الرئيسية / آراء و مواقف / الهايكو العربي بين البنية والرؤى -الجزء الأول-
بشرى البستاني شاعرة وناقدة وصحافية عراقية

الهايكو العربي بين البنية والرؤى -الجزء الأول-

 

بقلم :بشرى البستاني / العراق 

تعد اللغة من أكثر الأدوات البنائية تداولا في الفنون كونها الأداة التواصلية التي تتصف بالتلازم مع الحياة وبتفاعل معها وديمومة، مما يجعل الفنون التي تكتب بها أكثر طواعية للتطور والاستجابة لانطلاقات جديدة تؤهلها لصنع منعطفات أدبية كلما ضاق النوع السائد بالتعبير عن توتر الحياة الجديدة ومتطلباتها ، فالبحث عن أنواع فنية متطورة تعبر عن أزمة الإنسان وعن معاناته ومشاعره في صميم الأزمات التي يعيشها أمر مشروع، بل ومطلوب أصلا . وهو في بحثه عما يخفف الأزمة يدرك أن فنَّ أيِّ  شعب من الشعوب ليس ملكا له، ولا يجب أن يكون قارا بحدود ذلك الشعب، لأن عظمة الفنون أنها لا تعيش إلا في فضاءات الحرية، وأن الإبداع لا تحده حدود ولا قيود، وأن سمته التواصل، فهو ملك الإنسانية كلها ولا سيما حين يكونُ هذا الفن بعيدا عن التعصب والتعقيد .

 لقد ظل الهايكو يترجم إلى اللغة العربية عبر لغات وسيطة كالانكليزية ، حتى صدر (كتاب الهايكو) الذي ضم ألف هايكو وهايكو عن دار التكوين بدمشق عام 2010 ، لمترجمه السوري الشاعر محمد عضيمة عن اللغة اليابانية مباشرة معتمداً مئة مرجع ومستوعباً ما يقرب من خمسة قرون بمقدمة كتبها عضيمة موضحا مسيرة هذا الفن ومراحل تطوره وابرز شعرائه، وما زاد الكتاب قيمة، إدراج النص الأصلي بلغته اليابانية مع المترجَم بوجود مؤلف آخر للكتاب هو الياباني كوتا – كاريا .

  لقد كانت شعوب العالم وما تزال تتلقف الهايكو الياباني لأسباب عدة منها البنيوية المغايرة ومنها الرؤيوية. ولما كان للفنون أهدافٌ ومقاصد إنسانية تؤشّر توجهاتها، فإن أهداف الهايكو كانت جمالية رؤيوية، وليست أيديولوجية ضيقة، وأمام الجمال تندحر الأيديولوجيا وتنهار حدودها والقيود، ولهذا كانت حركته حرة في اتجاهات عدة ولعل في اختلافه عن شروط الشعرية المتعارف عليها عربيا وغربيا ما يفسر بعض ذلك أولاً، وثانياً يكاد يجمع نقاد الهايكو – وأشك في ذلك – أنه يتسم بسهولة اشتراطاته البنيوية التي تتلخص في كون شروط كتابته لا تتسم بالعسر والتعقيد، بل تتكون بنيته من جملة شعرية تتوزع على ثلاثة أسطر ذات تشكيل موجز باقتصاده اللغوي وتحرره من ملحقات التزيين، لكنها ذات طاقة مكثفة قادرة على إطلاق دلالات عدة يتيحها تعدد القراءات وتباينها، وقد تقوم لغته على المقابلة والتوازي والمفارقات لدى مقاربتها نقدياً، وعلى اكتنازها لحظة جمالية يشتبك فيها الساكن بالمتحرك وهما يلامسان فاعلية المادة وحيويتها من خلال ملامسة الوعي الإنساني لها، وقدرتها على البث الدلالي حال تشكيل العلامة، فالعلامة تتكون من عنصرين، مادي مقروء أو منطوق مسموع، ومكون ذهني يعمل بتنبيه من الدال على تشكيل العلامة . فالهايكو مشهد يبدو ساكنا، لكنه يختزن طاقة حركية تكمن شعريتها في هذا اللبس الكامن بين الصمت الظاهر والحركية المضمرة، بين التعبير المقتصد لغويا والدلالة المطلقة ذهنيا، يقول جمال مصطفى:

الهلال الذي:

يتلامع في غابة الخيزران

مجرد منجل

 فالدال الأول اعتيادي، منظر طبيعي، إنه هلال يتلامع في غابة خيزران، لكن الدال الثاني الذي يصدم حيادية اللقطة الهلالية الأولى (منجل) يخرق لقطة الهلال الأولى ويصدمها، لكن الصدمة تعمل على تشكيل الدلالة التي قصدها الشاعر في الإشارة إلى الزيف الكامن وراء مراوغة الأشياء اللامعة وخطورتها. ومن سماته التي يؤشرها دارسوه استعمال الكلمة بدلالتها الواضحة والتعبير عن الأمور الاعتيادية  بطرائق حيادية، لكني لا أتفق مع هذا الرأي إذ لا حيادية في الأدب والفنون أبدا، ولا حيادية في الحياة عموما، فللإنسان رأي وموقف لكنَّ أسباباً كثيرة قد تقف حاجزا دون الإفصاح عنه، وليس الحياد إلا ذريعةً للصمت خوفا وخشية أو تحسبا، كما أن الكلمة الواضحة في الهايكو لا تستعمل لوضوحها، بل لأدائها دلالة أبعد من الوضوح، وهذه سمة أخرى من سماته. إن كلّ زهرة وفراشة في الهايكو، وكل حبة رمل، وكل شجرة تمثل صورة مصغرة للحياة التي نعيشها، وللعالم المعاصر الذي يمور بالوقائع. ولاهتمامه بالطبيعة وإشراقاتها، بحقولها ورياضها، أُطلق عليه شعر الربيع أو الشعر الأخضر، ولذلك رأى بعضهم أنه يقوم على الوصف، وخالفهم آخرون بأنه يمكن أن يتناول مختلف الموضوعات الشعرية لو توفرت فيها سمات هذا الفن بنيويا، فضلا عن اشتراط الهايكو الياباني أن يشتمل على سبعة عشر مقطعا صوتيا حسب الألسنية اليابانية، تتوزع على الأسطر الثلاثة بـ خمسة، سبعة، خمسة مقاطع، وهذا الشرط تجاوزه الهايكو العراقي والعربي عموما مراعاة لخصوصية اللغة العربية واختلاف تشكيل مقاطعها العروضية عن مقاطع اللغة اليابانية. لكنه التزم ببنية الأسطر الثلاثة لترسيخ الشكل الهايكوي، لما للأشكال من أهمية في الفنون حدّ تأكيد بعضهم أن الفنون أشكال.   

أما من حيث الرؤيا، فإن الهايكو الياباني كما يرى الكثير من نقاده، يقوم على مرجعية معينة ترتكز على فلسفة الزن البوذية والتي تحثُّ على التأمل والتفكر، والوقوف عند الأشياء ومفردات الطبيعة والظواهر المادية لجعلها إشارة لدلائل أكبر، إنها فلسفة الروح والحكمة والسلام التي استقت الكثير من معطياتها من فلسفات الشرق القديمة كالبوذية والكونفوشيوسية والطاوية، ويقرُّ أصحابها أنها ثقافة أرضية ناتجة عن حاجات واجتهادات إنسانية تدعو للمحبة والتسامح واحترام مظاهر الحياة والأشياء واستنطاق قدرتها على تشكيل الانسجام وسط التناقض فالزهر ينمو في صميم الشوك والماء يحتضن اليابسة والبحر يجاور الصحارى، والرياح الهائمة في الأعالي تحمل البذور التي ستضمها الأرض، إلى غير ذلك مما تحمل من تعاليم وقيم إنسانية تحثّ على الألفة وتشكيل الانسجام، وما تدعو إليه من تسامح ومحبة ووعي للذات واحترام الطبيعة التي تحتاج هي الأخرى فن الهايكو ليعيد لها اعتبارها من استغلال ثرواتها وخيرها الوفير في الشر، ومن تدميرها وإحراق كنوزها وزهورها وشجرها بالصواريخ والمتفجرات والصراع الذي يجري عليها بجنون وعنجهية، كما تؤكد على ضرورة وعي الذات من خلال تفعيل حركية ذلك الوعي  ليكون قادراً على استقبال تلك المبادئ، وعلى تفكيك النص الهايكوي الذي يتسم بالرغم من بساطته المضللة باللبس والتمنع، لتعيد تشكيل دلالاته المفتوحة على آفاق عدة بعدد قرائها وأفق توقعاتهم .

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

دور الاتصال المؤسسي في العلاقات العامة

بقلم : د / مهند العزاوي / الإمارات العربية المتحدة  يعتبر الاتصال بكافة أشكاله ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *