الرئيسية / إشارات ملونة / نانا الغولة الجميلة إحتفاء بالسنة الأمازيغية ” أسڭاس إغودان أمباركي “

نانا الغولة الجميلة إحتفاء بالسنة الأمازيغية ” أسڭاس إغودان أمباركي “

بقلم الأستاذ الكبير عبد المجيد طعام / المغرب

 

في أواخر الستينات وبدايات السبعينات من القرن الماضي، بدأت الأشياء والأحداث تأخذ مكانها في ذاكرتي ،وكانت" نانا غولة " من بين الأمورالغريبة التي حاولت أن أجد لها مستقرا في ذاكرتي الصغيرة كلما اقترب " الناير" واشتد حوله الحديث بين أمي وأبي و إخوتي الكبار.
ترتيبات الاحتفال كانت تبدأ بمجرد ما يطل علينا شهر يناير، ولم نكن نهيئ الأشياء فقط،  وإنما كنا نهيئ أنفسنا لممارسة طقوس لا أعرف كيف انتقلت إلينا وكيف أصبح كل أفراد أسرتنا يحرصون على ممارستها بكل تفاصيلها؟ وأظن أننا كنا نشترك في نفس الطقوس مع باقي أفراد الزنقة الضيقة بحي بودير .


كانت طقوس الاحتفال تفرض علينا ممارسات معينة ،لم أكن أفهم معناها ولازلت لم أفهمها ، كنا نعتقد أن "نانا غولة" ستزورنا ليلة 13 من يناير وتفتح بطوننا لترى هل أكلنا " بركوكش بو سبع خضاري".
كانت أمي رحمها الله ، تحرص على تحضير بركوكش بسبع خضر متنوعة وتقدمه لنا في صحن حديدي أبيض كبير، ومن الطقوس الغريبة التي تزيد من سحر هذه الليلة ،أن كل واحد من أفراد الأسرة عليه أن يترك ملعقة مملوءة ببركوكش داخل الصحن حتى تجد نانا غولة ما تأكل فلا تلتهم بطوننا .
بركوكش بسبع خضاري كان جزء مما تحضره أمي احتفاء بهذه المناسبة ،و كانت تحضر أيضا "الگريصات " وهي خاصة بالأطفال ،كانت كل "گريصة" تزين ببيضة توضع وسطها وتشد بالعجين … عندما نأتي بالگريصات من فرن "عمي البشير" تفوح رائحتها الشهية في المنزل فنشعر نحن الصغار أن الاحتفال بالناير بدأ فعلا فنترقب زيارة "نانا غولة" في الليل بعد أن نتناول بركوكش ونتجه إلى فراشنا، حيث تلتصق أجسادنا طلبا للدفء تحت " البورابح" .
لم يكن الناير يمر بدون شراء شتى أصناف الفواكه الجافة مثل :اللوز والقسطل والبندق والجوز والفول السوداني  إضافة إلى التفاح و الماندرين ..كانت أمي تضع كل الفواكه في "الطبگ الكبير" وسط المائدة الدائرية ذات الثلاثة أرجل.
لم أكن اهتم بما كان يدور من حديث بين أمي و أبي رحمهما الله و إخوتي الكبار، غالبا ما كانوا يتحدثون عن البرد و الأكل والأخبار إلى أنهم كانوا يحرصون أن ينبهوني أنا وإخوتي الصغار بأن لا ننسى حق "نانا غولة" ، كنت أبتسم في وجوههم وعيناي تتابعان انتقال المطرقة من يد إلى أخرى .. لم تكن لدينا إلا مطرقة واحدة من نحاس كان قد صنعها في الورشة أخي الأكبر " محمد" رحمه الله ..
كان لابد أن تنتظر دورك حتى تصلك المطرقة ، وعندما كان يسعفني الحظ وأحصل عليها أنهمك في تكسير أكبر عدد من حبات الجوز والبندق إلى أن يخطفها من بين يدي أخي عبد الرحيم ليمارس حقه الطبيعي في تكسير ما حاز عليه من فواكه جافة .


في كل ليلة من ليالي الناير ، كنت أترقب زيارة "نانا غولة" لم أكن أخاف منها لأنني كنت دوما أحرص على ملء ملعقتي ببركوكش غير أنني لم أر يوما هذا الشيء الغريب، فقد كنت أستسلم للنوم بفعل الدفء .. دفء فيه كثير من الحب والفرح …
الآن كبرت تجاوزت الستين ولازالت "نانا غولة" تثري خيالي وتضيئ أحلامي … لازلت أترقب زيارتها لكنني أشعر بالكثير من الحزن ، لأنني لم أجعل هذا الفرح الطفولي الذي يغمرني ينتقل إلى بناتي فهن لم يعرفن "نانا غولة" الجميلة.

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

حبال الأماني

عطاء عجيبة هي الدنيا ..تتركنا ..نتمنى ..نأمل ..نحلق كفراشات تحلم أن تكون طيوراً تحلق في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *