الرئيسية / آراء و مواقف / الشعر المعاصر حفريات في المعنى وأهازيج الجسد: قصيدة( أكبر من أن تراني) للشاعرة التونسية( صالحة الجلاصي)

الشعر المعاصر حفريات في المعنى وأهازيج الجسد: قصيدة( أكبر من أن تراني) للشاعرة التونسية( صالحة الجلاصي)

بقلم : ذ – زينب لوت -الجزائر 


 الدكتورة زينب لوت / أستاذة في المدرسة  العليا للأساتذة  دكتوراه تخصص  نقد حديث ومعاصر

 

 

تعد القصيدة المعاصرة مرآة عصرها، وتنتج جمالياتها بعد استقراء الوجود بالتأثير على ما يهدد بقاء الإنسان في رتابة وجوده، ما يغير قناعاته ويفكك بداهته، ويمزج الكون في تسير مكوناته، ويكتنف قدرة الوقوف في الاهتزاز، لا يكتفي بالصمت أن يكتب حروفا تسير جسدا يكتم أنفاسه، فالشعر خيل جامح، لا يلبس خوذة فارس بل يتعرى في حروبه الجامحة في المعاني، يفكك المكونات الطبيعية ليصنع كينونته، وهكذا تكتب الشاعرة ( صالحة الجلاصي) مساحة رؤيتها وتهز وتر الإصرار على قطيعة المؤتلف، حفر دقيق للاختلاف، استجابة لأهازيج الجسد، وثورته ، واختلافه، و انتصاره حين يخيط نسيج الخيال ويفتق حدوده.

1 – وتر المعنى في قصيدة ( اكبر من أن تراني)العتبة ما قبل النص:

النص هو كتابة المعنى بمعية اللفظ، وتمثيل الباطن بالظاهر، واللّغة الشاعرية افتنان باللفظ الذي يلتقط هيولة الدلالات المنطوية على قاع الحياة وحركتها،فتنزوي في هالة المجاز، لكن الصورة وهي معمار الفن لا تسكن انزياح التراكيب عن عاداتها التواصلية، بل يمكنلها التشكل في خواص التعبير الحقيقي الذي يكتنز المعنى المتواري«إن كانت الصورة تقوم أساسا على العبارات المجازية فلا يعني هذا أن العبارات حقيقية الاستعمال لا تصلح للتصوير، بل نجد كثيرا من الصور الجميلة الخصبة،جاءت من استخدام عبارات حقيقية لا مجاز فيها (..) ويكفي أن نقرأ أوس بن حجر:

أيتها النفس أجملي جزعا إن الذي تحذرين قد وقعا»[i] كما تحتاج النفس الإنسانية لكل معاني التعبير المحققة لحاجة تخريج الفكرة وهندسة وجودها وتخمين المركب الجمالي.

إن القدرة على الكتابة تشفير في روح المنطق، فالفنان يرسم حاجته للاكتمال، و الشاعرة تضمحل في كنه قوتها لتصل إلى السطح العاجي وتحقق رؤيتها ، هي تحديد للتموقع أين تكون ( أكبر من أن تراني ).

 

2- تشكيل الخطاب البصري:

يتشكل الخطاب البصري حين تجتمع آليات التواصل الذهني، الفضاء الخارجي وعوامله الوظيفية ( الليل=ظلمة= نوم = راحة =سكينة) و ( القمر= ضياء = ظواهر كونية تتصل بالقمر) نجد الشاعرة ( صالحة الجلاصي) تتخذ من تغير هذه الميكانزمات خطوة لتكسير العادي، و القفز على وتر اللغة، وإضافة صور تشكيلية للمتلقي تعيد برمجة مفاهيمه وتعمق قدراته نحو هاجس الاكتشاف و المباغثة:

أكبر من أن تراني

 ليل قمري نثر اللهيب

 إلتهم البياض

ترسم الشاعرة (صالحة الجلاصي) سامفونية معاني تنتشي ذوق البعد التصويري الذي يباشر قي تحين لحظة التناهي ؛حيث يصبح البياض ملتهما والقمر عامل تأثير في الليل و تكبر في الكون آليات الانشطار عن الكائن، و البياض هي المساحة الأوسع لإسقاط حمولة الذات.

 نجومي أراها..أبكيها

 لا تراني

 أعطر أيامي بأوهامي

صارخ يأسي باقة

 في الكف أحضر عرسي

ومحورية الليل تسقط منظر النجوم في خيال الشاعرة، تستلقي بحزنها وتكابد عصير الذكريات و اختيار الشعراء لليل ،حتى تنفتح المشاعر الخافتة على نفسها، وتسترخي في رحلة الغياب عن الواقع، كما يندرج الظلام بين أفنية  

الاسترخاء والاستذكار  وإعادة النظر في الأشياء فيكون التمركز منصهرا ومتسعا لدلالات تتدفق صورة مشهدية تبرز اختلال أنظمة الوجود لأن التأمل هو نفسه إعادة ترتيب للموجودات،وتنظيم خاماتها كما يبرز ذلك  في معلقة امرئ القيس:

ولَـيْـلٍ كَـمَـوْجِ الـبَـحْـرِ أَرْخَـى سُـدُوْلَــهُ    عَــلَـيَّ بِـأَنْـوَاعِ الـهُــمُــوْمِ لِــيَــبْــتَــلِـي

فَــقُــلْــتُ لَـهُ لَـمَّـا تَـمَــطَّــى بِـصُــلْــبِـهِ      وأَرْدَفَ أَعْــجَــازاً وَنَـــاءَ بِــكَــلْـــكَــلِ

الصراع القائم في النص الشعري، جعل الشاعرة تنتج من الأيام عطرا للوهم،  وتكثف المشهد بيأس صارخ،و سرعان ما تستعيد طبيعة الانعكاس والقلب(عرسي) وكأنها تخرج من شرنقة اليأس بالقوة و الكبرياء الذي يسكنها.

 

3-المعرفة و الفن وفن المعرفة:

تتمسك(صالحة جلاصي) بمكانة التحدي وسط نوتات اللغة وتفاصيلها، وكيف تقترب من إضاءة الصورة التي تمنح متعة التَّلقِي،« إنه العالم الّذي (يبدع الوهم)والّذي نرتضي الضياع فيه بكل سرور، حين يتم ذلك فليست هناك أية فرصة لأن  نجد أونبدع شكل ذلك الكتاب، وإلى الحد الّذي نضيع نحن عنده»[i]  و هذه المقاربة في كيفية تركيب الإيهام بالدرجة المثلى لتفكيك وتركيب ماهية الأشياء تحريك سكونها:

لا تراني

 أقاوم زمني أنحته صخرة ..صخرة

حفلي

أقيمه أراقصني حلمي يلتهمني

 لا تراني

جديدك ما انفك يلسع أيامي

 و أنت ..

أنت من ذاك العميق

جئت متوجا بالخريف

 تتخيل أنك تراني ..

عمري خصلات في الريح لوحتك.

تثير متناقضات كثيرة ومكثفة: ( أقاوم أزماني انحته صخرة/حلمي يلتهمني..)تحدث ازدواجية المحسوس يالملموس(الزمن/الصخرة) تحولات ذهنية للقارئ، تجعله ينفعل بالمعنى، يتستر خلف دلالات تنحدر من التراكيب، ( حلم/ يلتهم) قوة تسير موارد الكون نحو لغة النص، وما تكتبه الشاعرة انتماء للمعرفة حين تحفز اللغة نحو الاتساق والتكامل لفهم تقنية الفن و توليف أدبيته  كما يصفها (باشلار)«تجد المعرفة بنيتها الحقيقية وتبلغ ذروتها عبر تكاملية عميقة تتحقق معادلتها مع الظاهر إذ يكشف الشيء بذاته فجأة عن اندفاعية التقنية، وبهذا تقتلع ضروب الجدل الناشط الثنائية السكونية ثنائية العقل  اللاعقل»[ii] في المعرفة الفنية لا بد من تجاوز المعقول لكن بالعقل الذي ينظم حدود تجسيم المعاني ، وتحقق التفاعل بينها وبين التلقي، فجاهزية التقاط المستوى التمثيلي يمنح قدرة الفنان على الفعل التكاملي في انسجام معادلات التخمر بين التقاء الأشياء في بنية الحقيقة الفنية الواعية. 

تلك المعادلات اللامتناهية في نحت الذاكرة لجسد النص، واكتساء السواد في بلورة مجال ( الليل) الذي تمحور في بداية النص الشعري، واكتمال صورة الأنثى التي تتحول داخل اختيارات العالم المرئي إلى اللامرئي أو ما يعادل طرفي النقيض، ويكون القارئ طرفا لتداخل بين أناقة الروح وهي تتعالى بشموخها عن الألم:

 زادها دمي أناقة أهديتني سوادي

و أنا الآن..

ين طياته أكبر أكبر من أن تراني

تكبر الأشياء في خم وجودها لتنفخ في ذمة الحياة واقع وجودها ، تنتج شاعرية المرأة حين تؤثث مكانة وجودها،تتغنى فوق الركح لتشدو بشعرها الذي يكبر بين خطوات فوق الأشياء، ويصبح السواد أناقة تصنع من الانكسار عالم التفوق على الرؤية، ومساحة تتموقع بأصالة الذات، الشاعرة ( صالحة الجلاصي) تتصاعد بالكلمات نحو الخشبة لتحيل عالم الكتابة إلى تمثيل الفعل الحركي بالحس المسرحي وفي الرابط مشاهد عن العرض:

—————————————————————————–

 

المراجع:

النص الشعري ( اكبر من أن تراني ) للشاعرة صالحة الجلاصي

[i] -عبد اللطيف زكري، وظيفة الصورة في الرواية النظرية و الممارسة، دراسة، دار الكنوز،عمان، ط/1، 2016، ص.4

[ii] – مجموعة من الأكاديميين، إشراف وتحرير: أ.د.عامر هبد العزيز الوائلي ـ أ. شريف الدين بن دومة، المعرفة الابستيمولوجية،دار النشر الجامعي الجديد، الجزائر، 2016م، ص.2

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الخط العربي ذروة الجمال وقمة الإبداع

بقلم :حسن أبو أفاش ما زلتُ أذكر كلمات أستاذ مادة المخطوط العربي في الجامعة حين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *