الرئيسية / عبق التراث / عبق التراث / “مسحراتي” تركيا.. عراقة الماضي وحداثة العصر

“مسحراتي” تركيا.. عراقة الماضي وحداثة العصر

بقلم :سامية السيد – تركيا بوست

بعد منتصف الليل وفيما بين الواحدة والثانية صباحا تسمع أصوات منتظمة تبث فيك الفرحة، إنها دقات طبول المسحراتي.

المسحراتي
إرتبط شهر رمضان المبارك بالكثير من المناسبات والعادات والتقاليد الجديدة ، من بينها: (المسحراتي) وهي وظيفة قديمة تخرج إلى الحياة مرة واحدة كل عام مع حلول شهر رمضان يطوف الشوارع لإيقاظ الناس لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، حتى أصبح المُسحّر، أو المسحراتي، معلماً من معالم رمضان الرئيسية.

فهو شخصية أثرية يُنتظر ظهورها مع انتظار هذا الشهر الفضيل وتحنناً لقدومه.

وإذا كانت تسمية “المُسحّر” مشتقة من “السحور” أي تناول وجبة في وقت “السّحر” فإنه اكتسب أيضاً بعض معاني الجذر الآخر: “سحر” بما اكتسبه من جاذبية وتأثير وجداني، وخاصة بالنسبة للأطفال والصّبية.

المسحراتي منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام
في عهد الرسول عصلى الله عليه وسلم ،  كان القوم يعرفون وقت الصلاة بأذان “بلال بن رباح”، ويعرفون الامتناع عن الطعام بأذان “عبد الله ابن أم مكتوم”؛ وفي مكة المكرمة كان “الزمزمي” ينادي من أجل السحور، وكان يتبع طريقة خاصة بحيث يرخي طرف حبل في يده يتدلى منة قنديلان كبيران حتى يرى نور القنديلين من لا يستطيع سماع ندائه من فوق المسجد.

ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية تعددت أساليب تنبيه الصائمين، حيث ابتكر المسلمون وسائل جديدة في الولايات الإسلامية من باب أن التنبيه على السحور دلالة على الخير وتعاون على البر، ومن تطوع خيرا فالله يخلفه.

الدولة العباسية 
من هنا ظهرت مهنة المسحراتي في عصر الدولة العباسية، وفي عهد الخليفة المنتصر بالله.

ويذكر المؤرخون أن المسحراتي ظهر إلى الوجود عندما لاحظ والي مصر “عتبة بن إسحاق” أن الناس لا ينتبهون إلى وقت السحور، ولا يوجد من يقوم بهذه المهمة آنذاك؛ فتطوع هو بنفسه لهذه المهمة فكان يطوف شوارع القاهرة ليلا لإيقاظ أهلها وقت السحر، وكان ذلك عام 238 هجرية، حيث كان يطوف على قدميه سيرا من مدينة العسكر إلى مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط مناديا الناس: “عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة”.

الدولة الفاطمية 
وفي عصر الدولة الفاطمية أصدر الحاكم بأمر الله الفاطمي أمرا لجنوده بأن يمروا على البيوت ويدقوا على الأبواب بهدف إيقاظ النائمين للسحور، ومع مرور الوقت تم تخصيص رجل للقيام بمهمة المسحراتي كان ينادي: “يا أهل الله قوموا تسحروا”، وقوله – قوموا على سحوركم إجا رمضان يزوركم”. ويدق على أبواب المنازل بعصا كان يحملها في يده.

وقد أخذ اخذها الاتراك هذه العادة من البلدان التي حكمتها الدولة العثمانية لعقود، لكنها تطورت في تركيا واخذت اشكال مختلفة عن مثيلتها في الدول العربية.

وتركيا تعد أحد البلدان الإسلامية التي التزمت بهذه العادة وتعتز بها ولكنها لم تنفذها فقط بل استحدثت الكثير فيها.

فالعادة كانت عبارة عن شاب عشريي يدق الطبول بقوة في شوارع المدينة ليوقظ الصائمين لوجبة السحور، ولكنها الآن اختلفت في بعض المدن التركية.

مسحراتي بفرقة موسيقية
للمرة الأولي منذ ثلاث سنوات استيقظ اهالي مدينة “بورصة” على اصوات موسيقية فلكولورية تعزفها فرقة مكونة من شباب مركز بورصة لتعليم الفولكلور، يرتدون ملابس تقليدية، يحملون آلاتهم الموسيقية من أكورديون، ودف، وطبل، ودربوكة وغيرها، ويطوفوا بها شوارع الحي لإيقاظ الأهالي للسحور.

فقد استيقظ أهالي المدينة على رؤية شباب الفرقة لموسيقية يرتدون الملابس التقليدية، وحملوا آلاتهم الموسيقية من أكورديون، ودف، وطبل، ودربوكة وغيرها، وطافوا شوارع الحي لإيقاظ الأهالي للسحور.

وشارك الأهالي شباب الفرقة الغناء على إيقاع الموسيقى، وقام بعضهم بأداء الرقصات الفولكلورية التقليدية، في حين قدمت نساء الحي الأطعمة والحلويات للفرقة، كما بادرت النساء بتقديم الأطعمة والحلويات للفرقة.

وليست مدينة بورصة واحدها، فقد تبعها بلدية مدينة تشوروم التركية التي تقوم بتدريب “المسحراتية” لإيقاظ الأهالي في رمضان على ألحان فرقة المهتار العسكرية العثمانية.

حيث اختار مسؤولو البلدية تدريب المسحراتية على لحن الأجداد “جدين ددان” الشهير لفرقة المهتار العسكرية التي تشكلت منذ القرن السابع الميلادي وكانت ملازمة للجيش العثماني في حروبه، وتعزف ألحانها بغرض تثبيت جنود الجيش وإرعاب أعدائه.

وقالت البلدية أنه بهذه الطريقة يتم الحفاظ على هذا التقليد التركي كما يتم تنظيم عمل المسحراتية وضمان استخدامهم للحن يتقبله المواطنون.

واستكمالا لتنظيم عمل “المسحراتية” في المدينة سيلتزمون جميعا بارتداء قميص أبيض والطربوش العثماني التقليدي.

لم يكن هذا الاستحداث الوحيد من نوعه في تركا فقد كان هناك استحداث آخر فاجئ الجميع وهو أن يكون المسحراتي امرأة.

فتيات وعمل المسحراتي 
قامت إحدى البلديات بمحافظة إنطاليا بتدريب خمس من الفتيات على عمل المسحراتي؛ لكي يقمن بالتجول في الشوارع في ليالي رمضان لدعوة الصائمين للسحور.

وقالت الفتيات أنهم بهذا العمل يريدون أن يثبتوا أن المرأة قادرة على المشاركة في كل الميادين، كما أنه ليس هناك أي مخاطر أمنية على تجوالنا بالليل في رمضان، ويردد الفتيات كلمات وأشعارًا مقتبسة من الأدب التركي.

 من جهة أخرى، تتجلى في شهر رمضان الأنشطة والفعاليات الخيرية والثقافية المعبرة عن التوّجه الإسلامي لتركيا.

ورغم ذلك لم تكن المرأة المسحراتية هي القاعدة العامة والمنتشرة في كل الاماكن، بل هي الاستثناء.

المسحراتي مهنه في تركيا  
والمسحراتي في تركيا ليست مهمة عشوائية يمارسها البعض طواعية، إنما هي وظيفة تشرف عليها البلديات، مثلما تشرف على موائد الرحمن، التي يطلق عليها “سفرة رمضان “، والتي تنتشر في مختلف ميادين تركيا وشوارعها. كما تتسع المهنة الآن للرجال والنساء، إذ تم الترخيص لبعض السيدات بمزاولتها.

ويتمسك كثيرون، في تركيا لاسيما في الأحياء الصغيرة، بالمسحراتي كتراث يعيدهم إلى الماضي وذكريات الطفولة.

ففي حي “أيوب”، الشهير وسط العاصمة التركية انقرة، الذي يزخر بالمساجد القديمة، يطل الناس من النوافذ خصيصا ليشاهدوا المسحراتي يجوب الشوارع الخلفية الهادئة، التي لا يقطع صمتها إلا قرع طبلته.

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

لالة خضرة الركادة

بقلم :عبد المالك المومني-المغرب كان ياما كان..في سالف العصر والأوان،كان أحد الفتيان يسمى "دحمان"،من أبناء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *