الرئيسية / إشارات ملونة / أغنية الفصول

أغنية الفصول

الكاتب التونسي /عبد الله بن يونس

ان للرّبيعِ عَرَبَةٌ سِحريّةٌ مَصْنوعةٌ من شَذَى الأزهارِ وتجُرُّها الفراشاتُ. فيَمْتَطِيها ويُحَلِّقُ في الفضاءِ مُتَنقِّلاً بيْن البساتينِ والمُروجِ والمُدُنِ والقُرى. فيَسْتَنْشِقُ الهواءَ المُنعِشَ، ويُمَتِّعُ ناظرَيْهِ بمرْأى النّاسِ بعد أن نَفضتْ عنهُمْ يداهُ الخِصْبتانِ ثِيابَ الشّتاءِ الثّقيلَةَ وغادَروا البُيوتَ والمَوَاقِدَ لِيَتجَوَّلوا في الحقول والرِّياضِ بِمَلاَبِسِهِمْ الخَفيفَةِ ذاتِ الألْوانِ المُشرِقَةِ وسِلالِهِمْ المُحَمَّلَةِ بالطّعامِ والأزهارِ.

وبينما هو يوما يُحلِّقُ فوقَ إحدَى القُرى إذْ لَمَحَ مدرسةً فاقْتربَ لِيُشَاهِدَ ملابِسَ الأطفالِ. فسمِعَهُمْ يذكُرونَ اسمَهُ. فأصاخَ بِسَمْعِهِ، فإذا التّلاميذُ يتحاوَرونَ حولَ الفصولِ الأرْبعةِ. فطار إلى إخوتِهِ الفُصولِ ودَعاهُمْ إلى مُتابَعةِ ذلك الحوارِ حتّى يعرِفَ كُلٌّ منهمْ ما يقولُهُ الأطفالُ عنهُ.

وفي لَمْحِ البصَرِ اصطفَّ الفصولُ قُرْبَ نافِذَةِ القِسمِ ومَكَثُوا يستمعون دون أن يفْطِنَ أحدٌ إلى وجودِهِمْ، وكُلُّ فصلٍ يتساءَلُ في سِرِّهِ: تُرى ماذا يقولُ الأطفالُ عنِّي؟ و هل أنا الأفضَلُ لَدَيْهِمْ؟

أمّا التّلاميذُ فقد انْقَسَمُوا إلى فريقَيْنِ، فَراحَ فريقٌ يُمَجِّدُ الرّبيعَ ويَصِفُ عُطورَهُ وأزهارَهُ، وفريقٌ أخذَ يمْتَدِحُ الصّيفَ ويذكُرُ شَواطئَهُ وأَثْمارَهُ. وأمّا الخريفُ والشّتاءُ فلم يلتفِتْ إليهما أحدٌ.

حزِنَ الفصْلانِ الْمَنْسِيانِ حُزناً شديدًا وقَرّرا المُكوثَ في منْزِلَيْهِما وراءَ النّجومِ البعيدَةِ، وقطعا على نفسَيْهِما عَهْدًا بألاَّ يَطَآ الأرْضَ مُجَدّدًا طالَما أَنَّ لا أحدَ يَذكُرُهُما.

وأمّا الرّبيعُ والصّيفُ فقدْ مَلأَهُما حديثُ الأطفالِ طَرَبًا وعُجْبًا، وراحاَ ينْسُجانِ الأحلامَ للحُصولِ على المَزيدِ من الإعجابِ. فقال الرّبيعُ:

– أنا سآخُذُ مكانَ الشّتاءِ، فأُضيفَ ثلاثةَ شهورٍ أخرى إلى شُهوري، وهكذا سيكونُ لي وقتٌ طويلٌ لأَتَفَـانَى في عملي، فتتفتَّحُ أزهاري و ينتَشِرُ أرِيجِي، وتُرَفْرِفُ أطْياري في البَرَاري والبَوَادي، والجبالِ والوِهادِ. وسأجعلُ في الحدائقِ جِنانًا، وفي الحُقولِ ألوانًا. وسأُطلِقُ ألسِنَةَ الأطفالِ لتَتغنَّى بِفَضائِلي، وعصافير الفضاء لتُغَرِّدَ في خَمائِلِي..

وقال الصّيفُ:

– وأنا سَأُضيفُ أشهُرَ الخريفِ إلى شهوري، فأَنْشُرَ شَمْسِي في كُلِّ مكانٍ، وأَجْعَلَ شواطِئِي مُتْعَةً لكلِّ إنسانٍ. وأملأَ بأثْماري الأسواقَ والدِّيارَ، وأُبْهِجَ بأفراحي الكِبارَ والصِّغارَ. ولْتَعُمَّ الفرحةُ المَدائنَ والْمُروجَ، فلا غُيُومَ ولا بُروقَ ولا ثُلوجَ..

ثمّ أكمل الرّبيعُ مَوْسِمَهُ ذاكَ ورحلَ. فجاء الصّيفُ يُمَنِّي نفْسَهُ بِطولِ الْمُقامِ، وفرحةِ الأيّامِ. فهَرَعَ النّاسُ إلى ما تَعَوَّدُوهُ من مباهجِ الصَّيْفِ. فَعَمَّتْ الأَعْرَاسُ، وامْتَلأَتْ الشَّواطئُ، ونَشِطَتْ الأسواقُ. فما إنْ انْقَضَتْ خمسَةُ أشْهُرٍ حتّى شَعرَ الصّيفُ بالنَّصَبِ والمَلَلِ، وتَحَوَّلَتْ مُتْعَةُ النّاسِ إلى وَجَلِ.فما كان من الصَّيْفِ إلا أنْ يُضاعِفَ جُهُودَهُ، حتّى لا يُبْغْضَ النّاسُ وُجودَهُ. فلمْ يُتِمَّ الشّهْرَ السّادِسَ حتّى كادَ يَلْفَظُ الأنفاسَ، من كثْرةِ الإِعْياءِ وغَضَبِ النّاسِ. فذهبَ يَجُرُّ قَدَمَيْهِ لِيُوقِظَ الرَّبيعَ من غَفْوَتِهِ، ويُخْبِرَهُ بأنَّ الوقْتَ قد حانَ لِجَوْلَتِهِ. فدَعاهُ لِيَأْخُذَ مكانَ الشِّتاءِ، وهو يُفكِّرُ في ما سَيَنْعَمُ به من راحَةٍ بعدَ ذلكَ العَنَاءِ. فما إنْ اسْتَيْقَظَ الرّبيعُ ونَظَرَ حَوْلَهُ حتّى أصابَهُ الهمُّ والغَمُّ. وأخذَ يبكِي وينتحبُ:

– يا وَيْلِي، ما كلُّ هذا القيظِ؟ وماذا سأفْعَلُ بِهذا القَحِطِ؟ لم تَنْبُتْ عُشْبَةٌ، ولا بَرْعَمَتْ شَجَرَةٌ. فَأَيْنَ ستَتَفَتَّحُ أزْهاري؟ وعَلاَمَ سَتُغَرِّدُ أَطْيَارِي؟..

وسمِعَ الصّيْفُ نحيبَ الرّبيعِ فأدْرَكَ فَداحَةَ الخطإِ الذي اِرتَكبَهُ، فانْخَرَطَ بِدَوْرِهِ في النَّشِيجِ:

– أنا أخَذْتُ مَكانَ الخَرِيفِ، فلمْ أترُكْ غَيْمَةً تعبُرُ السّماءَ، ولا تجودُ بماءٍ،ولم أُتِحْ لِشجرةٍ أن تَشْرَبَ قطْرَهْ، ولا لِفلاَّحٍ أنْ يَبْذُرَ بَذْرَهْ.. وإذا كُنْتَ يا أخي الرّبيعَ لا تَجِدُ زَهرةً لِتُفَتِّحَها، فأنا لنْ أجِدَ ثمْرَةً لأُنْضِجَها…

وانْخرطَ الإثْنانِ في بُكاءٍ وعويلٍ، وحُزْنٍ طويلٍِ. حتّى أدْرَكا أنّ الحُزْنَ لا يُجْدِي، فاتَّفَقَا على بذْلِ الجُهْدِ. وقرّرَا إقْناعَ الخَريفِ والشِّتاءِ، حتّى يَعُودا إلى عمَلِهِما، فَيَهْطُلَ المَطَرُ ويَنْبُتَ العُشْبُ ويُورِقَ الشَّجَرُ. وبَعْدَ جُهْدٍ جَهِيدٍ تَمَكَّنا من إِقْناعِ الفَصْلَيْنِ الغاضِبَيْنِ بِزِيَارَةِ الأَرْضِ. فَقَدِما مُتَثَاقِلَيْنِ مُتَرَدِّدَيْنِ. فما إنْ اقْتَرَبَا حتّى شاهَدا الجَداوِلَ بلا ماءٍ، والحُقولَ جَرْداءَ، والأشْجارَ يابِسَةً، والوُجوهَ عابِسَةً. والأَطْفَالَ يَسْعَوْنَ إلى مدارِسِهِمْ مُثْقَلِينَ بِقَيْظِ الصّيْفِ الذي طالَ، فشَوَّشَ العُقُولَ وأرْهَقَ الأَوْصالَ. فأَشْفَقا على المَخْلُوقاتِ، وأرْسَلا الغَيْماتِ. وهَطَلَتْ الأمطارُ، فاسْتَبْشَرَ الكِبارُ، وفَرِحَ الصِّغارُ. ونَفَضَ الجَميعُ الكَسَلَ والتَّثاقُلَ. ودَبَّتْ الحَياةُ في كلِّ مكانٍ.

لكنَّ الخريفَ والشّتاءَ ظَلاَّ حَزينَيْنِ، وقدْ حَزَّ في نَفْسَيْهِما أن يَكونَ لهُما كلُّ هذا الفَضْلِ دونَ أنْ يذْكُرَهُما أحدٌ. فما كان من الرّبيعِ والصّيفِ إلاّ أنْ تَسَلَّلاَ إلى تِلْكَ المدْرسَةِ، وأخْبَرا الأَطفالَ بالقِصَّةِ. وعِنْدَها فقطْ انْتَبَهَ الأطفالُ إلى قِيمَةِ الخريفِ والشّتاءِ، وأدْرَكوا أهَمِّيَةَ التَّكامُلِ بين الأحْياءِ. فَقَرّرُوا إنْصافَ المَظْلُومَيْنِ، ومُصالَحَةَ الغاضِبَيْنِ. وشَرَعُوا في تَأْلِيفَ أُغْنِيَةٍ لِجَميعِ الفُصُولِ.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

في منحف بيكاسو

بقلم الأديب الجزائري الكبير :إبراهيم مشارة / فرنسا "إن أعظم ما أردت تحقيقه ، وجدت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *