الرئيسية / نفحات إيمانية / نفحات إيمانية / جُنة الصوم وصوم الجُنة

جُنة الصوم وصوم الجُنة

رضوان بن أحمد العوضي

ترد الجُنة في اللفظ العربي بمعنى: السترة، او الوقاية. ومنه قول الحق سبحانه وتعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [المجادلة: 16] .
ولقد استخدم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ في الصوم، فقال صلى الله عليه وسلم كما عند ابن ماجة: (الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال) قال الألباني – رحمه الله – : ( صحيح ) . صحيح ابن ماجة (1/ 274).
وفي الحديث الآخر: " الصيام جنة، واذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فان أساء إليه أحد  فليقل: اني امرؤ صائم ". (صحيح) انظر حديث رقم: 4328 في صحيح الجامع.
وهذا التركيب النبوي الفذ، يلفت انتباه المرء بأسلوب عجيب! فهو يبين ان الصوم وقاية للعبد من كل ما يضره روحيا او جسديا، وهذا من كرم الله وفضله؛ اللطيف بعباده، الخبير بشؤونهم ومصالحهم. 
ويتجلى هذا الأمر بما في الصوم من إلزام النفس على ترك ما تشتهي وتحب ابتغاء رضوان الله تعالى، فهو وقاية له من غضب الله، ووقاية لجسده من المرض والشر في الدنيا ولا ريب. غير ان الحديث يبين أمرا آخر قل من يتنبه له؛ فقوله صلى الله عليه وسلم : " واذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب … الحديث "، فيه بيان ضرورة ان يكون صوم العبد سببا في منع صاحبه عن إيذاء غيره، وهذا لن يكون الا بترويض المسلم نفسه والزامها على كف الأذى عن غيره، فلا تقتصر جُنة الصوم على وقاية روحك وجسدك من الضرر وحسب، بل لابد ان يتعدى ذلك الى وقاية الآخرين؛ وذلك بكف شرك وأذاك عنهم. وهنا قال صلى الله عليه وسلم: " فان سابه أحد او قاتله فليقل : اني امرؤ صائم " ولم يقل : " فلا يسب أحدا او يقاتله " والفرق كبير ولا ريب. لما في الأول – وهو الإرشاد النبوي ( فليقل اني امرؤ صائم) – من تذكير النفس التي تأبى في غالب الأحيان الا ان تنتصر لذاتها، بأن الإمساك عن أذى الآخرين مقصد من مقاصد الصوم الهامة ، اذ لا خير في صوم عبد لم يكن ذلك بين في خلقه وتعامله مع الناس. فكما ان المنازعة والمقاتلة لا تصح مع الصوم في حال الدفاع عن النفس، فمن باب أولى ان تكون ممتنعة في حال ابتداء التعدي، فعليك ان تق غيرك من شر نفسك وشر نفسه في آن واحد. 

ولما في التوجيه النبوي – أيضا – من تذكير المعتدي بأن الجميع في عبادة لله ينبغي مراعاتها وعدم تعدي أحد على أحد حال أدائها، ليتقبلها الله من الجميع.
وقدم اللسان على القتل بالذكر؛ اما لبيان ضررها على العبد وأنها قد تكون مفتاحا لكل جريمة، وإما لبيان ان السوء والشر لا يصح من الصائم وان كان صغيرا في أعين الناس، فكيف اذا كان في أمر أعلى منه كالقتل.
فيا الله ما أعظم هذا الدين، وما أشد حرصه على حفظ حقوق الآدميين التي يتشدق المتشدقون، ويتباكى المتباكون عليها زورا وبهتانا، وديننا العظيم قد سبقهم الى ذلك سبقا لا مثيل له او نظير.
ولو تأملنا قليلا في هذا الحديث لوجدنا ان هذا المقصد السامي أمر لا بد منه، وربما كان شرطا في تحقق الوقاية الكاملة للصائم ، وذلك بوقاية الله له من غضبه وناره في الدار الآخرة، ووقاية جسده من الأمراض والأسقام وأذى المخلوقين في الدار الدنيا، فكما ان المسلم يصبر على أذى غيره حال صومه ويمتنع عن رد مثله عليه، فان الله يجازيه على ذلك بعفوه عنه ودخول جنته، كما الحق جل وعلا: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].
ولا خير في صوم عبد لم يسلم الناس من شر نفسه وشر جوارحه، في الحديث الآخر: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في ان يدع طعامه وشرابه "، لأن الوقاية الأهم لم تتحقق بعد، وهي كفايتك الناس من شرك وبطشك، ولا خير في قربة يدفع فاتورتها الخلق، فالله لا يقبل من العمل الا أطيبه وأحسنه، في الحديث الصحيح: (إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا) رواه مسلم.
لذا أبطل الإسلام عبادة الصدقة التي تُلحق المتصدق عليه منة او أذى، كما أبطل عقود المعاملات التي يترتب عليها غش الناس او الإضرار بهم، وغير ذلك من المعاملات والعبادات التي أبطلها الإسلام نظرا لتضرر العباد عند فعلها وأدائها، ومن هذا الصوم الذي يتقرب المسلم به لربه، فإن الله لا يتقبله من العبد مالم يكن بمنأى عن أذية المسلمين او الإضرار بهم.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

شهر التوبة والمغفرة .. يا باغي الخير أقبل

د/ خالد سعد النجار يشرق علينا رمضان كل عام ببركته وأنواره، وتتسارع نحونا خُطاه، وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *