الرئيسية / رحيق الأدب / عبد المجيد بن جلون في ميزان الثقافة و الأدب

عبد المجيد بن جلون في ميزان الثقافة و الأدب

رشيد شكري ( كاتب مغربي)

الأدب، في محراب الكلمة، رغبة ٌو اشتهاءٌ و إيطاءٌ لمعان… و جنونٌ. فمن الطبيعي أن تكون للأجناس الأدبية سَطوة على الفكر و الإبداع، فبقدر ما تتبلور التجربة الإبداعيَّة، بقدر ما تميل الدَّفقة الشعورية نحو جنس أدبي يلبي فسحة الاشتهاء ودهشة الكتابة. غير أن المسار الذي يقطعه الأديب، في إبداعاته، يبقى رهينا بالسَّاحة الأدبيَّة والذوق الفني ومتطلباته الرَّاهنة و المستقبلية. فمن بين أهم ما تستدعيه هذه المتطلبات هو أن يتموقف الكاتب من قضايا تشغل بال القراء والمهتمين بالشأنين؛ الأدبي والثقافي.

فعبد المجيد بن جلون من رعيل الأدباء القلائل، الذين يتقنون حرفة الأدب بوعي وبصيرة. رحل مع أسرته إلى إنجلترا، وعند عودته إلى المغرب، درس في القرويين؛ ليسافر بعد ذلك إلى مصر. وبعد حصوله على الشهادة الجامعية التحق بالصحافة، وشغل منصب رئيس تحرير جريدة العلم. بُعيد حصول المغرب على الاستقلال، عمل ابن جلون في السلك الدبلوماسي المغربي. إنها تجربة حياة و علم و سفر مكنته من أن ينوس بين مختلف الأجناس الأدبية، ومن ثم تراوح بَوحَه الإبداعي بين المقالة و القصة و الشعر والسيرة الذاتية. كان تخطـِّيه، لزمن الشعر إلى السرد، بناءا على مستلزمات تاريخية وحضارية وتراثية ؛ تستدعيها خصوصية المرحلة التي يمر منها المغرب.

في يناير من سنة ألف و تسع مئة و خمسين، نشر عبد المجيد بن جلون في مجلة"رسالة المغرب"، والتي كان يديرها يومئذ الأديب الراحل عبد الكريم غلاب، مقالا عنونه ب"محنة الشعر"، وقد أعاد نشره البلاغي المغربي عبد الجليل ناظم في كتابه"نقد الشعر في المغرب الحديث"، الصادر عن دار توبقال، ضِمْن ملحق نصوص مختارة خاصة بالكتاب المغاربة الحداثيين في مقدمتهم: عبد الله إبراهيم و محمد بلعباس القباج وعبد الله كنون، وعبد السلام العلوي و غيرهم…

إن الإعلان عن تخطي زمن الشعر و انقضائه، هو بمثابة تجاوز حضاري و تراثي للبلاد العربية، علاوة على أن هذا البَوحَ جاء على إيقاع نبض السَّاحة الأدبيَّة داخل المغرب وخارجه. ففي مقال"محنة الشعر"لم يعلن الكاتب ذلك بصراحة، وإنما قدَّم صورة واقعية لمصير الشعر في البلاد العربية، بعدما كان هذا الفنُ مجدا تليدا للعرب و أيامهم وأنسابهم. في مستهل هذا المقال يقول عبد المجيد بن جلون:"ما كاد المذيع يعلن أنه سوف يقدم برنامجا شعريا حتى امتدت يد إلى الراديو و أطفأته فساد الغرفة َهدوءٌ غامرٌ استسلمتُ فيه للتفكير في هذا الحادث البسيط. ولست أشك في أن آلافا من الأيدي قد امتدت لتطفئ آلافا من آلات الراديو في القطر كله، ولست أشك أن ملايين من هذه الأيدي تقوم بالحركة نفسها، كلما أعلن مذيع في البلاد العربية كلها أنه سوف يتلو على الناس شعرا".

فمهما كان لهذا التجني على الشعر في البلاد العربية مناصرون، فإنه يظل صورة للبطـْر والحبور، من زاوية أنه يتفاعل وَ حياة النفس الإنسانيَّة و يغبطها. وقد أعطى عبد المجيد بن جلون مثالا بوليام شكسبير حيث عكس، هذا الأخير في شعره، أكسير الحياة، وبالتالي لا يمكننا أن نصدر حكما على الشعر أ فيه خير أم فيه شر؟

وقد رأى الكاتب، في ذات المقال، أن للتقدم الصِّناعي، الذي عرفته الإنسانيَّة، أثرا في اكتشاف ثروات طبيعية، مما سهَّل ولوجَ الإنسان إلى العصر الصِّناعي، وهذا كان سببا مباشرا في تحويله من كائن، يهتم بالذوق والمشاعر، إلى كائن روبوتيكي ـ آلي. وبحسب عبد المجيد بن جلون دائما، هذا مثبط ٌ آخرُ من بين المثبطات، التي ساهمت في التجني المباشر على الدور، الذي يقوم به الشعرُ في حياة الأفراد. إن المسعى الحثيث الذي يقتفي أثره الكاتب هو: أن فن الشعر، في البلاد العربية، لم يحدث طفرة داخلية و ذاتية، بل ظل حبيس بنائه القديم، ولم يستطع أن ينفتح على الشعر الأوربي ؛ المقود نحو التغني بسَطوة الحياة المعاصرة. فما كان لهذا التجني الآخر، إلا أن يساهم بشكل مباشر في عزل الشعر و تخطيه.

 

وبناءا على ما سبق، لم يكن فكر عبد المجيد بنجلون فكرا بسيطا في متناول العامة، وإنما كان مركبا من بؤر معرفيَّة حـَمئة غير مُهادنة، ومنفتحة على تجربة الذات و تجربة الآخر.

فارتباطا بالسياق العام، أصدر الكاتب، بُعيد حصول المغرب على الاستقلال مباشرة، كتابا ذا قيمة معرفية خطيرة. سيما وأنه قد تم نشره ـ أي الكتاب ـ كاملا على صفحات جريدة العلم، فهو لم يكتف بتنزيل الشعور باستقلال المغاربة إلى أرض الواقع فحسب؛ بل يطمح، من خلاله، إلى أن يجعل من هذا الإحساس ممارسة و سلوكا، وأن يخلق منه هواءا جديدا أيضا.

ففي سنة ألف وتسعمائة و سبعة و خمسين قرر عبد المجيد بنجلون جَمْع هذه المقالات، المنشورة بجريدة العلم، في كتاب عنونه ب"مارس استقلالك". ونظرا لحساسية المرحلة التي يمر منها المغرب، جاء العنوانُ قارعا للسُّلطات الاستعمارية آنذاك. يتألف، هذا الكتاب، من مائتين و اثنتي عشْرة صفحة من الحجم الصغير، تناول فيه مختلف القضايا، التي تشغل بال شعب حديث العهد بالاستقلال. فمن بين أهم القضايا الأساسية، التي ضمَّنها ابن جلون في كتابه، نجد: قضية الشعب، والديمقراطية والأحزاب السياسية وتحرير المرأة و الحكم اللامركزي و غيرها من المقالات الحافلة بتقرير مصير الشعب المغربي الحديث بالحرية.

فإذا ما أخذنا بناصية كل نصوص"مارس استقلالك"، نجدها أنها تصب في أضمومة واحدة، متعلقة برسم خريطة طريق نحو نهوض بوطن جريح، بعد كبوة دامت أربع وأربعين سنة من هيمنة استعمارية فرنسية غاشمة. ففي مستهل مقال عنونه ابن جلون ب"الحضارة الحقيقية"، يقول:"دأبت معاهدة الحماية السابقة، بعقليتها الاستعمارية على تصوير الحضارة الانسانيّة أمامنا تصويرا مجافيا للحقيقة، وكان غرضها في ذلك معروفا… ونحن لا نريد أن تذهب الحماية دون أن تأخذ معها هذا التصوير السخيف للحضارة الانسانية". إن المعرفةَ الحقيقية، التي أقرَّها الكاتب في هذا المقال، متعلقة بموضوع لازال يؤرق مفكرين و باحثين يعيشون بين ظهرانينا، وذلك عبر ربط جسور بين مفهومي الحداثة و التحديث. فتصوير التقدم و الازدهار، حسب ابن جلون، غير مرتبط بالتحديث أي بتسويق منجازات و مفاخرَ حققها المستعمر إبَّان فرضه الحماية من قبيل: طرق ومطارات وموانئ و سكك الحديدية، التي تخترق كتلة البلاد طولا و عرضا. غير أن ركـْب الحضارة الحقيقي متوقف على مدى تحقق الحداثة المتمثلة في:

عدد المدارس ونسبة المتمدرسين، والحد الأدنى للأجور، ومستوى الدخل الفردي، وما تنتجه البلاد وما تصدره، وعدد الشعراء و الكتاب والمفكرين. وسياقيا تقاس الحداثة، أيضا، بدرجات الحرية، التي يتمتع بها الأفراد داخل منظومة من الأفكار السائدة.

يظل توظيف التحديث، من طرف المستعمر، حقا أريد به باطل، ووجها آخرَ لمقاربة تضليلية ذات صبغة فتـَّاكة و أفـَّاكة، من أجل بسط اليد على ثروات، تزخر بها بلادُ الشعوب المستضعفة لا غير. وقد أنهى عبد المجيد بن جلون مقاله بتساؤلات محرجة للرأي العام الداخلي و الخارجي، ومفتوحة في وجه الآتي من الزمن، إذ يقول:"ما فائدة الطريق المرصُوفة، إذا لم توصل إلى مدرسة؟ وما فائدة المدرسة، إذا لم تكن كاملة؟ وما فائدة كمالها، إذا لم تخرج أفذاذا؟ وما فائدة الأفذاذ، إذا لم يجدوا مجالا؟ وما فائدة المجال، إذا لم تكن هناك حرية؟". وعلى العموم، أضحت الحداثة هدفا تسعى إليه المجتمعات، انطلاقا من عواملَ مساعدة على التحديث، وذلك بفضل انفتاح التجربة الانسانيَّة على المطلق و غير المقيد.

 

وتبقى"في الطفولة"سيرة عبد المجيد بن جلون الخالدة في السَّرد ذاتي العربي. فضلا عن اختراقها غير المسبوق للأوساط الثقافية العربية، من خلال الصحافة، و المؤسسات غير الحكومية، التي تعمل على اخراجها الدائم في حلل تليق بالمكانة، التي تحتلها ضمن الكتب التي تـُعْنى بالسِّيرة الذاتية. ففي سنة ألف و تسع مائة و ثمانية و تسعين تم نشرها ضمن مشروع ضخم ؛"كتاب في جريدة". فكان بمثابة أول عمل ثقافي عربي موحد بين أيدي قراء لغة الضاد، حيث شارك فيه كبريات الصحف في الوطن العربي من أمثال: جريدة الاتحاد الاشتراكي و السفير و الراية و القدس العربي و الخليج… وغيرها من الصحف الوازنة في الساحة الثقافية العربيَّة، علاوة على أن هذا العمل وُضِّب برسومات من توقيع الفنانة التونسيَّة أسماء الخمير. و بها بلغت"في الطفولة"مدى أكثر اتساعا في الحياة الثقافية والأدبية العربيين. كما أن نشرها، لأول مرة في حلقات أسبوعية بمجلة"رسالة المغرب"، في منتصف القرن العشرين، كان له وقع على الأدب المغربي والأوساط الثقافية داخل المغرب و خارجه. فمن منا لم يفتنن بهذا المقطع، الذي تلقيناه في زمن الصبا في المرحلة الابتدائية، يقول فيه عبد المجيد بن جلون: 
"دق الجرسُ و فـُتح البابُ، وإذا بصوت وقور يقول:

ـ صباح الخير يا سيدتي، أليس عندكم طفل قد بلغ سن المدرسة، ومع ذلك ما يزال لم يلتحق بها، فهل هو مريض؟

ـ لا يا سيدي الشرطي، إنه في تمام العافية.

ـ هل والده موجود فأكلمه؟

ـ لقد خرج إلى عمله.

ـ اذن فأخبريه يا سيدتي أنه لابد من أخذه غدا في الصباح إلى إحدى المدارس المحلية، وأكدي عليه في ذلك، لأن من المحظور في هذه البلاد عدم الالتحاق بالمدرسة في مثل سنه.

ـ سأخبره بالطبع

ـ شكرا سيدتي، عِمي صباحا."

فالسيرة الذاتية محكي استرجاعي عام، حسب فليب لوجون، وبذلك فقد ضاهى بها ابن جلون"اعترافات"المفكر الفرنسي جون جاك روسو في الأدب الغربي، و"الأيام"لطه حسين في الأدب العربي.

إن عبد المجيد بن جلون ظاهرة في الثقافة المغربيَّة، من خلال ابداعاته الأدبية، التي خلفها لخزانة الأدب المغربي. على اعتباره، حسب أحمد عبد السلام البقالي، رائدا في الأجناس الأدبية الحديثة، التي أبدع فيها أهم روائع الأدب في المغرب. وكان لزاما عليه أن يسلط أضواءا كاشفة على مخزون الذاكرة و التراث، اللذين لفـَّهُما النسيان و التجاوز. وبهذا تظل الكتابة جسدا غير مهادن للمألوف، ومن طبيعته أن يستشرف مستقبلا محددا في الزمان و المكان.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

أيها المنسي

  بقلم الشاعر المغربي *محمد بنجدي* أيها المنسي  كُنْ فضاء صوفيا  اجعل حبرك عصفورا يُغَرِّدُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *