الرئيسية / آراء و مواقف / تراثنا بين الأفكار الميتة والأفكار القاتلة
الدكتور نصر محمد عارف، مستشار وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، بدولة الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة

تراثنا بين الأفكار الميتة والأفكار القاتلة

بقلم :ذ. نصر محمد عارف

تراثنا هو ذاتنا وهويتنا وأساس وجودنا، به نُعرف، وبقيمه نُعَرَف، لا وجود لأمة بدون هوية، ولا هوية بدون تراث ورموز.

 لم يعرف التاريخ أمةً نهضت وكان لها حضور عالمى وهى فقيرة التراث، خالية التاريخ، ومن ليس له تراث يصنع لنفسه تراثاً أو يسرقه، مثل الأمريكان، أو يهود فلسطين، منهم من ينسب نفسه لليونان والرومان فى حالة الأمريكان، ومنهم من يسرق تراث الفراعنة والكنعانيين والبابليين مثل يهود فلسطين، وكلاهما متعطش لأن يكون له تراث وامتداد تاريخي.

التراث هو الذات والهوية، هو التاريخ الذى يصنع المستقبل، لأن الهوية هى المستقبل، فقد عرفها عبد الجُرجانى بأنها احتواء الشىء على حقيقته كاحتواء البذرة على الشجرة فى الغيب المطلق، فكل بذرة فى قلبها شجرة، ولكنها شجرة فى الغيب تتحقق فى المستقبل، فدائما الهوية هى المستقبل والتراث هو المستقبل، هو من يصنع المستقبل، من خلال تفجير الطاقات، وتشكيل الأحلام، ورفع سقف الطموحات، وتقديم النماذج والمثل العليا التى تجعل اقتحام الصعاب لذة، لأن هناك شوقا للمجد والرقي، هناك منزلة فى التاريخ يجب ألا يكون المستقبل أقل منها، لذلك فان الأمم التى نهضت فجرت طاقات شعوبها بمثل ونماذج من تراثها.

وعندما تقصرُ الهمم، وتضعف العزائم، ويسود القوم أقزامهم يتحول التراث الى عبء ثقيل، لا تقوى على حمله ظهور الأقزام والأنصاف؛ أنصاف العلماء وأنصاف المثقفين وأنصاف الرجال، حينها يكون التراث أزمة تختلف حولها الأمة وتتصارع، البعض يريد أن يُحيه ويحيا به، ولكن عزيمته وقواه الخائرة لا تقوى الا على حمل سفاسفه، وأتفه ما فيه، والبعض يؤثر التخلص منه كليةً، والذوبان فى تراث الآخرين الذين يتولون هم حمله وتفجير كوامنه وطاقاته، ويكتفى هو بالتشجيع المتعصب، ويقوم بدور الأولتراس الثقافى الغربى وهم كثيرون بيننا، موجودون منذ قرن من الزمان ويزيد.

وما بين هاتين الفئتين ضاع التراث، وضاعت هوية الأمة، فالبعض يأتى من التراث بأفكار ميتة، عفى عليها الزمن، ولم يعد هناك مجال لبعث الحياة فيها، ولا فائدة تُرجى من احيائها، والبعض يأتى للتراث بأفكار قاتلة يستوردها من تراث الآخرين؛ الذين كانت له هوية وصيرورة وتاريخ مختلف تماما عن تراثنا، مثل فكرة الثورة البروتستانتية ومحاولة اسقاطها على الاسلام، ما بين الأفكار الميتة والأفكار القاتلة ضاع تراثنا، وضاعت منا الوجهة وضللنا الطريق.

رحم الله المفكر الجزائرى مالك بن نبى الذى قدم لنا ثنائية الأفكار الميتة والأفكار المميتة، فمن خلالها نستطيع تحليل المشهد الثقافى السائد فى العالم العربى عامة، وفى مصر خاصة، فريقان يتصارعان منذ قرن من الزمان ويزيد، ولا فائدة، لم يتعلم أى منهما الدرس، بل على العكس، فالحوار يتدهور ويتدنى، لتدهور الأجيال، وتدنى الفكر، وضعف التكوين، وانتشار نزعة الانتهازية والاستعجال والسبوبة اذ تحول التراث الى تجارة رائجة لكلا التيارين، الكل يتاجر ويرتزق بنبش قبور العلماء وبيع ما تركوه.

نفس القضايا التى تحاور حولها فرح أنطون وسلامة موسى مع محمد عبده ورشيد رضا ومصطفى صبرى فى أوائل القرن العشرين، تحاور حولها اسماعيل أدهم ومحمد فريد وجدى فى ثلاثينيات القرن العشرين، ثم خالد محمد خالد ومحمد الغزالى فى منتصفه، هى نفسها التى يتصارع حولها الأطفال: تامر وهيثم واسلام و حمو الفارق الوحيد هو الانتقال من حوار العلماء وخلاف المفكرين الى حوار المراهقين وخلافات الأطفال.

تراثنا، يا سادة، أصبح رهينة لعقلية شهوانية غرائزية جاهلة، تنبش ليل نهار لبعث أكثر الأفكار مواتاً، وتلقيها فى وجه المجتمع، مشغولة دائما بقضايا الجنس والشهوة، والصراعات الغرائزية المريضة مع أهل الكتاب خصوصا المسيحيين، والجن والشعوذة، وكل ما يتصادم مع العقل، ويعيق حركة المجتمع، ويهدد العيش المشترك فيه، لا تكاد تجد واحداً منهم جاء من هذا التراث بفكرة أو قيمة تنهض بالمجتمع أو تقدم حلولا لمشاكله، أو تحقق السعادة لأهله، رغم أن ذلك هو الغالب الأعم، ولكن للأسف لان الباحثين فيه يتحركون بعقلية الديدان والصراصير، فلا يعرفون الا طريق مقالب القمامة، وهى موجودة فى كل تاريخ  تراث.

تراثنا لا نعرف منه الا 20 % على الأكثر، فهناك عشرون مليون مخطوطة، حصر مكتاباتها الباحث العراقى كوركيس عوَّاد رحمة الله عليه فى 3218 مكتبة حول العالم؛ بخلاف الخزائن الشخصية، فيها عشرون مليون مخطوطة، الكثير منها مكرر، يرى الباحثون أنها لا تتجاور مليون عنوان؛ لم يحقق منها أكثر 200 الف كتاب، ويكفى أن نعرف أن الدكتور عبدالناصر ثابت الأستاذ بكلية دار العلوم أعد رسالته عن مدارس التفسير فى القرن السابع الهجرى فحصر مائة تفسير فى قرن واحد، يعنى أن هناك تفسيرا للقرآن فى كل سنة، ويكفى أن نعرف أننى شخصيا حصرت التراث السياسى الاسلامى واكتشفت أن المعاصرين جميعا لم يطلعوا الا على 18% مما وصلت اليه، وبالتأكيد لم أصل الى كل شئ، نحن أمة يسودها الجهل والغرور، وتتصارع على هذا الجهل بقمة الغرور، ولا تعرف الا طريق مقالب القمامة فى تراث عظيم، أكتشفت كنوزه أوروبا، ونهضت عليه، ومن بعدها العالم.

وعلى الجانب الآخر هناك فريق ذاب فى تراث غيره، ورأى فيه الملجأ والملاذ، وحرر عقله ونفسه من هذا الصراع العبثي، يأتينا كل يوم بفكرة قاتلة، تدمر تراثنا وهويتنا، وتفجر مجتمعاتنا، وتغذى العنف والإرهاب فيها، فتجد هجوما على التراث بدون فهم، أو نقد علمي، أو تحليل موضوعي، أو معرفة من الأساس، فيلتقط أحدهم عبارة أو جملة فيخرجها عن سياقها الموضوعي، وعن سياقها التاريخى ويتخذها ذريعة لنسف التراث، والدعوة الى قطيعة معرفية معه، وللأسف هذا الفريق المؤدلج، الذى يرفض التراث نفسيا، قبل أن ينتقده عقليا يرى أن الخير كل الخير فى أن ننفض عن أنفسنا ذلك الحمل الثقيل، وأن نذوب فى تراث البحر المتوسط، أو أوروبا، أو العولمة، أو العقلانية الغربيةالخ كل هذه أفكار قاتلة، لأنها تضرب الهوية فى مقتل، وتشتت المجتمع، وتفجر طاقات العنف والارهاب فيه بصورة مستمرة ودائمة منذ قرن من الزمان، هؤلاء المروجون للأفكار القاتلة هم أنفسهم من يصنع الأيادى القاتلة.

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

دور الأسطورة والحكاية في تنمية مخيلة الطفل العربي وإثرائها

بقلم : عبد الرحمن عبد الخالق حتى لا يسوقنا إغراء العنوان إلى إعطاء أحكام عامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *