إلى الهزل والفكاهة، ومن ثم كانت كتاباته على اختلاف مواضيعها لا تخلو من الهزل والتهكم. طلب العلم في سن مبكّرة، فقرأ القرآن ومبادئ اللغة على شيوخ بلده، ولكن اليتم والفقر حالا دون تفرغه لطلب العلم، فصار يبيع السمك والخبز في النهار، ويكتري دكاكين الورّاقين في الليل فكان يقرأ منها ما يستطيع قراءته.

كانت ولادة الجاحظ في خلافة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين سنة 150 هـ وقيل 159 هـ وقيل 163 هـ، وتوفي في خلافة المهتدي بالله سنة 255 هجرية، فعاصر بذلك 12 خليفة عباسياً هم: المهـدي والهـــادي والرشيد والأميــن والمأمــون
والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي بالله، وعاش القرن الذي كانت فيه الثقافة العربية في ذروة ازدهارها.

أخذ علم اللغة العربية وآدابها على أبي عبيدة مؤلف كتاب نقائض جرير والفرزدق، والأصمعي الراويــة المشهور صاحب الأصمعيات وأبي زيد الأنصاري، ودرس النحو على الأخفش، وعلم الكلام على يد إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام البصري.

كان متصلا – بالإضافة لاتصاله بالثقافة العربية – بالثقافات غير العربية: كالفارسية واليونانية والهندية، عن طريق قراءة أعمال مترجمة أو مناقشة المترجمين أنفسهم، كحنين بن إسحق وسلمويه، وربما كان يُجيد اللغة الفارسية؛ لأنه دوّن في كتابه المحاسن والأضداد بعض النصوص باللغة الفارسية. توجه إلى بغداد، وفيها تميز وبرز، وتصدّر للتدريس، وتولّى ديوان الرسائل للخليفة المأمون. 10

أما أبو حيان التوحيدي: فقد نشأ في عائلة من عائلات بغداد الفقيرة يتيما، يعاني شظف العيش ومرارة الحرمان؛ لا سيما بعد رحيل والده، وانتقاله إلى كفالة عمه الذي لم يجد في كنفه الرعاية المأمولة، فقد كان يكره هذا الطفل البائس ويقسو عليه كثيرا.

وحين شب أبو حيان عن الطوق، امتهن حرفة الوراقة، ورغم أنها أتاحت لهذا الوراق الشاب التزود بكم هائل من المعرفة جعل منه مثقفا موسوعيا، إلا أنها لم ترضِ طموحه، ولم تلّبِ حاجاته؛ فانصرف عنها إلى الاتصال بكبار متنفذي عصره من أمثال ابن العميد والصاحب بن عباد والوزير المهلبي، غير أنه كان يعود في كل مرة صفر اليدين، خائب الآمال، ناقما على عصره ومجتمعه.هذه الإحباطات الدائمة، والإخفاقات المتواصلة؛ انتهت بهذا الأديب إلى غاية اليأس فأحرق كتبه بعد أن تجاوز التسعين من العمر، وقبل ذلك فّر من مواجهة ظروفه الصعبة إلى أحضان التصوف عساه يجد هنالك بعض العزاء فينعم بالسكينة والهدوء.

ولعل سر ما لاقاه أبو حيان في حياته من عناء وإهمال وفشل يعود إلى طباعه وسماته؛ حيث كان مع ذكائه وعلمه وفصاحته واسع الطموح، شديد الاعتداد بالنفس، سوداوي المزاج … إلى غير ذلك من صفات شخصية وضعت في طريقه المتاعب وحالت دون وصوله إلى ما يريد.. 11

في العصر المملوكي:

لم يكن الشعراء أحسن حالا من شعراء العصر العباسي الذي عرف بازدهاره الفكري والأدبي والمادي، مقارنة بالعصر المملوكي الذي شهد انحطاطا في شتى مناحي الحياة المادية والفكرية، حتى أطلق عليه بعض المؤرخين تسمية ( عصر الانحطاط ).
فهذا أحد شعراء العصر المملوكي أبو الحسين الجزّار قد لخّص حاله من الفقر بأسلوبه الساخر، معتمداً على المبالغة في تصوير واقعه الأليم، فثيابه التي تحميه من برد الشتاء ليست معطفاً من الصوف، وإنما هي الشمس التي تقيه برد الشتاء، وبيته الأرض كلها، وسور ذلك البيت هو الفضاء الرحب، أما سقف بيته فهو السماء: 12

لي من الشمس خلعةٌ صفــراء

لا أبالي إذا أتاني الشـــــتاء

بيتي الأرض والفضاء به سو

ر مُدار وسقف بيتي السماء

و تتملكه الحسرة على عمره الذي أمضاه في السعي وراء الرزق، دون أن يصل إلى غايته المرجوّة، وحتى لا يكون متشائماً، كان يأمل بيوم جديد يرى فيه نورا لحل مشاكله، لكن الحظ لم يحالفه أبدا:
آهِ واحسرتي لقد ذهب العمـــ
ــــر ، وحظّي تأسّف وعناء
كلما قلتُ في غدٍ أدرك الســؤ
ــــل، أتاني غدٌ بما لا أشـاءُ

أما الشاعر نصر الدين الحمّامي – من شعراء العصر المملوكي أيضا – فيسخر من داره التي يقيم فيها؛ لأنّ جدرانها المنهارة آيلة إلى السقوط فوق رأسه: 13

ودارِ خرابٍ بها قـــد نزلْتُ
ولكن نزلت إلى الســابعه
وأخشى بها أن أقيم الصلاة
فتســجدُ حيطانها الراكعه

في المهجر:

وتبلغ ظاهرة البؤس والفقر والتشرد ذروتها في الأدب المهجري، فقد عانى أدباء المهجر وقاسوا الأمرين في سبيل الرزق والعيش، حتى عمل بعضهم بائعا متجولا أو مارس أعمالا مزرية لا تتناسب ومستواهم الفكري والأدبي..

فها هو ذا الشاعر المهجري إلياس فرحات، يصور لنا شقاء غربته سعيا وراء الرزق، فلا يحالفه الحــظ، فإذا قصــده غربا راح يشرق، وإن يمم نحــوه شـــرقا راح

يغرب، وقد عمل الشاعر في البرازيل بائعا متجولا وزاول أعمالا عديدة. فقال يصف حاله حين مكابدة الشقاء وقلة الحظ: 14

طوى الدهرُ من عمري ثلاثين حجَّةً

طـويـتُ بـهـا الأصقاعَ أسعــى وأدأبُ

أغـرِّبُ خـلـفَ الـرّزقِ وهــوَ مُشَرِّقٌ

وأقــســمُ لـــو شـرَّقْــتُ راحَ يــغــرّبُ

ويصف مركبة النقل التي يجرها حصانان، محملة بالبضائع، تجوب به الآفاق بحثا عن لقمة العيش، واصلة ليلها بنهارها، متخللة الروابي والغابات؛ فتبدو كالسفينة بين عباب اليم، تعلو وتهبط:

ومـركـبـةٍ للـنـقــل راحـتْ يـجــــرُّها

حـصـانـان مُـحـمـرٌّ هـزيــلٌ وأشـهبُ

جـلـسْـتُ إلــى حــوذيِّــها ووراءَنــــا

صـنـاديـقُ فـيـهـا مـا يـسـرُّ ويـعـجبُ

تـبـيـن وتـخـفـى فـي الـرُّبـــا وخيالها

فـيـحـسـبُـها الراؤون تطفو وترســبُ

وتـدخــلُ قـلـبَ الغابِ والصبحُ مسفِرٌ

فـتـحـسـب أنَّ اللـيـل للـيـل مُـعـقـــِبُ

تـمــرُّ عـلــى صُـمَ الـصـَّفـا عجلاتها

فتسمعُ قلبَ الصخرِ يشـكو ويصخَبُ

وتتبدى مظاهر الشقاء والفقر والغربة في أسوأ صورها في تلك الأكواخ الخالية من البشر إلا من البوم الناعب فوقها، وهي مفككة الجدران والسقوف التي يرى الشاعر من خلالها النجوم تبدو ثم تختفي، ولا تعرف أجفانه طعما للكرى.. والماء العكر موردهم ومنهلهم المشترك مع الخيل، وربما الخيل تعاف ما يشربون منه:

نـبـيـتُ بـأكـواخ ٍ خـلـَتْ من أنـاسـها

وقــام عـلـيـهـا الـبـــومُ يـبكي وينعبُ

مُــفــكَــكـةٌ جــدرانُــهـا وسـقــوفُـهــا

يُـطـلُّ عـلـيـنـا الـنـجـمُ مـنـها ويغربُ

فنمسي وفي أجفاننا الشــــوقُ للكرى

ونُـضـحي وجمْــرُ السهدِ فيهنَّ يَلهبُ

ونـشـربُ مـمـا تـشـرب الـخـيلُ تارةً

وطــوراً تعافُ الخيلُ ما نحن نشربُ

وهذا شاعرنا المهجري إيليا أبو ماضي قد نشأ فقيرا، لكنه كان تواقا للعلم منذ طفولته ولم يجد إلى ذلك سبيلا، فاضطر للذهاب – مشيا على الأقدام – إلى مدرسة تبعد عن منزله نحو ميلين، وكان يديرها العلامة الشيخ إبراهيم المنذر، فيقف أمام نافذتها سرا؛ كي يصغي إلى شرح المعلم.. وحينما رآه الشيخ إبراهيم وعلم سر حاله، أدخله المدرسة مجانا.. وقد علق الشيخ على هذه الواقعة بقوله:

( لماذا نشفق على البطون الجائعة فنطعمها، ولا نشفق على العقول الجائعة فنغذيها؟ أليس العقل أسمى من البطن؟ ). وهذه المقولة تفتح أمام بصائرنا أبوابا واسعة للبحث في ضياع الكثير من المواهب والعبقريات والطاقات البشرية التي وأدتها صفحات التاريخ وأحداثه بسبب البؤس والفقر والشقاء..
ولعل قصيدته ( الفقير ) أبرع لوحة فنية تعبر عن حال الفقير ومعاناته وحرمانه وشعوره بالبؤس واليأس والحزن والهم والغم: 15

هـــــمّ ألم بــــه مـــــــع الظلماء

فنأى بمقلته عــــــن الإغفــــاء

نفس أقام الحـــزن بين ضلوعـه

والحـــزن نار غير ذات ضياء

يرعى نجوم الليل ليس به هوى

ويخـــــاله كلفا بهـــــنّ الرائي

في قلبه نـــار ( الخليل ) وإنمـا

في وجنتيه أدمــع ( الخنساء )

قد عضة اليأس الشديــد بنـــابه

في نفسه والجـوع في الأحشاء

يبكي بكاء الطفل فارق أمــــــه

مـا حيلة المحـزون غير بكاء!

وقد خلت داره من كل مظاهر الحياة، فلا طعام ولا شراب، ولا من زائر.. وبات في حيرة من أمره: إما تشاؤم يدفع به إلى الانتحار.. وإما صبر على الأيام وشكوى ومناجاة لليالي والزمان:

فأقام حلـــس الدار وهــــــو كأنه

– لخــلو تلك الدار- في بيــــداء

حيــران لا يـــدري أيقتل نفســـه

عمدا فيخلص مــن أذى الدنياء

أم يستمر على الغضاضة والقذى

والعيش لا يحــلو مـع الضراء

طرد الكــــرى وأقـــام يشكو ليله

يا ليل طلت وطـال فيك عنائي

يا ليل قـد أغريت جسمي بالضنا

حتى ليـــؤلم فقـــــده أعضــائي

ورميتني يا ليــل بالهـــــــم الذي

يفري الحشا، والهم أعسر داء

يا ليـل مالك لا تــــرق لحـــالتي

أتـــراك والأيام مــن أعــدائي؟

يا ليل حسبي ما لقيت من الشـقا

رحمـــاك لست بصخرة صماء

بن يا ظلام عـــن العيـون فربّما

طلع الصباح وكان فيــه عزائي

وارحمـــتا للبــائســين فإنهـــــم

موتى وتحسبهم مــن الأحيــــاء

إني وجــدت حظوظهم مســودّة

فكأنما قـــدت مـــن الظلمــــــاء

بل إن الزمان مصدر سرور للخلق، ولكن هيهات أن يكون للفقراء حظ من ذاك السرور، وهم لا يملكون سوى أضغاث أحلام بالنعمة سرعان ما تتبدد كالسراب.. حتى بات السرور عندهم خرافة أو مستحيلا كطائر العنقاء.. بل إنهم صاروا هدفا للخطوب والأرزاء: 16

أبدأ يسر الزمــــــان ومـــــالهــم

حــــظ كغيرهم مـــــــن الســــرّاء

ما في أكفهم من الدنيا ســـــــوى

أن يكثروا الأحــــــلام بالنعمـــــاء

تدنـــو بهم آمالهـــم نحــو الهنـــا

هيهات يدنـــو بالخيـــال النــــــائي

أبطر الأنام من السرور وعندهم

أن الســــــــرور مــــرادف العنقاء

إني لأحــــزن أن تكون نفوسـهم

غرض الخطوب وعرضة الأرزاء

وتنطلق سجية الشاعر وتثور مشاعره ساخرا من الأغنياء الذين أسرفوا على أنفسهم في التكبر والاستعلاء، ويذكرهم بطبيعة خلقهم، فهم والفقراء من طين وماء..
ويخاطبهم بأسلوب ساخر ساخط من الحياة التي لم تنصف الفقراء من الأغنياء.. فلم يلبسون الحرير والفقراء بغير كساء؟ّ! ولم يضنون بالدينار على الفقير.. ويسرفون في أموالهم على شهواتهم وملذاتهم؟: 17

قـــل للغـــني المســـتعز بمــــاله

مهلا لقد اسرفت في الخيــلاء

جبل الفقير أخوك من طين ومن

ماء، ومن طين جبلت ومـــاء

فمــــن القساوة أن تكــون منعما

ويكون رهن مصائب وبــلاء

وتظل ترفـــل بالحــــرير أمامه

في حين قد أمسى بغير كسـاء

أتضن بالدينــــار في إســـــعافه

وتجـــود بالآلاف في الفحشاء

ويدعوهم لنصرة الفقراء ومساعدتهم بما يكفيهم منة البخلاء، وإنه لمن الكفر والضلال عدم الإنفاق والسخاء على الفقراء..

وكل نفس بشرية إلى فناء؟:

انصر أخــاك فان فعلــت كفيتـه

ذلّ الســؤال ومنة البخــــــلاء

أذوي اليسار وما اليسار بنـــافع

إن لم يكن أهلوه أهــل سخــاء

كم ذا الجحود ومالكم رهن البلا

وبم الغــــرور وكلكم لفنـــاء؟

إن الضعيف بحاجـــة لنضاركم

لا تقعدوا عن نصرة الضعفاء

وفي قصيدته ( الطين ) تتجلى فلسفة السخرية من الأغنياء الموسرين المتجبرين المتكبرين المتعالين على الناس في أبهى معانيها، مذكرا إياهم بماضيهم وطبيعتهم البشرية التي يتساوون فيها مع الفقراء رغم أنوفهم: فالأصل واحد من طين حقير.. وألم السقم واحد لا يميز بين غني وفقير.. والقمر المطل واحد لا يفرق بين قصر شاهق وكوخ حقير.. وكل مافي الطبيعة من ضر ونفع واقع على الجميع إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ: 18

نسي الطين ســاعةً أنـــه طيـــــ

ــنٌ حقيــرٌ فصــالَ تيهـاً وعــربـــد

و كسا الخزُّ جســــمه فتبــــاهى

و حــوى المــالَ كـيسُـــهُ فتمـــــرّد

يا أخي لا تمـــل بوجهــك عنـي

ما أنــا فــحمـةٌ و لا أنــت فـــرقـــد

أنت في البـــــردة الموَشّاةِ مثلي

في كسائي الرديمِ تشقى و تســـــعد

أأمانـــيّ كلهــــــا من تــــــرابٍ

و أمانيــكَ كلـــهـــا مــن عسجـــد؟

أأمانــــي كلهــــا للتـــــــلاشـــي

و أمــــانيــــك للخـلــــود المؤكــّد؟

لا؛ فهـذي و تلك تأتي و تمضي

كــذويهـا و أي شــــيءٍ يؤَبّـــــــد؟

أيها المزدهي إذا مسك الســــــقــ

مُ ألا تشــــتكـــــي؟ ألا تتــنــهّـــــد؟

قمـــــرٌ واحـــــدٌ يطـــل عليـــنــا

و علــــى الكـــوخِ و البنـاءِ الموطّد

إن يكــــن مشــرقاً لعينيكَ إنــــي

لا أراه مــــن كـــوة الكــوخِ أســود

ثم يقارن حال الغني بحال مخلوقات الطبيعة، فيذكره بأنه مهما ملك، لن يكون أسعد من فراشة الحقل.. ولا أجمل ولا أجود من الورود العابقة بشذاها، فهي تعطي دون أن تنتظر من يكافؤها على عطائها.. وليس الغني عزيزا ليدافع عن نفسه حينما تمتص دمه بعوضة حقيرة.. ولا يملك القدرة على النوم قرير العين إذا ما هجر النوم مقلتيه.. ويذكره بمنبته من الطين الذي يدوسه بقدميه، فلم التيه والتعالي على الآخرين؟!.. ويدعوه إلى نبذ الكره والبغضاء من فؤاده.. أما قلب الشاعر، فقد أصبح معبدا للحب والتسامح: 19

لو ملكت الحقول في الأرض طُراً

لـم تكن مــن فراشةِ الحقلِ أسعـــد

أجميلٌ؟ ما أنت أبهى من الــــــور

دةِ ذاتِ الشذا و لا أنـــت أجـــــود

أم عـــزيزٌ؟ و للبعوضـةِ من خــدّ

يكَ قــــوتٌ و فــــي يديــكَ المهنّـد

أم قـــويٌ؟ إذن مُر النـــومَ إذ يغــ

شاك و الليــلَ عن جفــونـك يرتــد

أنت مثلــي من الثــــرى و إليــــه

فلماذا يا صاحبي التيه و الصــــد؟

أيهــا الطين لست أنقى و أسمـــى

من ترابٍ تـــدوس أو تتـــــوســــد

لا يكــــن للخصامِ قلبك مــــــأوىً

إن قلبيَ للحـــــبِّ أصبـــــح مَعبــد

وتبلغ السخرية من الأغنياء ذؤابة مقاصدها ومراميها في قصيدته ( كلوا واشربوا ) موجها دعوته إليهم بمزيد من الترف والإسراف في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وإهانة الفقراء وسجنهم وتعذيبهم وقتلهم: 20

كلوا و اشــــــربوا أيّهــا الأغنياء

و إن مــــلأ السكك الجــــــائعون

و لا تلبسوا الخـــــــــزّ إلاّ جديدا

و إن لبس الخـــــرق البــــائسون

و حوطوا قصوركم بالرجـــــال،

و حوّطــــوا رجــالكم بالحصون

فـــلا ضحــــايا الطّــــــــوى ولا

يبصـــرون الــــذي تصنـــــعون

و إن ســــــاءكم في الوجـــــــود

و أزعجـــكم أنّهــــــم يولــــــون

مرّوا فتصول الجنــــود عليـــهم

تعلّمـــــهم فتــــــك المنـــــون

فهم معتـــــدون، و هم مجرمون

و هــــم مقلقون، و هم ثائـــرون

إذا الجنــــد لم يحرسـوكم و أنتم

ســـراة البلاد فمن يحرســـون ؟

و إن هم لـــم يقتـــلوا الأشــقياء

فيا ليت شــــعري مــن يقتلون ؟

و لا يحـــــــزننّـــكم مـــــوتــهم

فإنّـــــهم للـــــــردى يـــــولدون

و قــــولوا كــــذا قــد أراد الإله

و إن قــــــدّر الله شيئا يكـــــون

ثم يدعو الفقراء إلى القناعة والرضا، وعدم الشكوى من تردي حالهم، وترك الأغنياء في غناهم وترفهم ينعمون في جحيم شهواتهم وملذاتهم؛ لأنهم زائلون بكل نعمهم البالية.. وقد توعدهم رب البرية بسقر يصلونها ذات لهب مع أبي لهب الذي لم يغن عنه ماله وما كسب.. ووعد الفقراء والمساكين بجنات النعيم، يتكئون فيها على الأرائك وحولهم الحور العين، ويثملون بخمر النعيم الذي لا يغتاب العقول: 21

و يا فقـــــراء لمـــــاذا التشكّي ؟

ألا تستـــحون ؟ ألا تخجــــلون ؟

دعـــــوا الأغنيــــــاء و لذّاتهـــم

فهم مثـــــل لذّاتهم زائلــــــــــون

سيمســون في " سقر " خــالدين

و تمســـون في جنّـــــــة تنعمون

فـــلا تعطشون ، و لا تسغبون ،

و لا يرتـــــوون ، و لا يشبـعون

لكم وحـــــدكم ملكوت السّــــماء

فمـــــا بالكم لســـــتم تقنـــعون ؟

فـــلا تحــــزنوا أنّكم ســـاهرون

فســــوف تنامـــون ملء الجفون

ستتّكـئــون مــــــع الأنبيـــــــــاء

تظلّلـــكم وارفــــات الغصــــون

يضوع السّـــــــنا بالشّــــــــــذى

و تجري الطّلا أنهــــرا و عيون

و تسقيكم الخمــــر حـور حسان

كما يشتــــهين ، كما تشتـــــهون

كذا وعـــــــد الله أهـــــــل التقى

و أنتم هـــــم ، أيّهـــا ، المتعبون

ألا تؤمنــون بقــــــول الكتــاب؟

فويل لكــــم إنّكــــم كافــــرون !

ولكن النظرة الفلسفية المتفائلة في الحياة المنبثقة من رؤيته الجمالية للكون في قصيدته ( كم تشتكي؟ ) تلغي كل حدود الفقر والحرمان وتدعو الجميع للتفاؤل، فلماذا الشكوى من الفقر ما دام بمقدورالمرء التنقل في كل بقاع الأرض وتأمل السماء بنجومها وكواكبها؟! ولماذا التشكي والإنسان يستطيع التنقل في الحقول منتشيا بأريج الأزهار وتغريد البلابل والنسيم العليل والماء الزلال المترقرق كالفضة وأشعة الشمس الذهبية الدافئة والنور المنبلج بين الفجاج وعلى السفوح راسما أجمل البيوت الموشاة بكل أطياف الألوان؟! 22

كـــم تشتكي وتقــــول إنك معــــدم

والأرض ملكك والســـــما والأنجم

ولك الحقول وزهــــرها وأريجــها

ونسيمهــا والبلبـــــل المتــــــرنم

والمـــــاء حولك فضــــة رقراقـــة

والشـــمس فوقك عســـجد يتضرم

والنور يبني في السفوح وفي الذرا

دورا مزخـــــرفة وحينا يهـــــــدم

هشـــت لك الدنيا فمـــا لك واجما؟

وتبســـمت فعـــــــلام لا تتبســـم؟

قال المـــواسم قد بدت أعـــــلامها

وتعرّضت لي في الملابس والدمى

وعليّ للأحبـــاب فــــــرض لازم

لكـــنّ كفّي ليس تمــــلك درهمــــا

قلت ابتســـم يكفيك أنك لــــم تـزل

حيّــــاً ولست مـــــن الأحبة معدما

قـــال الليــــالي جـرعتني علقـــما

قلت ابتسم ولئن جــــرعت العلقمـا

نظرة مقارنة: بين الماضي والحاضر والمستقبل:

لو قارنا حالة الفقر والغنى في تاريخنا العربي بين جاهلية الماضي وجاهلية الحاضر، لبكينا حالنا واسترحمنا على قريش وقوافلها التجارية إلى الشام واليمن التي كانت تضم ما يقارب ألفا من البعير أو يزيد.. ولا تتجاوز حمولتها في رحلات عديدة حمولة حاوية واحدة من حاويات النقل الحديثة برا أو بحرا أو جوا..
كان في الجاهلية قريش واحدة في الثراء والهيمنة والسطوة.. أما اليوم – في الجاهلية الحديثة – ففي كل دولة مئات القبائل من قريش.. وفي كل مدينة عشرات القبائل من قريش.. وفي كل قرية قبيلة من قريش.. وفي كل حي فخذ من أفخاذ قريش.. وفي كل نفس نزعة من نوازع قريش..

في الجاهلية قافلة برية من البعير تحمل الزبيب والجلود والحبوب.. تملكها قبيلة من أغنى القبائل العربية وأسطاها وأنفذها تدعى قريشا!!

وفي جاهليتنا اليوم ألف قريش وقريش.. يمتلك كل زعيم قرشي بمفرده أضعاف أضعاف ما امتلكت قريش برمتها منذ نشأتها إلى فتح مكة!!

لا يملك الفرد القرشي اليوم قوافل من بعير تحمل الزبيب والجلود.. بل تتراقص أصابعه على حروف حاسب آلي تتابع قوافله التجارية التي تمخر عباب اليم آيبة من كل أصقاع المعمورة.. حاملة كل أصناف المنتجات من زراعية وصناعية وتجارية.. لو رأتها نواظر قريش لآمنت بالإسلام من أول قافلة!!

فما بالك بالقوافل البرية التي تشق عباب السراب عبر الدول والقارات.. تستطيع عدة مقطورات منها أن تحمل قوافل قريش ببعرانها وحمائلها وقوادها!!

وما بالك بالقوافل الجوية التي تخترق أجواف السماوات ليلا ونهارا غير مبالية بالسحاب ولا الضباب ولا غيث الشتاء ولا اللصوص وقطاع الطرق في العراء..!!

كل أمير قريش وألف قريش.. وكل زعيم مصطنع شبه جزيرة عربية تلف تحت عباءتها كل قبائل العرب الجاهلية في شبه جزيرتهم.. وكل تاجر فاجر ألف ألف زعيم من زعماء قريش..!
أما الفقراء في الجاهلية فكانوا في رحمة إنسانية تتجلى في تتضامن القبائل بعضها ببعض في المحـــن والمصائب.. وفي تعاضد أفـــراد القبيلة الواحــدة الذيـــن

تربطهم رابطة النسب والانتماء تحت إمرة شيخ لديه من الحكمة والرأفة ورجاحة العقل ما يجعله بمثابة الأب الروحي للقبيلة..

ولكن فقراءنا اليوم باتوا تحت رحمة سماوية تعدهم بالجنة فيعيشون من أجلها.. وليس لهم من قبيلة ترعاهم ولا من أفراد يحنون عليهم ولو رضعوا من لبان ثدي واحد.. وباتوا تحت وطأة أمير يستعبدهم تارة باسم الوطن وتارة باسم الدين وتارة باسم القضايا الكبرى.. فلا مطالب ولا حاجات ولا كلمات.. تحت شعار على مساحة المزرعة وسمائها: الإله.. الحاكم.. الوطن!! أما الشعب ففي شعارات قادمة بعد قيام الساعة!!

وأما العالم الأبله برمته – اليوم – ففيه أساطين لا تشكل قريش – بما امتلكت – قطرة واحدة في بحار ثرائها وترفها وملكوتها!!

العالم اليوم تجارة ودعارة.. صناعة وبغاء وحقارة.. هيمنة واستغلال واستعمار وقذارة..
العالم اليوم حروب قنابل ذرية وكيميائية.. حروب صناعات تخنق الكون بسحب دخانها السامة التي كادت تودي بحياة كوكبنا الأرضي!! ويجتمع الزعماء الكبار الذين هم أسباب لوثة كوكبنا وفضائه، لبحث قضية الاحتباس الحراري ومشكلة التلوث البيئي وظاهرة الجوع والفقر..!!!

إنه لفيلم سينمائي من أفلام هوليود.. وفيلم كرتوني ثلاثي الأبعاد من أفلام قمم الجامعة العربية!!!
أما المستقبل.. فإنه نتاج عصرنا الحديث بكل ما فيه من تلوث في القيم والمبادئ والمثل والأخلاق والحضارة الإنسانية.. وبكل ما فيه من تدمير وتخريب للبيئة الأرضية والكونية في أنهارها وبحارها ومحيطاتها.. في هوائها ومائها وغذائها.. وسمائها وفضائها بغيومها وغيثها وشمسها وصحوها ونجومها ومجراتها.. ورحمة السماء التي صارت نقمة على جميع الكائنات والمخلوقات!! ولنتأمل العصر الحديث الذي تدفن فيه الإنسانية رأسها في التراب كالنعام حينما يداهمه خطر وحينئذ يمكننا أن نطلق على عصرنا المثل القائل: ( أغبى من النعامة)..

العصر الحديث أو المعاصر:

وما أدراك ما الحديث؟! إنه حديث بكل ما فيه!!
إنه حديث في طريقة القتل والتدمير والإبادة الجماعية في صمت رهيب!!
إنه حديث في أساليب الهيمنة والاستعمار والاحتلال دون جنود وأسحة!!
إنه حديث في طرق التهجير والتشريد والظلم والاستعباد في هرج ومرج دون صخب أوضجيج!!
إنه حديث في نشر الدعاية والدعارة وامتهان الإنسان وترويج مخدرات العقول والأرواح وسحق القيم الإنسانية النبيلة في هدوء النملة وطنين النحلة!!
إنه حديث في احتشاء بطون الأغنياء وتضخم أجساد المتسلطين والأغنياء التي تخفي بشاعتها عمليات تجميل طبية أو عمليات مسح طبوغرافية في العقول!!
إنه حديث ببلاهته وبشاعته ووقاحته وقلة أدبه في شتى ميادينه وفي مختلف أشكاله ومضامينه!!
إنه حديث في صراعاته وتصارعه.. في تكالب أغنيائه وسلاطينه على فقرائه وسواده!!
إنه حديث في تغير مناخاته وتلوث مكوناته وتبدل سكناته حركات وسكون حركاته ورفع مجروراته وجر مرفوعاته وخفض منصوباته وجزم أسمائه التي لا تجزم!!
إنه حديث بكل أحداثه التي لم تعرف البشرية مثيلا لها في كل مآسيها ونوائبها ونوازلها منذ بداية الخلق والكون!!
إنه حديث بكل حداثته في مظاهر الناس بداءة من الرأس الذي لم يعد يشبه خلقة الله.. ومرورا بمضائق وممرات وجبال ووهاد ومحيطات وبحار وأنهار ووديان.. مطرزة على أستار الجسد، وانتهاء بالقدمين والنعلين اللذين يختزلان أسرار الكهوف والمغاور التي تبتلعها الطبيعة في أحشائها!!
إنه حديث في كلماته وأغنياته ورقصاته وموسيقاه وفنونه وشعره الذي هربت الأوزان الشعرية منه وتطايرت صوره الفنية في الفضاء كما تتطاير الحمير والأبقار دون أجنحة!!

إنه حديث في تطاول المسافات علوا وانحدارا، طولا وعرضا، انتفاخا وضمورا.. تنفسا وسعالا وشخيرا.. الأغنياء يناطحون السحاب ويساهرون النجوم ويداعبون القمر.. والفقراء يناطحون السراب ويساهرون الفئران والصراصير في أكواخ من غصون الشجر ولا من مؤنس سوى الصبر والإيمان بالقدر!! .. ويمكنني القول:

إنه بدء حديث، والبداية صعبة
وحديثنا لا ينتهي، والنهاية أصعب

ومن شعراء العصر الحديث الذين تناولوا قضية الفقر: الشاعر حافظ إبراهيم الذي نظر إلى تلك الظاهرة على أنها خطر يعيق تطوّر المجتمع، فيدعو إلى الإصلاح لتحسين أحوال الناس الذين يتمنون الموت من شدة الغلاء: 23

أَيُّهــا المُصْلِحُونَ ضاقَ بنا العَيْـ

شُ ولمْ تُحسِنُوا عليـــــــه القيــــامَا

عـــزت السِّلــــْعَة ُ الذَّلِيلة ُ حتَّى

باتَ مَسْحُ الحِذاءِ خَطْباً جُســــــاما

وغَدَا القُوتُ في يَــدِ النّاسِ كاليا

قُــــوتِ حتى نَوَى الفَقيرُ الصِّيــاما

يَقْطَع اليـــــــومَ طاوِياً وَلَدَيـــــْه

دُونَ ريـــح القُتارِ ريـــحُ الخُزامَى

ويخالُ الرَّغيفَ منْ بَعـــــــْدِ كَدٍّ

صاحَ: مَن لي بأنْ أُصِيبَ الإدامــا

أيّهــــا المُصْلِحُونَ أصْلَحْتُمُ الأرْ

ضَ وبِتُّمْ عـــــــن النُّفـــــوسِ نيامَا

أصْلِحوا أنفُسَا أضرَّ بِهَــــا الفقْــ

ـــــرُ وأحْيا بمـــَوتِها الآثامــــــــــا

ليس في طَوقِها الرَّحيلُ ولا الجِـ

ــــــدُّ ولا أن تُواصلَ الإقْــــــــداما

وأغيثُوا منَ الغَــــــلاءِ نفوســــاً

قد تمنَّتْ مـــــــــع الغَلاءِ الحِمــامَا

وكذلك الشاعر اليمني المعاصر عبد الله البردوني يتناول مظاهر الفقر بأسلوب ساخر، فيصف لنا – في قصيدته ( لص في منزل شاعر ) بيته الفارغ من كل شيء، حتى إن اللص الذي دخله ليسرق ما فيه – في خلسة بارعة – لم يجد فيه سوى هرة تشتم فارة، وهو أشبه بمغارة خاوية، واللص سيعود خائبا دون ربح، ولن يكرر الزيارة .. فقد وجد الشاعر كغيره من الشعراء في التهكم والسخرية الطريق الأمثل للتعبير عن استيائهم من واقعهم المرير: 24

شكراً، دخلتَ بلا إثارة، وبلا طُفُورٍ، أو غَرارهْ

لما أغرتَ خنقتَ في رجليكَ ضوضـاءَ الإغـــــاره

لم تسلبِ الطينَ السكونَ، ولم تَرُعْ نومَ الحجاره

كالطيفِ جئتَ بلا خُطىً، وبلا صدىً، وبلا إشـــاره

أرأيتَ هذا البيتَ قزماً، لا يكلفكَ المهـاره؟

أتيته، ترجـــــو الغنائم، وهو أعْرَى من مغاره

* * *

ماذا وجدتَ ســــوى الفراغ، وهرّةً تَشْتَمُّ فاره

ولهاث صعلوك الحروف، يَصوغُ من دمِهِ العباره

يُطفي التوقّدَ باللظى، ينسى المرارةَ بالمـراره

لم يبقَ في كُوبِ الأسى شيئاً، حَسَاهُ إلى القراره

* * *

ماذا؟ أتلقى عند صعلوكِ البيوت، غِنَى الإمَارَه

يا لصُّ عفواً، إن رجعتَ بدون رِبْحٍ أو خَسَارَه

لم تلقَ إلاّ خيبةً، ونسيتَ صندوقَ الســـجـاره

شكراً، أتنوي أن تُشرِّفنا، بتكرارِ الزيـاره !؟

ويصف بيوت الفقراء الجائعين الجاثمة فوق الثرى كأنها قبور لا للموتى بل للأحياء من البشر الذين يحلمون برغيف الخبز ولا يجنون إلا الخيال في أحلامهم.. وتبدو تلك البيوت سجونا لأشباح.. أو كهوفا مظلمة وراء الكـــون غارقة في أحـــلام

الظلام .. وحين يسمعها الظلام لا يسمع منها سوى أنين الجوع في الأحشاء.. فتأمل معي قصيدته ( ليالي الجائعين ): 25

هــــذي البيوت الجاثمــات إزائي

ليل مــــن الحرمـــان و الإدجــاء

من للبيـــوت الهـــــادمات كأنّهــا

فــــوق الحياة مقابــــر الأحــــياء

تغفو على حلم الرغيف و لم تجـد

إلاّ خيـــالا منــــه في الإغفــــــاء

و تضمّ أشـــــباح الجيــــاع كأنّها

سجن يضمّ جوانــــــح السّــــجناء

و تغيب في الصمت الكئيب كأنّها

كهف وراء الكـــــون و الأضواء

خلف الطبيـــعة و الحــياة كأنّهــــا

شيء وراء طبـــــائع الأشــــــياء

ترنــــو إلى الأمــل المولّي مثلمــا

يرنـو الغريق إلى المغيث النــائي

و تلملم الأحــلام من صدر الدّجــا

سردا كأشـــباح الدجـــا السوداء

***

هذي البيوت النائمات على الطوى

نوم العليــــل على انتفاض الداء

نامت و نام اللّيل فـــوق سكونهـــا

و تغلّفت بالصـــمت و الظلمــاء

وغفت بأحضان الســكون و فوقها

جثث الدجــــا منثورة الأشـــلاء

و تلملمت تحت الظــــلام كأنّهــــا

شيخ ينـــــوء بأثقـــل الأعبــــاء

أصغى إليـــها اللّيـــل لم يسمع بها

إلاّ أنيــن الجــــوع في الأحشاء

و بكا البنين الجــــائعين مـــــردّدا

في الأمّهــــات و مسمع الآبــاء

ودجت ليالي الجـــائعين و تحتــها

مهــج الجيــاع قتيلة الأهـــــواء

ويصف أكواخ هؤلاء الفقراء من جيرانه القابعة إلى جوار كوخه الحقير التي أصبحت مرعى للشقاء وفريسة للمصائب والأرزاء وليس لديهم من سلاح سوى الصبر الذي يشبه صبر الربا أمام الرياح والأنواء.. وقد امتلأت أفئدتهم حقدا على قصور الأغنياء وبخل الأثرياء.. ويتحسر الشاعر على هؤلاء البؤساء من الأيتام والضعفاء الذين ملكوا مشاعره وأحاسيسه ودمه وروحه وأعصابه.. حتى باتوا جراحا تحتسي دموعه ودماءه..

يا ليل ، من جيران كوخي ؟ من هم

مرعى الشقا و فريســــة الأرزاء

الجائعون الصــــابرون على الطوى

صبر الربــــا للريح و الأنـــــواء

الآكلـــــون قلوبهــــم حقــــــدا على

ترف القصور و ثروة البخــــلاء

الصامتــــون و في معــاني صمتهم

دنيا مـــن الضجّات و الضوضاء

و يلي على جيـــران كوخــي إنّهــم

ألعــــوبة الإفــــلاس و الإعيـــاء

ويلي لهم مـن بـــؤس محيــاهم و يا

و يلي من الإشــــفاق بالبؤســــاء

أنــــــوح للمســــتضعفين و إنّنــــي

أشقى مـــن الأيتـــــام و الضعفاء

و أحسّهم في ســـدّ روحي في دمـي

في نبض أعصابي وفي أعضائي

فكأنّ جيــــراني جــــــراح تحــتسي

ريّ الأســـى من أدمعي و دمائي

نامـــوا على البلـوى و أغفي عنهمو

عطف القريب ورحمــة الرحماء

ما كان أشقاهـــم و أشقـــاني بهــــم

و أحسّني بشـــقائهم و شــــقائي

ولكن الشاعر السوري وصفي القرنفلي – وهو من شعراء مدينة حمص الذي ولد عام 1911م وتلقّى دراسته الابتدائية في المدارس الأرثوذكسية بحمص ولم يتمكّن من متابعة دراسته، وأنهاها عند الصف الحادي عشر والتحق بالعمل في دائرة المساحة في مدينته عام 1929 .

لم ينهج نهج الشعراء الذي يرتضي أسلوب الوصف والسخرية أو الدعوة إلى الإصلاح للتخلص من الفقر باستجداء الأغنياء، فقد وعى قضية شعبه التي شكّل فيها الجوع ذروة التحول في حياته، فالتحم بالجماهير وعمل على تحريضها ضد المستغل، فعكس وعي تلك الجماهير وطموحاتها إيمانا منه بحتمية التغيير والتحوّل إلى مستقبل زاهر وعالم أفضل:26

قل للرفاق التائهين
في الشرق تمضغه السنون
فقراؤنا قد حطّموا حكم القناعة واستفاقوا
الجوع ليس من السماء فمن إذاً ؟ وهنا أفاقوا
ومضَوا فمن متسوّلينَ
على الرَّصيفِ ، لثائرينْ
يتناقشون ويضغطونَ
على الشِّفاهِ ويسْألونْ :

الجوعُ ؟ – صنعُ النَّاهبينَ الشَّعبَ ، صنعُ الأغنياءْ
أخذوا المعاملَ والحقولَ وطوَّقونا بالقضاءْ
وهو يبشّر الجماهير بالخلاص من جشع المستغلين، ويبشرهم بأن معالم النصر تلوح في الأفق.. إنه الفتح المبين الذي يدوس ظلام السنين بهدير الكادحين:

ومشت جموع المؤمنين

تطأ الدجى تطأ السنين

اقرأ : هو الفتح المبين

اسمع هدير الكادحين

الموت للمستعمرين

النار للمستثمرين

ومن شعراء هذا العصر: الشاعر المصري الكبير أمل دنقل الذى عاش حياة مليئة بالقهر والظلم والفقر دفعته إلى التجول في طرقات القاهرة بحثا عن صديق يدفع له ثمن الغذاء، وعرف أمل دنقل بالتزامه وحبه الشديد للوطن وقصائده السياسية الرافضة هى تأكيد لهويته القومية العربية، وعرفه المواطن العربى من خلال ديوانه الأول، "البكاء بين يدى زرقاء اليمامة " الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربى بألم هزيمة 1967. وها هو في شعره يمجد الفقراء ويذم الأغنياء: 27

هذه الأرض حسناء، زينتُها الفقراء لهم تتطيب

يعطونها الحب، تعطيهم النسل والكبرياء

قلت: لا يسكن الأغنياء بها. الأغنياء الذين

يصوغون من عرق الأجراء ..

نقود زنا.. ولآلئ تاج. وأقراط عاج.. ومسبحة للرياء.

إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين..

يموتون محتسبين لدى العزاء

ولا ننسى شاعر البؤس وبائس الشعراء عبد الحميد الديب الذي كانت حياته سجلًا حافلا بالنكبات والمحن والمصائب والآلام لم يتعرض لمثلها شاعر!

ولد عبد الحميد الديب عام 1898م بقرية «كمشيش» في محافظة المنوفية لأسرة فقيرة بائسة تعاني من ويلات البؤس والفاقة والحرمان، وكان دائمًا يشعر بمرارة في أعماقه وهو يرى أقرانه يمرحون ويلهون في ثياب نظيفة، وأحذية لامعة، بينما هو رثُّ الثياب، حافي القدمين.. وهكذا شبَّ الديب حزيناً باكياً ناقماً على الجميع، وقد قطن في حجرة متواضعة في ( قصر الشوق ) في أحد أحياء القاهرة الفقيرة، وعاش حياة بائسة في تلك الحقبة من حياته، وكان هو كل أساس هذه الحجرة، وقد سجل ذلك في قصيدة قال فيها: 28

أفي حجرتي يا رب،أم أنا في لَحْدي؟

ألا شــدَّ ما ألقى مــــن الزمن الوغدِ

وهــــل أنا حــيٌّ أم قضيت وهـــــذه

إهابة إســـرافيل تبعثني وحــــدي؟!

لكم كنتُ أرجــــو حجـــرة فأصبتُهـا

بنــــاءً قديمَ العهدِ أضيق مــن جَدِّي

تراني بهــــا كل الأثــــاث، فمعطفي

فراش لنـــومي أو وقاء من البـــرد

وأمــــا وســــاداتي بهـــــا فجـــرائد

تجـــدد إذ تبــــلى على حجــر صلد

فأهــــدأُ أنفــاسي يكادُ يهــــــــدهـــا

وأيْسَرُ لمسٍ فـي بنـــايتها يُـــــرْدي

تساكنني فيــــها الأفـــاعي جـــريئة

وفي جوها الأمراض تفتك أو تعدي

وكان يعجز عن سداد أقساط أجرة غرفته البسيطة على الرغم من ضآلتها، حتى أصبح صاحب البيت عدواًّ له، وكان الشاعر يلقى صنوفا من الإذلال والمهانة بسبب مماطلته في تسديد الثمانين قرشا أجر الغرفة التي يسكنها، وصور ذلك في قصيدة يقول فيها: 29

ثمانون قرشًـــا أهلكتني، كأنهـــا

ثمانون ذنبا في سجل عـــذابي

طَويتُ لها الدنيا ســـؤالاً وكُدْيـة

فمـــا ظَفرتْ نفسي بِرَدِّ جوابِ

لعنت كراء البيت، كم ذا أهنتني

وأذللت كبــري بين كل رحابِ

ألا ســكنٌ مِلكـي ولـــو بجهـــنمٍ

وأكفى من الأيام شر حسابي!!

وإذا تمكن من دفع الإيجار شهراً واحدا، فإنه يعجز عن سداده شهورا عديدة، وتجـــود عليه السنون، فيتمكن من الحصول على لحـاف يتدثــر به في ليـــالي الشتاء

الباردة أهداه إليه أحد أصدقائه؛ لكن حظه العاثر يدفع أحد اللصوص إلى سرقته، ويشعر الديب بأحزان لا تنتهي، ومضى يرثي لحافه المسروق: 30

لحافي! وهــل غير الهبــــاء لحافي؟

بـقـيــــةُ نَسْــــج دارسٍ ونِـــدافِ

أطاف بــــــه لص فقيـــــر كعيشتي

فيا بؤسها مــن هجرة ومطـــافِ

ولم أخش من ذا الرزء إلا فضيحتي

بأني قـــــد ملّكـتُ شـــــر لحافِ

فـليتك يـا لصي الجــــريء وجدتني

غنيا وســـعدي في الحياة موافي

لقد ضاع مني ذا الغطاء، فهل ترى

أدثـَّر شــعـراً ضافياً وقـوافـي؟!

وبسبب هذه الحياة البائسة لجأ الشاعر إلى الخمرة ينشد فيها السلوى والنسيان، بعد أن قوبل بالجحود والإنكار، وكان يعيش ساعات بفعل الشراب ( في مثل أطياف الجنة ) على حد قوله، وتبلغ به الجرأة والفلسفة الماجنة مبلغا يدفعه إلى القول: 31

دع الشكوى وهات الكأس نسكر
ودعك مــن الزمـــــان إذا تنكّر
وهام بي الأسى والبـــؤس حتى
كأني عبلة والبــــؤس عنــــــتر

كما دفعه هذا الواقع المرير إلى تعاطي الكوكائين بإسراف، وتعرض للسجن كثيراً بتهم مختلفة، منها التشرد والصعلكة والسكر البيّن، وشم الكوكائين، وبالرغم من ذلك، كان يرى فى السجن لذة بعيدا عن سخرية المجتمع وقسوته عليه.. ويقع فريسة الشراب الذي يدفعه لتحطيم رأسه ويفقد عقله، وينقل إلى مستشفى الأمراض العقلية.. وهناك يرى أشياء غريبة التقطها بحسه المرهف ونسجها شعراً رقيقاً طريفاً: 32

رعـــاك الله (مـارستان) مصـرٍ

فإِنـَّكِ دارُ عقـــــلٍ لا جنــون

حَوَيْتَ الصـــابرين على البلايا

ومَنْ نَزَلـوا على حكم السنين

وكم في مصر مــــن غِرٍّ غَبِيٍّ

تمتـــع بالجميـــــلِ وبالثمــين

ولو عــدلوا لأَمْسَى ( خانكيًّا )

يعــــذَّب بالشمــالِ وباليمــين

وهكذا مضت حياة الشاعر كلها بؤس وشقاء، وصوَّر صديقه الدكتور عبد الرحمن عثمان حياته بأنها كقول الله تعالى: ( موج، من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض ).

ولكن الديب في أواخر حياته وقد اقترب من الحادية والأربعين من عمره، قد تاب وآمن بقضاء الله، فقال: 33

أأكفر مــن بـــؤسي بأحكامِ خالقي

كفي بي رزقًا أنني الدهــرَ مسلم

وفي قسمةِ الأرزاقِ عــدلٌ، وإنما

هنالك ســـرٌّ في الســماءِ وطَلْسَمُ

فيا رُبُّ محرومٍ من الرزق محْلُهُ

لكل عبــــاد الله خيــــــر وأنْعُــمُ

فقراء الأدب العالمي:

ومن أعلام الأدب العالمي الأديب برنارد شو ( 1856- 1950م ) 34 الذي عرف بمرحه وحبه للحياة، ولكن حياته انقلبت رأسا على عقب عند انفصال والديه وبقائه مع والده وهذا ما اضطره – وهو في سن الثالثة عشر من عمره – للعمل ككاتب في إحدى مؤسسات تجارة الأراضي، وبعد ذلك أفلس والده في إحدى صفقاته التجارية، فسافر شو إلى لندن وانكبّ على الكتابة، لكنه لم يحظ بالشهرة؛ لأن الصحف لم تكن متحمسة لكتاباته، وظل مغمورا لمدة تسع سنوات، عاش خلالها أشد أيامه من الفقر والحاجة، واضطر إلى الاكتفاء بارتداء بزة كالحة وحذاء ممزق..

وهو كاتب مسرحي وأحد مفكري ومؤسسي الاشتراكية الفابية، كانت تشغله نظرية التطور وكان من الملحدين المتسامحين مع الأديان، يعد أحد أشهر الكتاب المسرحيين في العالم، وهو الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل في الآداب للعام 1925م وجائزة الأوسكار لأحسن سيناريو عن سيناريو "بجماليون" في عام 1938م.

عاش برنارد شو – كما أسلفت – حياة فقيرة وبائسة في فترة شبابه، وعندما أصبح غنياً لم يكن بحاجة لتلك الجائزة التي تُمنح أحياناً لمن لا يستحقها، ولأن حياته كانت في بدايتها نضالاً ضد الفقر، فقد جعل من مكافحة الفقر هدفاً رئيسياً لكل ما يكتب وكان يرى أن الفقر مصدر لكل الآثام والشرور كالسرقة والإدمان والانحراف، وأن الفقر معناه الضّعف والجهل والمرض والقمع والنفاق، وقد ظهر ذلك جلياً في مسرحيته "الميجور باربارا" التي يتناول فيها موضوع الفقر والرأسمالية ونفاق الجمعيات الخيرية.

والأديب تشارلز ديكنز ( 1813 – 1870م ) 35 الذي ضحى بأول حب فى حياته، حينما رفض الاشتغال بغير الأدب، وقالت حبيبته "ماريا بيرنل" مقولتها الشهيرة: إن ديكنز شاب لطيف لكنه أديب، فهل يستطيع أن يعولني بقلمه.
ولد تشارلز جون هوفام ديكنز في ( لاندبورت بورتسي ) في جنوب إنجلترا عام 1812م لأبوين هما: جون وإليزابيث ديكنز، وكان ثاني أخوته الثمانية، وعاش طفولة بائسة؛ لأن أباه كان يعمل في وظيفة متواضعة، ويعول أسرته الكبيرة العدد. لهذا اضطر إلى الاقتراض والدين، ولم يستطع السداد فدخل السجن، مما اضطره لترك المدرسة، وهو صغير، وألحقه أهله بعمل شاق بأجر قليل، حتى يشارك في نفقة الأسرة، وكانت تجارب هذه الطفولة التعسة ذات تأثير في نفسه، فتركت انطباعات إنسانية عميقة في حسه قد ظهرت انعكاساتها في أعماله فيما بعد.

وقد كتب تشارلز عن هذه الانطباعات والتجارب المريرة التي مر بها أثناء طفولته في العديد من قصصه ورواياته التي ألفها عن أبطال من الأطفال الصغار الذين عانوا كثيرا، وذاقوا العذاب ألوانا ً ، وعاشوا في ضياع تام، بسبب الظروف الاجتماعية الصعبة التي كانت سائدة في ( إنجلترا ) في عصره، وبالرغم من المشقة التي كان يعاني منها في طفولته إلا أنه كان يستغل أوقات فراغه من العمل الشاق، فينكب على القراءة والاطلاع على الكتب، كما كان يحرص على التجول وحيدا ً في الأحياء الفقيرة في مدينة الضباب الاصطناعي ( لندن ) حيث يعيش الناس حياة بائسة مريعة وخارجة عن القانون في بعض الأحيان.

وكان قد تأثر بالقوانين الليبرالية في عصره، فوصف بيوت العمل التي نشأت وفق قانون الفقراء الإنكليزي لسنة 1834 في روايته الشهيرة ( أوليفر توست )، وفي العديد من القصص والروايات التي كانت من إبداعاته. فقد وصف ديكنز هذه الأحياء الفقيرة بكل تفاصيلها وبكل المآسي التي تدور فيها، وعندما وصل إلى سن العشرين تمكنت الأسرة أخيرا ً من إلحاقه بأحد المدارس ليكمل تعليمه، وفي الوقت نفسه كان يعمل مراسلا ً لإحدى الجرائد المحلية الصغيرة، لقاء أجر زهيد، ولكنه لم يهتم بهذا الأجر، فتفانى في عمله الصحفي الذي أتاح له أن يتأمل أحوال الناس على مختلف مستوياتهم الاجتماعية والأخلاقية، فخرج بالعديد من التجارب الإنسانية والأخلاقية التي وسعت آفاقه ومداركه الأدبية والحياتية.

الخاتمة:

مهما طال الحديث وامتدت مجاهر الفكر إلى أعماق مأساة الفقر والفقراء في الحياة عامة، وفي حياة المفكرين والمبدعين خاصة، فإن قلمي مهما سطر من كلمات، وقريحتي مهما فاضت ينابيع إبداعها.. فلن يمطرا إلا غيضا من فيض يعجز عن الإحاطة بهذه الظاهرة العالمية الموجعة التي أرقت العيون، ومزقت الجوارح، وأحالت الحياة إلى أتون من الجحيم..
 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الخط العربي ذروة الجمال وقمة الإبداع

بقلم :حسن أبو أفاش ما زلتُ أذكر كلمات أستاذ مادة المخطوط العربي في الجامعة حين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *