الرئيسية / إشارات ملونة / العربية … على لسان أمي

العربية … على لسان أمي

بقلم : ذ/ جمال حدادي – المغرب

لم أشبع نوما كعادتي، رغم أني نمت مبكرا، وظبت أمي كل أدواتي في محفظتي ثم نصحتني بالنوم المبكر، نزعت تلك القصة التي كنت أتصفحها، أنا أعشق الصور، الألوان، و الأبعاد، تلك الصور التي أرى فيها أشياء جديدة، أبحث في نفسي عن أسمائها، أحب استكشاف العوالم الجديدة، كل متعتي تكمن في النظر إلى الحروف الجديدة و تكوين كلمات، و جمل منها، تلك الكلمات التي أستطيع أن أنطق بها أو أكتب بها كلما دعت الحاجة لذلك.
تناولت وجبة فطوري، لم أكن أهتم بما على المائدة من أكل أو شراب، المهم طعم السكر الذي يحلي كأس الحليب، و مذاق تلك الجبنة التي أرى في التلفاز أنها تصنع المعجزات، أتخيل و أنا آكلها أنني سأستطيع على الأقل أن أحمل محفظتي التي امتلأت بالكتب و الدفاتر، صديقي الذي يسكن بجنبنا يدرس في تلك المدرسة التي ترسل له سيارة صفراء لتأخذه للمدرسة ، يقارن دائما بين محفظتي و محفظته، محفظته تزن نصف ما تزنه محفظتي.
في طريقي إلى المدرسة، كنت أود أن تطول الطريق، لم أكن أريد أن تغادر يدي يد والدتي، تلك النعومة التي لم أستطع فهم مصدرها، هل لكثرة غسلها، أو لتلك القطرات من زيت الزيتون التي تستمتع في جعلها في باطن يدها، كانت تنظر إلي كل مرة، تبتسم في وجهي، شحنات نظراتها كانت تشبه حلاوة كأس الحليب الذي كنت أشربه في الفطور، كلما اقتربت من المدرسة وددت لو طالت الطريق أكثر.
كنت أستمتع بمقارنة تلك الكلمات التي أسمعها و أنا في الشارع ،و أحاول أن أرى إن كانت  نفسها الموجودة في الكتب التي كنا نصادفها، و كنت دائما أحاول تخيل الطريقة التي تكتب بها، كانت معلمتي تتقن الخط، فكنت أستمتع بتقليدها في الكتابة، كانت معلمتي لا تنطق بكلمة واحدة من تلك الكلمات الواردة في الشارع مما كنت أسمعه، فبدر لي سؤال ذات مرة، ترى بأية لغة سأتحدث إليها لو صادفتها في الشارع؟ ماذا لو صادفت أمي التي لم تكن تقرأ أو تكتب، و بالكاد كانت تفهم تلك اللغة التي يتحدثون بها في التلفاز، كالأخبار، الأشرطة الوثائقية، أو حتى النشرة الجوية، أمي التي كانت تدأب على أن أنظر إلى البرامج التي تجيد تلك اللغة التي لم تكن تعرف الحديث بها، طالما أخبرتني أمي عن إعجابها بمعلمتي التي تحسن تلك اللغة، لغة الكتب التي كنت أستمتع بقراءتها جهرا كي تسمعني أمي أنطق بها، و تلتمس مني قراءة القرآن جهرا بين الحين و الآخر، حتى إذا غادرنا معا للتوجه للمدرسة عادت هي إلى البيت كي تنصت لبرامج المذياع، لتجد المتعة في سؤالي  عند عودتي ،عن تلك الكلمات التي لم تكن قد فهمتها، فألجأ إلى القاموس كي أشرحها، فلما تكون قبالة التلفاز كلما سمعت كلمات شبيهة بالتي شرحتها لها، صاحت جهرا تشرح الكلمة منتشية بفرحتها بتذكر الكلمات و معانيها.
كلما عدت إلى البيت صاحت أمي في وجهي :"ماهي الكلمات التي تعلمتها اليوم؟ " … "أخبرني بها"، أخرج ورقة من جيبي ،و أنطق بها ثم أطلب منها تردادها، بدأت حينها أحفظ الكلمات و أنا أفكر في الجديد لتعليمها لأمي، فكنت أحقق متعة التعلم و التعليم، و أنا أرى أمي كل مرة تضيف إلى كلماتها المزيد، و في وقت وجيز رأيتها تبتعد رويدا رويدا عن برامج الحديث بلغة الشارع إلى برامج باللغة الجميلة، التي كنت أراها في كتابي، في التلفاز و في بعض الإذاعات، و ليس التي كنت أسمعها عند هذا و ذاك في الشارع، أو تلك التي كنت أراها مكتوبة بالعربية و هي شبيهة بما أنطق به في الشارع.
كتبت هذه تماما كما كتبت أستاذتي، بخطها الجميل، بمجرد عودتي للبيت توجهت نحو أمي، كانت تحسن الرسم، ناولتها الورقة، و طلبت منها محاكاة ما كتبت، كل يوم سآتيها بحرف، بجملة، ماذا لو علمتها معنى تلك الكلمات؟ ماذا لو علمتها أن تكتب كل مرة جملة جديدة؟
جلسنا على مائدة العشاء بعد أسابيع، قبالة التلفاز، شرع مسلسل من المسلسلات، كانت عين أمي على الشاشة بمجرد أن ظهر العنوان نطقت به دون أدنى صعوبة، نظرت إليَّ، تبسمت في وجهها، قالت :"أهكذا تقول معلمتك؟" … علمت حينها أنها أصبحت تحب العربية.

 

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

على بعد ميلمتر واحد

بقلم :أذ عبد الواحد استيتو/ المغرب يرشف كأس الشاي الساخن ببطء وينظر إلى سقف الغرفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *