الرئيسية / رحيق الأدب / الـــشــــارد

الـــشــــارد

بقلم: أذ : مصطفى صالحي – المغرب

كانت بدهاء الأنوثة المشاغبة تجلس أمام المدفأة ،شعور يداهمها كموج عارم ،تخالها تحلق كفراشة حول حديقة النار ،ترقرقت عيناها ربما من حبور لم تحبل به أيامها الخوالي ،كان مهران يجلس إلى جنبها على مصطبة وثيرة يعتمر قبعته الروسية السوداء ،يداعب لحيته الكثة بين الحين و الآخر ،كان لقاؤهما صدفة وكأنه من عمر الدهر ، أحست ببرودة رغم دفء المكان ،تحسست يده وشرعت في تطعيم النار بالحطب.

نظر في شرود إلى ألسنة النار تلتهم الحطب داخل بحبوحة المدفأة ، كانت دينا وسلوة قد خرجتا بحثا عن علبة عود الثقاب ، عود الثقاب ؟،عبارة إسترعت إنتباهه كلغز غامض لا يمتلك مفاتيحه إلا هن الثلاث ،وخصوصا أن الزمن زمن القداحات والولاعات ولم تبق من علب عود الثقاب ولو ذكرى على رفوف النسيان في أقدم وأعتق الدكاكين والمحلات ،بل وحتى هذه التسمية قد إختفت منذ زمن من قواميس النار .

كان ذاك المساء باردا ،في الخارج بساط أبيض من الثلج ،نحتت عليه أقدام الزوار والمارة أثرا،سألت إحداهن عن زهر الدين ،رجل نحيف ذو شارب رقيق مقوس وأسنان صدئة نخرها الكيف والدخان ، إلتقوا معه على قارعة الطريق إبان بحثهم عن محل للكراء ، وجد معهم أنسه ،أظهروا له ودهم ودعوه للعشاء . تذرع زهر الدين بالخروج للبحث عن الفاكهة ظنا منه أنه سيخلي سبيلهما ويترك لهما الجو أكثر خلوة وأشد دفئا، نظرت إليه بعيونها الدامعة ،إغتصب مهران إبتسامة غبية لمحت بوضوح لتفاهة زهر الدين وسخافة نهجه ، مهران لا يبغي الفضول ولا التطفل ،ومبادرة الأنثى في كل الأمور بالنسبة إليه قمة الوعي بالذات ، كان جد هادئ تلك الليلة كبحر في ليلة صيفية مقمرة ، المكان المؤثث بغير الشخوص تافه رتيب ،ليلة من عمر الدهر بلا موعد ولا ترتيب ، تذكر قصيدة "لا شيء يعجبني" لمحمود درويش .

كانت وداد مرحة ،تخالها كالواثبة على جمر الهوى وهي تتنقل بحركاتها الرشيقة في أرجاء البيت ،تارة نحو الشرفة وتارة تفتح النوافذ لتطرد الدخان المنبعث من المدفأة ،حساسية وداد مفرطة ،ظهر له ذلك غير ما مرة في عيونها التي تنبجس بالدمع ، همه الحفاظ على الذكرى الجميلة ،مع الذكرى لا حاجة في الجنس ولا في أي شيء من هذا القبيل ،للصداقة معنى ،وللحب معنى ، وللسرير معنى وليست كل الأسرة تخفي نفس المعنى ،للمكان ذكرى ،للزمان ذكرى وللشخوص ذكرى ، ماهية الإنسان ذكرى ورحيل الإنسان ذكرى ،وجود الإنسان ذكرى ،والدغمائي أنى له الذكرى ،وذكرى القلوب حب لا يقاس.

سافر بفكره في سجل الذكرى ،تذكر يانا الفتاة الشقراء الممشوقة التي يفوح من هيأتها عبق تاريخ الفيكينغ ،تلك الفتاة التي ألهمته عشق الثلج و ليالي الشتاء الباردة في أوصلو وبلاد أسكندنافيا ،للعشاق روح واحدة في كل مكان ،لكل العشاق من جميع الأديان والملل والنحل دين واحد ، ومن محض الصدف أن تتزامن الذكريات ،للزمان نسبية التزامن ،يمكن للأزمنة أن تتزامن ،لكن لا يمكن للأمكنة أن تتماكن ، الكون مليء بالأسرار ،بل الكون نفسه سر ولا أحد باستطاعته كشف سر الوجود .

نظر إلى بنصر يده اليسرى ،لقد تجرد من دبلة الخطوبة منذ شهور ، في المجتمعات المنغولية للأنثى جذور،تحرر الأنثى شكل لا جوهر ،إستقلالية الأنثى تمرد وعورة ،الحب أعور والزواج أعمى ، لا شيء يعجبني !عبارة قد يرددها أي إنسان في أي زمان وفي أي مكان .

في جل الأحوال تبصق الأرحام أشخاصا في غير مكانهم و زمانهم ، لا شيء يغري بالوجود ، المكان حتمية ، والزمان حتمية ، والزواج حتمية ، والعمل حتمية ،وإنجاب الأطفال كذلك حتمية ،وتربيتهم حتمية ،والتقليد حتمية ،والخرافات حتمية والوجود حتمية ،لكنهم يسمون الحتمية سنة "سنة الحياة" ،كل شيء حتمي المهم لا مجال يوسع للإختيار .
عقارب الساعة المربوطة على معصمه تشير إلى نقطة الصفر ،وعقارب النشوة على نقطة الرهبة جاثمة ، منذ وقت ليس باليسير 
،كانت الشمس تهفو في الأفق تلوح بالغياب ،لحظات الفرح مهووسة بالإستعجال ،لا معنى للزمان إلا في لحظات الحزن والفتور .
هاتف أمه ،هذا الكائن المقدس الذي يوثر على نفسه ولو كانت به غصة ،إنه الكائن الوحيد الذي
جعل مهران يقبل بحتمية كل شيء على مضض ، أمي ،ما كان له وما تبقى لديه ،الكلمة الوحيدة التي كانت وستبقى له في معجم كل القرابات والصلات ،كظم الغيظ واجب حتمي يمارسه ،حتمية الوجود والزمان والمكان والشخوص والواقع …طقوس مقدسة لأجل أمه .
تذكر الأقارب يصيبه بالمغص والغثيان ،برود الشعور شيء رهيب ،رهافة الإحساس وقساوة الواقع تركيبة مهلكة فتاكة ، كان يبحث عن الخلاص ،يحاول الهروب ،هروب ممن ومماذا؟هروب من رداءة ودناءة وبذاءة الواقع وخسته ،هروب من سخافة التقليد والتقاليد ،هروب من التفاهة والرتابة ،هروب من ذكرى المكان والزمان ومن أبشع وأنذل وأحقر الشخوص ،هروب من شجن الذات إلى طلل الذات ، التغيير ، تغيير من ؟ وتغيير ماذا ؟التغيير تغيير ما بداخل الذات لكن كيف؟؟؟؟ تحقيق الذات يبقى ،وسيبقى دائما حلما ،ويبقى الحلم دائما مشروعا ناجحا ،هكذا إقتنع مهران.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

شبح الماضي

 بقلم : أذ .بوبكر قليل – المغرب -1- لا أريد أن أتذكر شبح الماضي ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *