الرئيسية / آراء و مواقف / شمس الــقــراءة
الأديب والإعلامي المغربي ياسين عدنان

شمس الــقــراءة

 

بقلم :ياسين عدنان -المملكة المغربية

حين تتراكم الكتب التي لم تُنْهِها بَعْدُ، أو لن تُنْهِيَها قطّ، على رفوف خزانتك أو فوق مكتبك، يصير الأمر مزعجا. وقد يُشتمُّ منه تكاسُلٌ دفين، كما قد يبدو علامة على تقصيرك في المتابعة وتقاعسك عن المواكبة ممّا يورث لديك إحساسا ثقيلا بالذنب.

ومع ذلك يبقى الامتناع عن القراءة حقا مقدّسا تكفله للقارئ المُنسحِب كل الشرائع، إذ ليس ثمة قانون سماوي ولا وضعي يفرض على المرء إتمام كتاب للنهاية، لذلك يمكن لأيّ قارئ أن يتوقّف، متى أصابَهُ الضجر، عن ملاحقة أحداث الرّواية التي يقرأها، لكن، بشرط صغير واحد هو أن يقفل فمه بعدها.

فالمشكلة مع الذين لا يستطيعون إتمام كتاب بسبب افتقادهم لعادة القراءة، وعدم صبرهم عليها، تتفاقم فقط حين يسارعون إلى استصدار الأحكام الحاسمة، بل ويبادرون الآخرين فيما بعد بانطباعات تُقلّل من قيمة العمل الأدبي، وما أكثر الحالات التي أفسد البعضُ فيها علاقتي بكتاب ما، أو أجَّلوا في الأقل ذهابي إليه. ومن حسن حظّي أني لا أوقّع شيكات على بياض لأصدقائي، ولا أعتمد انطباعاتهم مرجعا وبرهانا، سواءٌ الصنف الأول الذي أعرف عنه الذهاب إلى القراءة بمزاج عكر، أو الصنف الأغرب الذي لا يعجبه العجب، وبالتالي قلما يُزكّي عملا أدبيا جيّدا لأنه إلى “النقد” أميل، ثمّ الصنف الذي لا يستطيع أن يتقدّم في الكتاب لأزيد من عشرين صفحة، بسبب الكسل.

قبل أشهر، شرعتُ في قراءة رواية “شامة والشمس” للشاعر عبدالهادي السعيد، مراكشيّ يكتب عن الرّباط رواية تتنقّل بقارئها في تلك الرباط العصرية التي يتحرك داخلها الموظفون في الوزارات والإدارات، تقدّم صورة عن نمط عيش هؤلاء خصوصا حينما يكونون عزّابا، رواية حضريّة بامتياز، لكن في الصفحتين 29 و30 بدأت أنزعج من الحبكة.

أحسستُ كما لو أن المؤلف فقد تحكّمه في الشخوص مبدّدا صدقيّة الوقائع والأحداث، وإلّا فما معنى أن يتعرّف خالد لأول مرة إلى سامية، التي ترافقه من أجل تنظيف شقته، فإذا بالحوار ينزلق إلى مساحات يستحيل بلوغها إلاّ بين شخصين يعرفان بعضهما جيّدا، كما أنّ الألفة والجسارة اللتين تحرّكت بهما سامية داخل الغرفة لم تكنا مُستساغتين أبدا من عاملة تنظيف تلج شقة رجل أعزب لأوّل مرّة.

أزعجَتْني هذه “الاختلالات” فركنتُ الرواية في مكتبتي وانصرفتُ عنها إلى قراءات أخرى، حتى التقيتُ عبدالهادي السعيد في معرض الكتاب بباريس في مارس الماضي، هناك بادَرْتُه بتحفّظاتي، قهقه عبدالهادي طويلا ثمّ أجابني “أنا سعيد بملاحظتك، هذا يعني أنك قرأت الرواية بيقظة، لكن، عليك أن تستمرّ”، لم يكن الأمر يتعلق باختلالات إذن، فهل كان طُعْما وبلعتُه؟

مؤخّرا فقط، عدتُ إلى رواية عبدالهادي السعيد وأعدتُ قراءتها في جلسة واحدة، فالرواية التي غادَرْتُها بتسرُّع في الصفحة 30 ستكشف لقارئها ابتداءً من الصفحة 40 أن بطلها خالد الهلالي مضطرب نفسيّا، بل إنه يتلقّى حصص علاج منتظمة عند طبيب نفسي، وأن سامية هي جيهان، بل لعلّها جيهان.

حينما أنهيتُ “شامة والشمس” تأكدت من أنّ انطباعي الأول كان متسرّعا، فما أخذتُه على الكاتب في البداية من عدم تحكّم في الأحداث والشخوص هو بالضبط مصدر قوته، فعبدالهادي السعيد ظل يتلاعب بنا على امتداد الرواية.

أشياء حدثت دون أن تحدث، أو كأنّها تحدث، جرائم تتلاحقُ تباعا: التغرير بمصطفى وسرقة مسدسه، اقتحام غرفة نوم “مدام” آسية والسطو على مجوهراتها، اغتيال الحاج بعد عودته من العمرة، كلها جرائم حدثت، أو كأنّها حدثت، لستُ متأكّدا، فالكاتب مكّار مُتلاعِب، بل ويستمتع بمخاتلة قارئه في عمل سردي ممتع، فقط، كان عليّ أن أقرأ الرواية إلى النهاية.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

مي زيادة وصالونها الأدبي

بقلم :أذ .إبراهيم مشارة / الجزائر لقد وجدت دعوة الإمام محمد عبده وتلميذه قاسم أمين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *