الرئيسية / رحيق الأدب / حب على حافة الوشم

حب على حافة الوشم

بقلم :فتحي العكرمي =تونس 

إلتقينا ذات أصيل ، أطلّ على الدّنيا بألوان متداخلة، فذهبنا نبحث عن أجوبة لأسئلة يحفل بها جَمالها وتئنّ بها روحها المسبوكة بشوك الألم .

كان جسدها منحوتا من رِقّة المنساب على الحياة ومن صلابة من تُرِك وحيدا يصارع يَمّ القَدر،شَعرها الحريريّ يغازل الرّيح ، ثغرها الورديّ يُكتّم ابتسامة توقد الفرح على تخوم الفَقد، رسَمت وشما على يدها البيضاء مثل غيمة صيف.
وأنا أتأمّل وجهها المصنوع من جمال طفوليّ والمنحوت كالقمر ،رجّتني عيناها الجميلتان الغارقتان في الحزن ، قامتها متمرّدة تحتضن شفتاها الرّقيقتان شجنا، جبينها ناصع وعلى وجنتيها بياض ثلج ولون وردة تحت ندى الفجر ، يحتضن عنقها قلادة فيها صورة الوجه المرسوم على الوشم.
لم أطق صبرا فسألتها: من هذا المنحوت على جسد مقبل على الحُسن؟
– هو من صنعت له مكانا قَصيّا في روحي ووضعته شامة عجزي وكتبته على جسدي حروف بقائي.
– هل بلغت من الوَلع ما به أضحى هذا الرّجل مبعث حزنك؟
– يأتينا العشق دون موعد ويحلّ على القلب مثل فرح يغمرنا حين المأساة ، تضحي المشاعر مزهرة نستظلّ بها من هاجرة الألم.
– لماذا أصبح عشقك حزنا تقوله عيناك الجميلتان؟
قالت بصوت فيه طفولة شَجَن: كيف نؤلّف زمانا جميلا تحت خيمة هزائمنا المتراكمة؟ بعد أن فقدت روحي توأمها؟
أخرجت صورة وضمّتها كما يحتضن الغياب عشقا متوحّشا، هو ذات الوجه المرسوم على وشمها والمعلّق على جيدها.
قالت غاضبة : لقد علّمني كيف يكون الحبّ لحنا يُجمّع في جوقته الجسد والروح والذاكرة وتركني.
– قد يكون بُعدا مؤقّتا وستنبت سعادتك من جديد.
قالت بنبرة فيها كهولة حزن: بعد أن صنعنا عِقد الحياة ورصّعناه بروحينا، أخذه الموت ذات أصيل موحش ، لقد تركني للمأساة تلوّح بي في صحراء الفجائع ، نزلت من عينيها دمعتان جرفتا ألمها الموغل في ضلوعها .
جرفت قصّة صمتها المدفون تحت ركام فجيعتها ، ظهر الفَقد الذي شقّ روحها ، قلت لها متمرّدا على الحزن: هل يترمّل العشق برحيل أحبّتنا أم أنّ الكون يسيل دوما بمن يعوّضهم؟
– هل تعرف معنى أن تلقانا الحياة نحمل فَقدا لحبيب قريب كالرّوح وبعيد كالحلم؟
– ألا يمكن لسماء الحزن أن تتلبّد بغيمة من فرح يؤنس مشاعرنا المترمّلة ؟
نظرت إليّ بمقلتين تبلّلتا بإثمد الحزن : هل يمكن للزّمان أن يعالج ذاكرتنا الملتاعة؟
– هو القَدر يجرحنا عميقا ثمّ يجرّنا إلى لعبة النّسيان فتعود الذّاكرة إلى طفولتها الأولى.
أطلّ على روحينا وميض فرحٍ ،تقارب وجهانا يتقاسمان ضحكة أطلّت من ضباب فجيعتها ،فمددت يدي للوشم أمسح عنه قطرات المطر.

 

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

رقمنة الثقافة

الكاتب : نايف عبوش الثقافة التقليدية، كما هو معروف، كانت مقتصرة على نخبة من الكتاب المحترفين، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *