الرئيسية / إشارات ملونة / على بعد ميلمتر واحد

على بعد ميلمتر واحد

بقلم :أذ عبد الواحد استيتو/ المغرب

يرشف كأس الشاي الساخن ببطء وينظر إلى سقف الغرفة متأملا ، الغرفة عالمُه والسقف سماؤه،  يقضي هنا كل يومه، بل ونصف ليله.

عاطلٌ ، غير يائس وغير متفائل ، يعتبر نفسه شخصا محايدا ، لقد كفّ عن التفلسف منذ مدة ، فقط يجلس ويُــفسبك، يبحر في عالم الفيسبوك ليل نهار ، يقتل الوقتَ ، يقتلــُـــه الوقت.

لديه 2111 صديق لحد الآن ، لا يعرف عُشرهم لكنهم يؤنسون وحدته.. يملؤون فراغهُ الذي فرغ من كل شيء منذ تخرّج.. هكذا، مثل بالونة شكـَــكــْـــتها بدبوس فأصبحت كجــِلد عجوز في الغابرين.

درسَ ، إجتهدَ ، تفوق أحيانا ، إجتاز الأمر بصعوبة في أحيان أخرى، ومارس هواية النقل من الآخرين أحيانا كثيرة ، في الأخير نجح في التخرج بمعجزة ما ، هو ابن بيئته ولا مفر له مما يحدث ، أحيانا يشعر أنه مجرد كرة بين أقدام لاعبين، يتقاذفونها كما يشاؤون دون أن تمتلك – هي – حيلة أو تهتديَ سبيلا.

يطلق زفرة قوية، حارّة كشهر غشت. يعيد رشف الشاي ويقرأ بضع تعليقات على ما كتب على جداره الفيسبوكي.

"محاولة فاشلة للتذاكي هل كتبت ما كتبت لأنك تؤمن به أم لأنك تريد أن تظهر لنا أنك حكيم زمانه؟"

كتبت له إحدى "صديقاته" التي لا يعرفها ،هذا التعليق على جملة كان قد كتبها في جداره، تقلصت ملامحه ، يكره هذا النوع السلبي من البشر،  آخر ما يحتاجه في هذا الوقت بالضبط هو أن ينزل أحدهم بمعنوياته إلى الحضيض. في قرارة نفسه يعرف أنها قد تكون صادقة، لكن مزاجه بعيد جدا عن قدرة المحاورة أو الرد. المسألة بسيطة جدا ويفعلها في كل مرة دون تردد. هكذا تجري الأمور في الفيسبوك.. سلسة وسريعة. اضغط زرّ "امسح" وينتهي الأمر إلى الأبد.

بشكل ما، بطريقة ما، دون سبب معقول إطلاقا.. توقفت سبابته على بعد مليمتر واحد من زر الفأرة. تردد لثانية واحدة، ثم قرر التراجع والرد عليها.

كتب في رده " حسنا.. حسنا.. أنا أعرف هذا النوع من البشر.. أنت لا تعلقين أبدا.. أنت تقبعين منتظرة مثل هذه الفرص كي تفرغي كل ضغوطك وعقدك في أحد الفيسبوكيين، ويبدو أن اليوم كان دوري في خطتك الأزلية لتصيد الضعفاء الذين يحبطون بسهولة!! يمكنك أن تكتبي ألف تعليق مثل هذا، لكن الحقيقة أنني لا أعبأ.. للأسف".

ردّت عليه. ردّ عليها. خفت حدة الحوار تدريجيا ،توادعا بأدب وبدون مودة. لم يتفقا على لقاء. لم يهتم كثيرا هو بالحديث الذي دار بينهما، لكنه شعر أنه استعاد بعض الثقة التي كان سيخسرها لو انتصرت عليه في حوارهما السريع. لم يرفع الراية البيضاء ولم يدخل في معركة من الأصل. انتهى الأمر بتوقيع معاهدة سلام غير مكتوبة معها. ابتسم ابتسامة رجل راض عن نفسه. لقد نجا من ليلة اكتئاب فيسبوكية حادّة. هكذا قال لنفسه قبل أن يقهقه بقوة ويدير ظهره لجهاز الكمبيوتر ولجدار الفيسبوك، وينظر إلى ذلك الشق في حائط جداره، ويضم الوسادة بقوة إلى رأسه كما يفعل دائما منتظرا حدوث معجزة النوم. وغدا يوم آخر.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

زهرة ذابلة

الوقت ليلا والهدوء قاتل، عندما  غفت في أحلامها الوردية ،غابت روحها في فضاء ذلك العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *