الرئيسية / رحيق الأدب / شتاء باريس البرد !

شتاء باريس البرد !

 بقلم الأديب الجزائري الكبير :إبراهيم مشارة / باريس 

                                                                              

السين يجري متثاقلا كالعادة في الشتاء ومنتشيا برائحة النبيذ في الليل                                                   

حتى هو أصابه البرد ويخاف من العدوى 

الثورة الملتهبة في شوارع باريس أصحاب "السترات الصفراء" كالعادة يتظاهرون في الحي اللاتيني والشانزليزيه وشاتليه  ،يتظاهرون ضد الضرائب المفروضة عليهم ،لا يخافون يقاومون الساسة والبرد ومنطق التاريخ يريدون لي عنق التاريخ لصالحهم، لصالح الإنسان متوسط الدخل  .

ومع ذلك ففرنسا من أكثر دول العالم في التضامن الاجتماعي ، يتقاضى الوالدان بدون عمل منحة شهرية إضافة إلى المنح العائلية ،ويدفعان مبلغا رمزيا لقاء السكن إضافة إلى التغطية الصحية المجانية والتعليم شبه المجاني ، إلى الحد الذي يفضل الكثيرون البطالة والإنجاب ويفرون من العمل ،وهذا ما يسبب امتعاض الكثيرين العاملين لأنهم يدفعون لهم من راتبهم كضرائب.

معضلة كبيرة وهي في ذات الوقت وجه مشرق لفرنسا الاشتراكية في الحياة الاجتماعية الليبرالية في الاقتصاد.                                                                                  

باريس بلد الحرية و الفن والشعر والعربدة والجنون، التسول، الموضة والإضرابات.                                                

منذ اندلعت الثورة الفرنسية عام1789 وتحرير سجناء الباستيل وإعدام لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت ، وباريس كعبة الحرية والاحتجاج تصدر ذلك كله إلى العالم كما تصدر العطور والأجبان.                                                              

الأشجار عارية غير أني أحبها كما هي أحب التعري من كل زيف ومن كل رياء  ، فالتعري يكشف كل مستور، كلنا ننافق نتدثر بالكذب  بالرياء  بالأخلاق المصطنعة ونخشى التعري ،أن نظهر على حقيقتنا.

كان الشاعر اللبناني المهجري  القروي إلياس فرحات، يمارس عادة غريبة يتوجه إلى الغابة حيث كان يعيش في الأرجنتين ، وينزع ثيابه ويمشي وحيدا عاريا كما ولدته أمه في الغابة ، إحساس غريب ينتاب الإنسان وهو ينزع ثيابه ويعود إلى الطبيعة ، حتى أنا فعلتها مرة في صيف عام 2001 في غابة" فيل بانت" جربت التعري في الغابة تجربة فريدة لذيذة  عشتها.

لكن باريس هذه المرة ثائرة ولا تعرف فتورا لثورتها ،في أبريل من عام 2001،  وصلت محطة ليون في باريس بالقطار ، وفور خروجي من المحطة ،اصطدمت باحتجاج قوي للشباب ضد منافسة اليمين المتطرف لجاك شيراك المترشح لعهدة ثانية في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية ، كان شاب يحتج عاريا كما ولدته أمه في أكبر بولفار في باريس.

وفي هذه المرة، أصطدم بأصحاب السترات الصفراء  في احتجاجهم السبتي.

مازالت ذكرى جدي تطاردني وهي الجرح الباريسي ، الذي لم يندمل شجو حنون غامض ينتابني ، كلما نزلت بالدائرة السابعة في شارع شان دو مارس ،حيث مات جدي بالسكتة القلبية عام 1989 وحيدا في غرفته ، إذا اقتربت من الشارع ،إقشعر بدني وازداد نبضي وسهمت أشم رائحة جدي في كل زاوية وفي كل محل وفي كل شبر من شارع شان دو مارس،  لم أنس الحادثة منذ ثلاثين عاما ، ومنذ ذلك التاريخ والدائرة السابعة حرم مقدس وشارع شان دو مارس كعبتي أطوف بها في الأصباح والأماسي ، وفي منتصف الليالي  وكأنني ألاقي جدي أضمه أعانقه أشمه وأمشي بمعيته ويظل بيت الشريف الرضي يشيعني حين المغادرة:

وتلفتت عيني فمذ خفيت** عنها الطلول تلفت القلب                           

الموت لا يغيب عن ذاكرتي،  والرحيل  يلازمني وأهوى زيارة المقابر أتأمل قبور الراقدين في سباتهم ،وأقرأ العبارات الشعرية على قبورهم،  هذه المرة كالعادة زرت مقبرة مونمارتر ووقفت على قبر داليدا ، وفي الغد مقبرة بير لاشيز للمرة الثانية حيث جمهورية الموتى من أثرياء وفنانين وعلماء وأدباء وصعاليك وغرباء ،  شدتني عبارة مكتوبة على قبر يقول معناها "كلنا نحب تقليب صفحات الأيام على جميل الذكريات لكن أصبعنا على صفحة الرحيل".

طقوس الرحيل في بير لاشيز هذه المرة حاضرة السماء الرمادية والسحب الداكنة والأشجار العارية ،وآلاف الموتى في توابيتهم وأنا أستحضر شاعري الأثير أبي العلاء :

رُبّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مراراً

ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأضْـــــدادِ

وَدَفِينٍ عَلى بَقايا دَفِيـــــــــــــــنٍ

في طَويلِ الأزْمـــــــــــانِ وَالآباد

كثيرون يقولون  لي أنت حزين لا أنسى سوزان المتعلمة اليسارية  ، ونحن مرة نتناول فولا وطعمية في مطعم الشبراوي في خان الخليلي بالقاهرة ،  تأملت في وجهي وقالت نظرتك مطاطية  قلت: كيف؟  قالت : تتبسم قليلا لكن سرعان ما تعود إلى سهومك إلى أشجانك.

في باريس ، ظل طيف المعري والسياب وليوباردي وأونامونو يطاردني ربما لأن باريس ارتبطت عندي بذكرى رحيل جدي الفاجعة ،لم أنس مقولة أونامونو الصادمة "من يعش يتألم ويموت  وفي الصميم يموت".

نعم تبدو الأفراح دائما قشة على لجة الألم نلوذ بها من فاجعة الرحيل والذكريات صخرة ندفعها  كما ندفع الساعات والدقائق والثواني على جبل الحياة ، نزهو ببعضها ونتألم أقسى الألم من بعضها الآخر.

باريس ثائرة باريس مضطربة في شتائها البارد والماطر والعاري والسين يجري كالعادة متثاقلا لا يمل ،حتى هو بدا لي حزينا غابت عنه  عربدة رامبو وشذوذ فرلين وكحوليات أبولينير ،وافتقد شاعره الرجيم بودلير وأزاهير شره بدا لي السين مغضن الجبين  جهم المحيا ربما لأنه الشتاء .

كل يوم كالعادة ، أذرع الشوارع وحدي أو مع غيري والمقاهي والساحات العامة والمتاحف والمكتبات صار لي تاريخ في باريس ، أتردد على أماكن بعينها ولا أشبع منها ، لكنني هذه المرة حرصت على أن تكون فنية خاصة ، وخططت لزيارة متحف بيكاسو والبقاء يوما في صحبة لوحاته التكعيبية، ويوما في ضيافة يوجين دولاكروا ويوما في متحف الفن الحديث بصالات العرض بمركز  جورج بومبيدو  وبيت  الماسونية  وبيت التاريخ اليهودي،  وكالعادة لا أنسى التعريج على معهد العالم العربي أشم عبق الشرق وأتأمل آخر الإصدارات خاصة في فن السرد وقد رأيت الكثير.

لكن باريس المرأة "فتش عن المرأة "كما يقول موليير في إحدى مسرحياته ،قلت لإيطالية مازحا أمام قبر داليدا  في مقبرة مونمارتر،عندكم البندقية مدينة الحب ضحكت وقالت لا باريس مدينة الحب وصدقت .

المرأة هي سحر باريس وروحها وأقنومها ، وليس من قيبل الصدفة أن تكون باريس مدينة الموضة والعطر والشعر والفن وكلها فنون مرتبطة بالمرأة .

أكره كثيرا التسوق وغشيان المتاجر والأسواق التجارية ،وأهوى كثيرا التاريخ والماضي – دون أن أعيشه- والمتاحف والمكتبات وحتى المقابر .

الحي اللاتيني حيي المفضل ربما لأنه ارتبط عندي بالتجديد في الأدب العربي أحبه كثيرا منذ قرأت في صدر شبابي الأيام لطه حسين ، والحي اللاتيني لسهيل إدريس وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وكوكبة الأدباء الذين ترددوا على الحي اللاتيني ،هيكل وإحسان عبد القدوس وأدونيس ومالك بن نبي ومحمد مندور وعلي شريعتي  وغيرهم. ،ولا أنسى المرور بمقهى فلور مقهى سارتر المفضل والوجوديين ولي دو ماجو مقهى فرلين ورامبو في بولفار سان جرمان  ومقهى البروكوب  في الدائرة السادسة  ؛وهو أعرق مقهى باريسي يعود تاريخه إلى1686 ؛وهو المقهى الذي تردد عليه نابليون بونابرت  وفولتير وروسو ودالامبير وهيغو  وأوسكار وايلد والرئيس الامريكي توماس جيفرسون وغيرهم، وفضلت ارتشاف فنجان قهوة هناك ذات صباح حيث كنت محاصرا بمسيرة لأصحاب السترات الصفراء.

لم يؤذني شيء كما أذاني كثرة التبول إلى الحد الذي غدا فيه الأمر مزعجا ، يقطع علي خلوتي وانهماكي في تأمل اللوحات الفنية ، وقد نصحني  أحدهم بفحص لغدة البروستات لكنني امتنعت كرها للأطباء ورددت على مسامعه عابثا عبارة كامو المشهورة: "وهبنا الصحة لندمرها لا لنحافظ عليها"،  لكن هذه الحالة التي لا زمتني في باريس مردها إلى البرد وكثرة المشي، وكثيرا ما أتذكر نفس الحالة التي كانت تلازم توفيق الحكيم فيضطر إلى التبول في زاوية  الشارع  وحادثة سهيل إدريس حين دفعه  الاضطرار إلى التبول في الساحة الحمراء في قلب موسكو حيث ضريح لينين. 

 

أحب التسكع في الليل، فالليل جناح ساتر للعاشق ،للثمل، للمحزون ، للمغامر، للمقامر، لنساء الليل ورجاله على السواء أهوى كثيرا العودة في المترو بعد منتصف الليل ،تختلط الروائح ؛رائحة العطر الغالي برائحة النبيذ  والأحاديث المتثائبة  بلغات شتى ،الأجساد مكدودة من العمل أو من السهر أو من التسكع ، المتسولون في باريس لهم نكهة خاصة وهم معلم إضافي من معالمها ،المترو الباريسي رحم تحبل بالآمال والآلام بالشبق والحرمان والتخمة ثم تبدأ تتقيأ كل تلك الأشياء في المحطات المتعاقبة.

المترو رحم حبلى

بالآلام والآمال

بالمواعيد المجهضة والناجزة

بالشبق، بالعطر، بالحنين

عطر وكحول وأحاديث عابرة

وقهقهات

رحماكم سيدة من سوريا بلا مأوى

أم لهذه الرضيعة

عشرون سنتيما لو سمحتم

بلا مأوى ولا عمل ولا أهل

قطعة من خمسين تسد الرمق

يقول ذاك الثمل

حين يضيق المترو بالراكبين

تلتصق الأجساد وتختلط الروائح

مرج القلبين بينهما برزخ لا يبغيان

شبق وحرمان

وآمال وآلام

وحزن ونشوة

تلتصق الأجساد ولكن مقدمات الرجال لا تطلب مؤخرات النساء

كما عندنا في الشرق

الشرق شرق والغرب غرب

ولن يلتقيا يا كبلنج

العصر الرقمي والتواصل الافتراضي اكتسح الشرق والغرب على السواء فمقابل عشرة ركاب ثلاثة يقرأون في كتاب أو جريدة والباقي يتواصل مستعملا هاتفه المتطور.

آثار الفوضى الخلاقة تجدها هنا في باريس في المشردين والمتسولين وطالبي اللجوء من الشرق من الشام والعراق وافغانستان.

 باريس ثائرة غاضبة ملتهبة كل سبت غير أن  الثورات في أروبا تنطلق من مبدأ محدد وتنتهي إلى غاية محددة غالبا ما تصب في صالح الإنسان عكس ما يحدث عندنا لقد تحول الربيع إلى شتاء بلا مطر ولا ثلج وبلا مدفأة ولا حكايا ربيع مجهض وزمن عربي مغضن الجبين  فارغ بلا جدوى أشجار عارية وغرابيب سود  . هذا هو الزمن العربي زمن أغبر فوضى خلاقة قسمت العالم العربي إلى ملل وطوائف ونحل وأجهضت الحريات والإبداع وكرست السطحية والرداءة .

لكنني أحب باريس،أمارس طقوسي ،جنوني صرامتي، عبثي .أملأ رئتي من جنونها ومن كحولها وعطرها:

أيها الباريسيون

المتخمون بالنبيذ الفاخر  والشبق الصناعي الذي تتيحه حبات الفياجرا

فكل شيء صناعة وتجارة حتى الحميميات

أيتها الشفاه المطلية بالأحمر، أيتها السيقان المرمرية

التي لا تخاف من البرد

في شبق الشرق وحنينه الدافئ

وعقلانية الغرب وصرامته القاسية

أيها البارسيون اللامبالون بأحلامي وثرثرتي مع رفيقتي

في عربة الميترو

في شيء من عقلانية ديكارت وصوفية ابن عربي

ولي أحلام كأحلامكم

غير أني مثقل بالأغلال

أغلال التاريخ والضمير الجمعي والأخلاق الاجتماعية

لكنني  تمردت وكرست  حريتي

ولن أساومها بشي

ليس عندي ندم، ليس عندي خوف، ليس عندي دموع

 

                                            ***

طيفك لا يغادرني

قهرت جنوني وعبثي وتمردي

وحملت ذكراك  في كل طائرة وفي كل بلد

وفي كل شارع وفي كل مقهى

كل النساء لا تشبهك وأنت لا تشبهين النساء

ولأني عاشق أبدي

وشمت أمه على زنده قلبا وسيفا وحمامة

أظل أطمرالذكريات والبسمات والثرثرة الحلوة

بالترحال كأنني السندباد

شراعي الحنين ومرفئي اللقاء المحال.

المحال.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

رقمنة الثقافة

الكاتب : نايف عبوش الثقافة التقليدية، كما هو معروف، كانت مقتصرة على نخبة من الكتاب المحترفين، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *