الرئيسية / زهرة الحياة / كيف نحمي أطفالنا ؟

كيف نحمي أطفالنا ؟

د. رحيل محمد غرايبة

حماية الأطفال قضية كبيرة وفي غاية الأهمية، تستحق العناية والاهتمام وزيادة التركيز في البحث عن الوسائل والأساليب الفاعلة في إيجاد البيئة المناسبة للطفولة، والتي تسهم في إيجاد منظومة حياتية متكاملة لرعاية الطفل في حياة طبيعية خالية من العنف الجسدي واللفظي والنفسي والجنسي، عبر تعاضد مجتمعي شامل تشترك فيه الأسرة والمدرسة والروضة والحضانة والمؤسسة الإعلامية والجمعيات والهيئات المختصة على صعيد المجتمع الأهلي.


الحماية الفاعلة تتحقق من خلال إيجاد البيئة العامة المتكاملة التي تعد نتاجاً لمجموعة المسارات المتوازية التي تشكل بمجموعها مفهوم الأمن الشامل، الذي يحمي الطفل والمجتمع كله، ونحن بحماية الطفولة نحمي أنفسنا ومستقبلنا

 

ونحمي أوطاننا ومؤسساتنا، ونحمي اقتصادنا وانتاجنا القومي، ويمكن تلخيص هذه المسارات على النحو الآتي: 


– المسار التربوي : يبدأ بالأسرة، فالأسرة تشكل وحدة البناء المجتمعي الأولى التي تهدف إلى بناء الإنسان بناءً سليماً وإكسابه مجموعة المهارات الأساسية التي تجعله قادراً على فهم الحياة وشق طريقه فيها بأمان، ومواجهة مشاكلها بكفاءة وقدرة ذاتية فاعلة، من أجل أن يكون عضواً صالحاً في مجتمعه ومتفاعلاً مع محيطه بإيجابية، وقادراً على الابداع، وبناءً على هذا المفهوم العميق للأسرة يقتضي من المجتمع بذل الجهد الكافي من أجل إعداد الشباب وتهيئتهم على القيام بهذا المشروع الاجتماعي الكبير الذي يتحمل مسؤولية بناء الإنسان وإعداده بطريقة سليمة، ولذلك يجب أن يدرك الزوجان الأهمية العظمى للأسرة ودورها ومسؤوليتها في حفظ الحياة كلها من خلال حفظ الطفولة وحمايتها وحراستها ورعايتها.


ينبغي إخضاع المقبلين على الزواج مجموعة دورات تأهيلية متدرجة يشرف عليها أخصائيون مهرة، وعلماء اجتماع وتربية وأخصاء نفسيين من أجل رفع مستوى الاهتمام لديهما بالشأن الأسري وإدراك غايته الكبرى.


وإلى جانب التثقيف الأسري ينبغي العناية بالثقافة المجتمعية العامة لهذه المسألة الكبرى، من أجل الحد من مشاكل التفكك الأسري، والحد من العلاقات غير المشروعة خارج إطار الأسرة التي تؤدي إلى إيجاد أطفال فاقدين للمحضن الاجتماعي وفاقدين للدعم الأسري، مما يؤدي إلى إيجاد تشوهات نفسية لديهم، ويضعف لديهم الشعور بالانتماء للمجتمع والوطن والجماعة، ويجعلهم فريسة لأصحاب النفوس المريضة ولرجال العصابات التي تستهدف الأطفال في الاتجار بالمحرمات والعمالة الرخيصة، وتجعلهم عرضة للانتهاك والاعتداء.


– المسار التربوي الذي يبدأ بالحضانة والروضة وينتقل إلى المدرسة، يجب أن يكون معاضداً لمسار الأسرة، ويجب أن تتكامل مؤسسة الأسرة مع مؤسسة المدرسة في الرؤية والرسالة والمنهج، والمشاركة في إكمال البناء الإنساني، وهذا يتطلب من القائمين على هذا المسار تأهيل المعلمين والمربين على امتلاك مهارة بناء الإنسان، وإدراك المسؤولية العظيمة في تنشئة الطفل نفسياً وشعورياً وبدنياً وعقلياً نشأةً سوية تخلو من كل معاني الإهانة والحط من الكرامة الآدمية، وتخلو من استخدام العنف والجسدي والمعنوي، ومن المفيد إعادة تذكير وزارة التربية بضرورة الالتفات إلى الصفوف الأولى الأساسية، الذين يشكلون المحطة الأولى والمهمة في عملية الإصلاح التربوي الشاملة، ومن هنا تكون البداية الصحيحة في عملية التصحيح ومشوار الإصلاح الوطني الطويل.


– المسار الثالث يتبلور بالتشريعات التي تنظم العلاقات الاجتماعية، والقوانين التي تحمي الطفل وتهيء البيئة الصحيحة لنشأته، وتكون رادعة لكل من يستخدم العنف في عمليات التربية والتعليم في كل المستويات، ونحن بحاجة إلى منظومة تشريعية متكاملة ترعى الطفل منذ ولادته وفي حضانته وتنشئته وتعليمه وتدريسه.


– المسار الرابع ربما يتلخص بإيجاد مؤسسة رسمية خاصة برعاية الطفولة على نحو شامل، بحيث تكون مختصة بكل ما يعني الطفل من حيث التربية والتعليم والنشأة والحماية من العنف، وتأمين حصوله على حقوقه كاملة، بالإضافة إلى الالتفات إلى مسألة اللعب وتهيئة الحدائق والملاعب التي تؤمن الترفيه البريء الآمن للأطفال في كل المحافظات البعيدة والقريبة، وفي كل القرى والمناطق والأحياء الصغيرة والكبيرة، لأن اللعب يعد حقاً مهماً وأساسياً من حقوق الطفل، وليس شيئاً ثانوياً كما يعتقد كثيرون، ولذلك فإنه يغدو شيئاً مهماً على البلديات ومجالس الحكم المحلي تأمين مرافق اللعب الكافية للأطفال، والتي تؤمن رعاية مواهبهم وصقل أحاسيسهم بطريقة ممنهجة وسليمة.


بقي أن نقول في الختام أن حماية الأطفال تتم من خلال حماية منظومة القيم العليا للمجتمع، وذلك من خلال صيانتها وابعادها عن العبث الذي قد يؤدي إلى خلل اجتماعي كبير ويؤدي إلى حالة من الفوضى التي لا تحمد عقباها، ولذلك يمكن القول إن الأمن القيمي والأمن الفكري يعد أهم مسارات الأمن الشامل التي تحفظ المرجعية القيمية العليا للمجتمع، مع ضرورة المراجعة الدائمة من أجل التنقية والتصحيح ولكن ذلك يكون في الأطر العلمية المختصة والمؤهلة للقيام بهذا الدور الاجتماعي الكبير.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

فن الحوار مع الأبناء

د. عبد الرحمن الحرمي الكثير منا قد ينجح في بناء علاقات قوية ومتينة في عمله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *