يانفس توبي

الداعية: أنور إبراهيم النبراوي 

إن علامة التوفيق أن يسير العبد في الدنيا وعينه على الآخرة؛ محافظًا على دينه، مبادرًا إلى طاعة ربِّه، مغتنمًا أوقاته في معالي الأمور ليلًا ونهارًا.
قال ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَخَذَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبِى، وَقَالَ: «كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ، فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ، فَلا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ»([1]).
وفي هذا حثٌّ أكيد على الزهد في الدنيا وفي أهلها، وقلة مخالطة الناس، وأن يكون العبد كالغريب؛ لأن الغريب ليس له معارف؛ فهو قليل الأنس والانبساط إلى الناس، وهو منهم في وحشةٍ وحذرٍ؛ إلا مخالطةً تُعين على ذكر الله وما والاه، يحتسب أجرها، ويؤدي حقها، ويصبر على أذاها.
إن أعظم ما يفسد الدين، وأكثر ما يدفع إلى المعصية والتقصير في أمر الله هو حب الدنيا والتعلق بها، والإكثار من ملذاتها؛ لأن حب الدنيا يقتضي تعظيمها وهي عند الله حقيرة، ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقَّر الله.
إن الموفَّق من جعل الدنيا طريقًا للوصول إلى مرضاة الله، وسخَّرها لله والدَّار الآخرة؛ فإن الله لعنها ومقتها وأبغضها؛ إلا ما كان لله ومن أجل الله، ومن أحب ما لعنه الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة، ولمقت الله وغضبه.
 أحب الدنيا صيَّرها غايتَه، وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل إليه وإلى الدار الآخرة، وحينها يكون المرء قد عكس الأمر، وقلب الحكمة؛ فانتكس قلبه، وانعكس سيره إلى وراء.
ومن شؤم محبة الدنيا أنها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود عليه بالخير والنفع في الآخرة؛ لاشتغاله بالمحبوبات والملذات.
إن محبة الدنيا والتعلق بها تجعلها أكثر همّ العبد، كما تجعل مُحِبَّها وعاشقها أشد الناس عذاباً بها؛ حتى يصبح من أَسْفَهِ الخلق، وأقلِّهم عقلًا؛ إذ آثر الخيال على الحقيقة، والمنام على اليقظة، والظل الزائل على الظل الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية.
عن عبدالله من مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَركَهَا»([2]).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى مِنْهَا كَافِراً شَرْبَةَ مَاءٍ»([3]).
ولن تطيب الدنيا إلا لمن نظر إليها مدركا حقيقتها ؛ فإن ذلك من أعظم ما يعين على تحمّل مصائبها وشدائدها.
قال علي رضي الله عنه: «من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات».
فإن الزاهد فيها قد أبصر حقيقتها، وعلم أن المصائب ليست نهاية المطاف، بينما الغارق فيها فإنه من أجلها يحزن ويضيق، وبسببها يعصي ويظلم.
قال جندب بن عبد الله رضي الله عنه: حب الدنيا رأس كل خطيئة.
وقال الحسن رضي الله عنه: من أحب الدنيا وسرَّته؛ خرج حب الآخرة من قلبه.
وهذا فرق ما بينا وبين الأوائل، وسر علوُّهم وفلاحهم.
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما أبعدَ هديَكم من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم ! إنه كان أزهد الناس في الدنيا، وأنتم أرغب الناس فيها.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد الآخرة أضرَّ بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، يا قوم فأَضِرُّوا بالفاني للباقي.
وعنه رضي الله عنه  قال: أنتم أطولُ صلاةً وأكثرُ اجتهادًا من أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهم كانوا أفضل منكم؟ قيل له: بأي شيء؟ قال: إنهم كانوا أزهدَ في الدنيا، وأرغبَ في الآخرة منكم.
ومما يعين على الزهد في الدنيا: النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها، واضمحلالها وخِسَّتها، وكذلك النظر في الآخرة، وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات.
قال الحسن رضي الله عنه: الزهد في الدنيا يريح البدن والقلب .
ألا وإن من أعظم ما تنال به محبة الله: الزهد في الدنيا؛ لأنه لا يزهد في الدنيا حقيقةً إلا من أيقن بموعود الله وثوابه وجنته.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

حنين الجذع شوقاً إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم

زهرة الشرق / قبسات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *