الرئيسية / آراء و مواقف / جمالية الكتابة الشعرية بين الحضور و الغياب في تشكيل الخطاب دراسة تطبيقية في النص الشعري الجزائري المعاصر Le chagrin d’un angeللشاعر كوراث الجيلالي أنموذجا

جمالية الكتابة الشعرية بين الحضور و الغياب في تشكيل الخطاب دراسة تطبيقية في النص الشعري الجزائري المعاصر Le chagrin d’un angeللشاعر كوراث الجيلالي أنموذجا

بقلم  :ذ- زينب لوت -الجزائر


يكتنز النص الشعري الجزائري المعاصر خواص تشكل الحضور ، ومعنى يستحضر الغياب، و لعل ما يتسع لهذا المقام نص « Le chagrin d’un ange » للشاعر "كورات جيلالي" الذي يرسم بلغته نصه الشعري غرابة الممكن ، و تمكن السؤال لتحيين حاجة المتلقي لترقب ،و الانتظار ، والمعايشة خلف احتمالات متعددة حيث لم تعد القراءة التي تنتج مقروءا آخر ، أو تفسر ، أو تحلل القضايا خلال مزايا النص ، وشكله و بنيته، النص لوحة تترجم مسارات الكتابة ، وهندسة جمالية اللوحة وصورة المعنى المتعالق في تراكيب ينسجها خيال واعي (الصورة ليست تسجيلا فوتوغرافيا للأشياء المرئية فإننا نجد في الصورة ربطا بين عوالم الحس المختلفة ) ، عناصر لسيميائية معاصرة تلتقط  "الاتصال والتَّدرج  ،و التَّحرُّكيَّة " وتنتج محمل دلالات تسقط أثرها في رؤيا مزدوجة بين تجاذب خفي وظاهر .

عتبة النص :

يرسم العنوان عتبة تأمل ، ويترجم حركة لتجاذب بين ( المحتوى و المناص )أو ( السطح و العمق ) ( الغلاف و النص)( الواجهة و التوجه )(المخصص و المستدرج) في  الميول القرائي نحو الداخل ،  ويقتنص بالمعنونة ما يخبو في داخل المتن ، و ما يرتسم في وحي بداياته ، و يقتفي أثر  « Le chagrin d’un ange »حيث يمكن ان تمنحنا الكثير من المقاربات لتصوير شعوري ملائكي عميق ، و خفي يهمس احتفاء ذاتين معنويين خفيتين ( الملاك/الحزن ، و تثار بين مفهومين ( الملاك الحزين ) أو ( حزن الملاك ) فالجملة الاسمية باللغة الفرنسية تؤكد هوية ذاتية وتختص في  تحدد نسق من الهواجس ( الخفية /الظاهرة ) وأهمها :

تشكيل النص الفني ، هو نفسه إبداع  تركيبي ينفلت في المعنى ويستفيض في مدركاته ، ويقدر

الثنائيات التي تخلق مسعى الاختلاف والتناوب في تشفير غايات الجمال ، و تفكك داخل بؤرة

نصية ، تتقاطع وتتعايش في تقاطعها    ( هذا يعني على الأقل بأن اللغة يمكن اعتبارها علاقة

إما ان تتجه من الإنسان إلى العالم أو في الاتجاه المعاكس : وفي الحالتين فإن قطبي العلاقة

لا يكون لهما معنى إلا لأحدهما بالنسبة لآخر، فلا يوجد الواحد منهما دون الآخر)و تتسع هذه

العلاقة بالأفقية والعمودية ، والسطحية و العميقة ، والظاهرة والمتخفية الغائبة  غير أن

المعنى لا يظهر إلا في ازدواجية تناسبية تمارس أثرها وتنظم ظواهرها ، حتى تتسع القراءة

و تتعدد.

1– المصمم الخطي لجمالية الكتابة الشعري ( التنظيم الخطي و الرسم في حدود المعنى):

يعنى المصمم الخطي بطبيعة الابداع ، ويتصل بحسه وانتقاله البنيي في المعاني ، يشد الرؤية

و تتراءى المسافات ، لتمنح كل مساحة حجما للمعنى او فائضا له ، يرتبط النص بالمستقر

و لا مستقر ، بالتغييب و الحضور فهل الحضور كالغياب من حيث القراءة و التفسير ، وأين

تقع جمالية النص خلال أفق من التحميل اللفظي لقصد يكون غير ثابت بين مؤلف وقارئ،

ليس الأمر في نوعية تخطي رسم اللغوي لذات المبدع في مخياله  الفني  ، تتنوع السطور

فتمارس الكتابية هندستها :

ليس لي مغبّة السؤال ترج زرقة السماء — ليس: كلمة نفي ،لي: الأنا المبدعة المنفية

في ما يلحقها من فعل مرتبط بدلالة عمل  ،مغبة السؤال: جملة اسمية ثبات للمعنى ،

ترجُ:فعل حركي لاضطراب و اهتزاز ، زرقة السماء: ايجاز في فضاء متسع

ليس لي منك رائحة الشوق للمعنى — ليس: كلمة نفي فعل ماض ناقص ، لي :الأنا المبدعة

المنفية في ما يلحقها من فعل مرتبط بدلالة عمل، رائحة الشوق:جملة اسمية ثبات المعنى ،

للمعنى : اتساع في فضاء موجز  

     تأخذني بعيدا في المتاه — جملة  فعلية تحويل وحركة تفعيل لنفي السابق ، المتاه :

مكان لفضاء متسع يمنح فعل التمدد اللامنتهي .

 و إذا رتبنا سطور النص الشعري ننتج معنى آخر خلف هذه القياسات الرؤيوية :

ينظم النص كلماته في ارتقاء و انعكاس و انفلات ، يحضر المكان و الفضاء الممكن ، ويغيب 

الامكانات لذلك في السؤال يمزج الشاعر ضرر التواجد صلب الموجودات :مغبة السؤال_ رائحة

الشوق للمعنى، فما هو المعنى الذي يؤرق الشاعر في الوجود من خلال قراءة ما يلي :

ليس لي رجفة الليل وحيدا ، تستقريء أناملي 

فردوس الكلام 

نلامس حضورا كائنا لمجاز خلف الكلام ومراتبه عمد الشاعر ،  في انفتاح آني يفرز جوانب

استقراء  في رجفة ليل يحمل وحدته الكونية و الفكرية و الشعورية التي أضحت منفية ،

لكنه يلج في السؤال اكثر من مرة ، لاستحضار او تشبث برغبة استثنائية في قوله :

ليس لي دفء العناق تحت ضوء خافت 

يباغث برودة الأوهام 

ليس لي أن انظر للفجر يطلع ألواناً

تخلب العين موسيقى نداء 

ليس لي رفة الطير أسمعها 

إن الحضور الفعلي يتناوب في طي النص الشعري ،في محققات لم تحدث ، وامنيات لم تتضح ،

و في حالة النفي لا ينتظر و لا يتوقع حدوثها هو استلاب دائم في ذاته (ليس لي )و الغائب

هي الاسقاطات المتعددة  و المتقاربة في الدلالة النفسية ( الضوء الخافت – الأوهام – برودة

– الفجر) وهي تشتث من كل ممكن الآخر الضوء الخافت يحيل للأوهام و الفجر يتسم بالبرودة،

فالشاعر يدمج التقارب اللوني بين الحس و الذاكرة الجمالية ( فالذاكرة الجمالية المتكونة من

عوامل لا (فسيولوجية) ولا (إبستيمولوجية) ، وهي ذاكرة تتناغم مع أحداث سالفة وراهنة مكنونة

بهذا التناغم علاقة ربط فلها أن تعطي لهذا الربط طبيعته خاصة الحزينة أو السعيدة (…)و

كذلك بالنسبة إلى الشاعر و الكاتب الروائي وكل من يحاول أن يعمق ذاكرته بواقعة خلال

عمل ما فتلك الأعمال هي مقومات حفظ الذاكرة و مقومات تجلي الجميل على الدوام (…)

فالذاكرة المنعطفة نحو الجميل تكون ذلك الجزء من فلسفة الجمال التي تترجم كل تفاصيل الذاكرة

والحدث إلى معاني جميلة تسهم في تعزيز الوصف)   –ثم ينتقل لتقارب بين الحواس ووظائفها

( العين – النداء – رفة الطير – أسمعها ) ليمزج المفعم بالتجاذب ( فنحن نمتلك تميزا واضحا

بين حقائق المعنى وحقائق الأشياء )  الارتباطات الموجودة في النص  والمعنى المحدد في

الحضور : احتضار الانا في النفي / النفي وفي حدود الذات / السؤال عن الذات/ الحركة نحو

الذات 🙁تستقريء –يباغث – أنظر – تخلب- أسمعها ) وغياب آني في حدود الدلالة ، البحث

عن الوحدة الإيجابية المفعمة بالديمومة و العالم المتخيل (اللون / الموسيقى ) ( ما يستهدف

أن يدفع المتلقي إلى إعادة التأمل في واقعه من خلال رؤية شعرية )لأن كل ذات انسانية تنازع

وجودا لتوقعات لا تناسب منزلة تفكيرهم و المبدع باحث في ذاته ما ينقص ذاته ، ومتمعن في

حاجته و استقراره التأملي التي تغص في شجونه اكراهات تزج قامة النص بين السؤال( من أنا)

و النفي(ليس) و الأنا ( لي).

2– إيقاع الغياب والحضور و انفتاح القصد الجمالي (دراسة الغياب الكلي والجزئي ،والحضور
الظاهر) :  

ينصهر الايقاع في وتر يتواشج خلف هاجس المعنى ، ودافع نحو مقصدية جمالية ، والمهتم

بالتغيرات الزمنية للشعر نجد في المعاصر لونا مفارقا ، وملتويا إنه إيقاع الشكل و الصورة ،

والفهم  المدرك لنبض اللغة المتسارع في قول الشاعر :

"ليس لي موج البحر يحملني 

يجرفني 

يمزجني …."

الأفعال المتوالية (يحملني –يجرفني – يمزجني )حضور كلي للشاعر و هو يئن ارتباطا بهذا

الايقاع الذي يملك قرابة المعنى،  فالمحمول ينجرف و يمتزج في حمولة البحر .

الإيقاع بين القديم والحديث مغاير انتقالا من تعاقب صوتي إلى تعاقب معنى ، تعاقب لفظ

دال إلى تعاقب مدلول مرتبط بعمقه بفكرة وجودية ،حيث يورق بين سطورها (إيقاعًا يطرب الفهم

 لصوابه، وما يرِدعليه من حسن تركيبه واعتدال أجزائه( وتوافق التناغم بين المفردات داخل

النص لتركيز في فكرة أو شعور او رؤية تتخبط فيها آلة الكتابة و تثيرها عمقا نحو الجمل

السابقة و ارتباطها باللاحق :

يمزجني بالزبد المتلألئ 

في عيون الأوصياء:''ليس لي

فاكهة الصمت تنضج

 

 

في احتمال سقوط المطر

فاكهة الصمت : ثمرة تنتظر النضوج                       

تنضج : فعل مضارع متعلق بالزمن الآتي او المنتظر  و المترقب 

احتمال سقوط المطر : ارتباط بالمحتمل تحقيقه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

• يتم تغييب الفكرة ، وحضور المجاز في مقام تعبيري مرتبط على الدلالة المشتركة .
• ويغيب السؤال وبحضور الاحتمال المنتظر او السقوط في فقدان أبدي .
• غياب كلي في انفتاح الرؤية الكلية للآخر ( فاكهة الصمت تنضج / انزياح الرؤية نحو
الخارج مباشرة /احتمال سقوط المطر / اثبات لحضور مؤخر لفهم حقائق المعنى و تعدده
حسب استعدادات المتلقي .

أما الحضور الكلي نجده في سؤال يستحضر الذات في ( انا ):

من أنا؟ بلا جسد يعيش الندم 

من أنا ؟بلا جسد يسمي الاشياء إن شاء يبعثرها 

…..

من أنا ؟ حيث لا لمس و لا وجدان 

من أنا؟ حيث لا نأمة ابتهاج و لا هذيان .

من أنا ؟ حيث لا وزر عشق .

بدأ النص بالنفي ( ليس )وتكرر ذلك في المقاطع الأولى ثم ينتهي بإنكار الذات ( من انا ؟)

بتوطيد عملية التكرار (حين نحلل دور التكرار في الشعر يكونمنطقيا أن نتوقف بعض التوقف

عند مفهومالتوازي، فكثيرا ما يعالج هذا المفهوم عندمايكون الأمر متعلقا بفنيةالشعر)، فهو

استحضار لذات القارئة ، و تشبث بارتباطها بمركزية الأنا في الوجود ، طالما انتفت المحققات

و الموجودات عنها ، و غابت الرغبات في مأزق لا مخرج له ينتهي و يضمحل في سطر أخير،

يقول فيه :

لم يكن ليلي ليلا بلا شهد أو نوم أو فقد أو نسيان .   

تنتمي الكتابة الفنية إلى رسم الأشياء وانتقالها في منعطف نهائي يمثل ( النسيان )  

3- مساحة الغياب و الحضور في الكتابة الشعرية بين ( الفضاء المغلق والمفتوح): 

تكفل الكتابة الحديثة بالفلسفة فنية التي يمارسها الشاعر في نصه ، و تشخيص الحياة و

الموت ، الانفتاح  و الانغلاق ،الحضور و الغياب ، الصمت و الحديث ، …

وهذه الثنائيات الخطيرة .

فالكتابة لا تتصرف إلا عبر القفزات، وهو ما يجعلها خطيرة ،

إن الموت يتحول عبر الحروف ، و الكتابة ، الكتابة الحقيقية تفترض النفاذ إلى الروح من

خلال المخاطرة بالحياة  والموت في الطبيعة )  الطبيعة التي يركن فيها الفنان لغته وهودج

الروح ، ويصاحب القارئ في انصهار خيالي لا يتحقق إلا وانتقل الكلام من الغياب إلى الحضور ، ثم الحضور حتى الغياب .

و الأجزاء في الشعر المعاصر ليست أجزاء تتساوى فيها السطور بل تعمل بالتكامل الايقاعي

بين الاشياء التي تصاحب الصورة فتنبض شجونا أو فرحا أو استثناءات انسانية في جوف

المستحيل (لا شبح امرأة يطوف

….

…لا لمس لا جدران

…لا وزر عشق 

أو ذنب أو  بهتان

تطرح عملية السؤال في النص الشعري الجزائري أكثر من واجهة،وتتوجه رمزيته في منحى

الغياب ( الكلي / الجزئي ) و الحضور( الظاهر / والمتخفي )   (وتأمل كتابة شخصية يعني

بدءا استحضار النص الشعري الذي تبادلت و إياه المصاحبة في أفق نظري ) هذا الاستحضار

الذي يهيئ الرجوع بين الفضائين المغلق و المفتوح. 

4- مستويات الكتابة الشعرية و اشتغال الحضور والغياب في النص الشعري : 

ينقي النص اشتغالا ته عبر مجموعة من التَّحولات و اشتغال الحضور  والغياب (هكذا نجد

أنفسنا إزاء منطقين متداخلين ، الأول يتعلق بالتميز بين الأنظمة المختلفة لفكر الفن أي

مختلف أشكال العلاقة بين الحضور والغياب ، والمحسوس و المعقول و الإشارة و الدلالة ،

والثاني لا يعرف الفن من حيث هو كذلك إنه لا يعرف سوى أنماط مختلفة من المحاكاة ،

وأنماط مختلفة من الصور و التشابك بين هذين المنطقين المتنافرين له أثر بالغ التحديد :

إنه يحول مشكلات ضبط المسافة التمثيلية / التصوير إلى مشكلات استحالة التمثيل )،

 و التناوب بين الغياب المرتبط بالانفتاح المتجه نحو منحنيات كثيرة التصاعد ، و الحضور

في وتيرة النفي .
( ليس /لا) أما السؤال ( أين …؟) منعرج للغياب في محو حدود المعنى ، و الارجاء و

التضمين الذي يحفل بإنتاج ميول قرائي متفاعل بالتشظي الشاعري ،والأدببة تبلغ روحها في

انزياح اللغة :

 

 

الحضور

 

 

 

 

 

 

 

الغياب

 

 

 

 

 

 

 

ليس لي الجسد

 

 

 

 

 

 

 

أين الذهاب ؟

 

 

 

 

 

 

 

لبس لي مغبة السؤال 

 

 

 

 

 

 

 

أين الأنفاس المجهدة؟ 

 

 

 

 

 

 

 

ليس لي منك رائحة / ليس لي أن انظر للفجر 

 

 

 

 

 

 

 

من أنا ؟بلا جسد يعيش 

 

 

 

 

 

 

 

ليس لي رفة الطير 

 

 

 

 

 

 

 

من أنا بلا جسد يسمي 

 

 

 

 

 

 

 

ليس لي اليد

 

 

 

 

 

 

 

من أنا ؟ حيث لا لمس/ من أنا ؟حيث لا نأمة 

 

 

 

 

 

 

 

ليس لي موج

 

 

 

 

 

 

 

من أنا ؟ حيث لا وزر عشق 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الفن إبداع إنساني

بشيرخلف الفن أو الفنون (Arts) هي نتاج إبداعي إنساني ، وتعتبر لونا من الثقافة الإنسانية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *