زغوان: قصة عشق موريسكية وحلم أندلسي لا ينتهي – زهرة الشرق
الرئيسية / عبق التراث / زغوان: قصة عشق موريسكية وحلم أندلسي لا ينتهي

زغوان: قصة عشق موريسكية وحلم أندلسي لا ينتهي

بقلم : روعة قاسم /القدس العربي 

زغوان، تلك المدينة الجبلية التي تعد من أشهر المدن في تونس، والتي اكتسبت شهرتها من مناظرها الخلابة وخضرتها وتاريخها العريق، تستقبلك معابد مياهها التي لا تزال صامدة بحجارتها وهياكلها الفريدة لتشهد علىعديد الحضارات التي تعاقبت على المدينة.

بين عطور النسري ورائحة الأشجار شيدّت هذه المعابد، لتصبح أحد أهم رموز المدينة إلى جانب الزوايا الصوفية والمساجد الشاهدة على تاريخ أندلسي عريق.
شافية السخيري ، أستاذة التاريخ وسليلة مدينة زغوان، في السبعين من عمرها، ورغم مرضها تحدثت بمزيج من اللوعة والأسى عما بقي في ذاكرتها من حكايا الموريسكيين الذين طردوا من الأندلس.

قالت أن الشوق إلى إسبانيا كان دائما يسكن قلب وروح الأجداد الذين حاولوا أن يغرسوا في الأجيال الجديدة حب الوطن الأول».

وتتابع حديثها :»طرد الموريسكيون من إسبانيا ولكن لا يزال العديد منهم متشبثون بعاداتهم وتقاليدهم وإلى الآن يجتمع كبير الأسرة عازفا المالوف الحزين ،الذي كان شاهدا على قصة التهجير وتراجيديا الموريسكيين الأوائل».

كتبت السخيري العديد  من الكتب والمؤلفات والدراسات حول تاريخ زغوان من بينها:»حومتا الحفرة وباب والي ظاهرة النمو الحضري التقليدي منذ القرن الثامن عشر»..

زغوان أو « زيكوا»

تقول محدثتنا أن أصل التسمية هو «زيكوا» وتعني الماء باللاتينية، نظرا لغناها بالثروة المائية.

وتوضح الصخيري، أن زغوان مدينة جبلية وحضرية ، عريقة تاريخيا  تعاقبت عليها الحضارات، الأمازيغ والقرطاجيين والرومان والعرب،

 كما أنها  تعد من المدن التي قاومت الاحتلال الروماني ولم ترضخ بسهولة ، وبعد أن وقعت في قبضة الرومان، تم تشييد المدينة الرومانية بتخطيط واضح شبه شطرنجي مع احترام الموقع الطوبوغرافي.

ومن المعالم التي شيدتها روما اعتزازا باستعمار المنطقة، قوس النصر الروماني الموجود في السوق الذي بني  في مكان المعركة التي دارت بين أهالي زغوان القرطاجيين وبين الرومان.

وفي الفترة الزمنية نفسها ، شيدت روما معبد المياه في الجبل الذي يعتبر منظره فريدا في المستعمرات الرومانية، شكله نصف دائري بني من أجل الاله جوبتير ومن أجل تانيت آلهة الخصب عند قرطاج ورمز الاستمرار والخصوبة.

وعرفت البلدة  الاستعمار البيزنطي حتى جاءت الحملات الإسلامية وأهمها حملة موسى بن نصير في 88 هـ.

في تلك الفترة استحضر موسى بن نصير مقرئين ومؤذنين لكي يساهموا في نشر الإسلام بين السكان من بينهم: أبو بكر بن حذيفة المدعو سيدي بو قرنين الذي شيدّ مدرسة وزاوية وسط جبل زغوان.

وكانت قبلة للمتصوفين التونسيين مثل سيدي أبو الحسن الشاذلي والسيدة المنوبية وغيرهم.

وحتى اليوم يؤمه الكثيرون ويتلون فيه الذكر والقراءات».
وتتابع محدثتنا سردها لتاريخ زغوان قائلة: «جاءت الفترة الهلالية، نسبة إلى قبائل بني هلال العربية، التي حولتها إلى منطقة بدو، فتقلص النظام الحضري. وحينما جاء الأندلسيون إلى تونس في الهجرة الأخيرة بعد طردهم التعسفي، فتح لهم عثمان داي حاكم تونس العثماني أبوابها ، فاختاروا الإقامة في زغوان بسبب ما تتمتع به طبيعتها من خضرة وخصوبة لا مثيل لها وطبيعة تشبه غرناطة وقرطبة في الخصوبة والخضرة.

فاستوطنها حوالي ألف شخص وشرعوا في بناء المدينة الزغوانية الإسلامية الموريسكية الحالية على مخلفات المدينة الرومانية واستعملوا الأعمدة للمساجد والصخور الصلبة الكبيرة في البناءات وبقي تخطيط المدينة الروماني».
وتشير السخيري إلى أنه في هذه الفترة تم فعلا تشييد مدينة إسلامية حضرية لا تزال ماثلة للعيان بمعالمها ، مثل الجامع الكبير في عام 1680 والجامع الحنفي الموجود في جبل مدينة زغوان الذي بني عام 1620 وهو الجامع الرسمي للدولة العثمانية.

ويتبع العثمانيون الوافدون على تونس المذهب الحنفي في حين يتبع عموم أهلها   وسائر بلاد المغرب المذهب المالكي ومسجدهم هو الجامع الكبير المشار إليه.

كما بنيت مساجد أخرى أصغر حجما في سوق زغوان في عام 1612 اي بعد عامين من استقرار الأندلسيين في زغوان».

وتتابع المتحدثة  قائلة: «هنا أشير إلى سيدة أندلسية تدعى مريم ابنة محمد الامام الخطيب الملقبة  بالقيسية ، بنت مسجدا بطراز معماري فريد ومئذنة على شكل قبة وهو من أقدم المساجد.

ويقال ان القيسية كانت من سيدات العصر ،تعد المجالس الأدبية والصوفية في القرن السابع عشر في بيتها».

الأندلسيون والنهضة الاقتصادية والاجتماعية

الفترة الأندلسية عرفت ـ بحسب المؤرخة التونسية ـ نهضة كبيرة جدا في زغوان من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.

فقد أدخل الأندلسيون البستنة خاصة الورد والنسري والنارنج وليست هناك دار في زغوان ليس فيها نارنج.

كما أدخل الأندلسيون طواحين الماء لطحن الحبوب في مجاري مياه زغوان. وإلى جانب ذلك فقد أتقن الوافدون من إسبانيا صباغة «الشاشية» (غطاء رأس تونسي أحمر اللون) ،و «الكريطة» عبارة عن عربة تجرها الدواب وكانت تعتبر في تلك الفترة ثورة لأنها سهلت حمل المتاع.
طوع المهندسون الأندلسيون المهرة الطبيعة والروابي من أجل بناء منازلهم. وأهم معلم في الفترة الأندلسية هو زاوية سيدي علي عزوز ، شيخ صوفي استقر في زغوان في القرن السابع عشر.

وبنى الأمير محمد باشا المرادي المعروف بالحفصي الزاوية، بينما شيد حسين بن علي التركي القبة التي دفن فيها الشيخ فيما بعد.

وقد قرأ في هذه الزاوية شيوخ أجلاء مثل أحمد الأندلسي ومنها تخرج وزير الدولة الحسينية الملقب بالإمام الزغواني».
لقد أضاف الموريسكيون إلى النظام الاجتماعي شيئا من الرونق، وتحدث أحد الرحالة الفرنسيين الذي استقروا في زغوان عن ان الفتيات الموريسكيات كن متحررات ويخرجن دون حجاب ويحضرن في حفلات القراقوز الرمضانية في المقاهي التي كانت حكرا على الرجال.

وأدخلوا العديد من التقاليد في الأطعمة مثل الفطائر وشراب النسري، الذي يقدم في الأعراس ومرقة البطاطس بالدجاج وسلاطة امك حورية وأصلها اسبانية.

ويقول المؤرخون ان الموريسكيين أدخلوا البطاطس إلى تونس وجاءت من أمريكا اللاتينية عن طريق البحارة الذين شاركوا في حملة كريستوفر كولومبوس.

مهرجان النسري

تحتفي زغوان بمهرجاناتها العديدة التي تقدس الورود وتتباهى بها، فمدينة النسري تحتفل في كل عام بتقطير زهرة النسري، إذ تخرج النساء للبساتين في شهر ايار/مايو لقطف الزهور وتقطيرها وسط احتفالات وأهازيج الفرح.
وفي منتصف الشتاء تقام حفلة ليلة الرمانة، حيث يتم اعداد طبق الملوخية وتوزيع الرمان على الصغار.

وكل عائلة كانت تعمد إلى أن تخبئ الرمان لفصل الشتاء ويتم تفريكه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .

ويقول المؤرخون الأندلسيون أن الهدف  من ذلك ، هو غمس التراث الإسلامي في وجدان الجيل الجديد.

وفي ليلة الـ 27 من رمضان من كل عام، تتمتع زغوان بطقوس خاصة، إذ تقوم النساء بتحضير الحلويات وأخذها للجامع .
تتابع السخيري حديثها بالقول :« عشت في أسرة مورسكية وكان جدي بالتبني يحكي لنا عن قصة الهجرة التي توارثها بدوره عن أجداده ليغرس فينا الحنين الأبدي بعد ان اضطرت العائلات الأندلسية إلى الهرب بسبب قانون ايزابيلا وفرديناند ، اللذين ضيقا من خلاله العيش على المسلمين وأحرقوا ديارهم وطردوهم تعسفيا وفرضوا عليهم ان لا يخرجوا معهم إلا الطعام فقط.

فابتكرت النساء طريقة لتهريب الذهب والمجوهرات من خلال الطعام ، فأعددن كعك الورقة على شكل دوائر وضعوا فيها الأساور، بينما خبأن الخواتم والأقراط في الخبز الكبير الدائري.

ويروي جدي كيف ان الرجال كانوا يعزفون المالوف الحزين في الوقت الذي تتهيأ فيه النساء للخروج من المنازل.

وإلى الآن لا تزال بعض العائلات حريصة عليه ، ويقوم كبير العائلة بعزفه  في سهرات عائلية جميلة جدا.

وأكدت السخيري أن بعض العائلات لا تزال تحتفظ إلى الآن بمفاتيح المنازل التي تركها أجدادهم في قرطبة وغرناطة، وهي مفاتيح للذاكرة الحزينة والوداع وستبقى شاهدة على عراقة الحضارة الأندلسية التي ورثتها زغوان وسائر حواضرها  في تونس والبلاد المغاربية.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

صومعة فجيج .. منشأة ألفية تشهد على العبقرية

  بقلم:إدريس هاشمي علوي*-وكالة المغرب العربي للأنباء في قلب مدينة فجيج، تنتصب الصومعة الحجرية ثمانية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *