الرئيسية / نفحات إيمانية / إعقلها وتوكل.. محاولة للفهم

إعقلها وتوكل.. محاولة للفهم

د. عبدالله العمادي

هجرة خير المرسلين عليه الصلاة والسلام مع صاحبه الصديق رضي الله عنه، كانت باختصار شديد، عبارة عن عمل وتخطيط بشري بحت، مع رعاية ربانية في بعض جوانبها. ولو لم تكن عملاً بشرياً محضاً، لم يكن ليضطر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصاحبه، للتألم ومعاناة مشقة السفر في الصحراء، مع مشاعر متنوعة من الترقب والقلق والخوف.. فالهجرة إذن، عمل بشري، وتطبيق عملي لمقولته – صلى الله عليه وسلم – اعقلها وتوكل.


روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلاً جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ومعه ناقته فقال:" أعقلها وأتوكل، أم أتركها وأتوكل؟ فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -:" اعقلها وتوكل. الحديث هنا يفيد بأن الرجل قد سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – هل يربط الناقة بالحبل ثم يتوكل على الله، أم يتركها دون رباط ويتوكل على الله. فكان رد النبي – صلى الله عليه وسلم – واضحاً درساً له ولغيره من أمته، أن يربطها ثم يتوكل. أي أنه دعاه لأن يأخذ بالأسباب أولاً، ويعد عدته ويخطط لرحلته أو أي عمل يريده، ثم يتوكل على الله، يدعوه وينتظر معونته سبحانه.


حديث الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام:" اعقلها وتوكل".. دعوة للأخذ بكل الأسباب الميسرة والمشروعة عند التخطيط لعمل ما، ثم بعد ذلك تتوكل على الله وتتخذ قرارك وتنفذ الأمر، فستجد التوفيق والنجاح أمامك وحليفك بإذن الله. فهكذا كان النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وهكذا خطط لأعظم رحلة بشرية في التاريخ، رحلة الهجرة.


النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، لم يقرر هكذا فجأة الهجرة للمدينة، أو قام وحدث صاحبه بها وانطلقا من فورهما. لا، لم يحدث الأمر بالسهولة التي درسناها في الكتب المدرسية وأمثالها كثير. الأمر كان فيه ما نسميه اليوم بالعمل الاستراتيجي أو الخطة الإستراتيجية. حيث وضع الهدف، ثم درس كل الفرص والمخاطر، ووضع الوسائل والبدائل، وترك أمر الوقت أو ساعة الصفر للسماء. وهذا ما حدث فعلاً. ومن يدرس السيرة أو قصة الهجرة بدقة، سيدرك هذا تماماً. حيث قبل الهجرة، خلت مكة من جل سكانها من المسلمين. إذ لم يترك الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – أحداً عنده القدرة على الهجرة إلا وطلب منه ذلك، سوى من استدعت الحاجة الإستراتيجية للبقاء والتخفي إلى حين.
بدء تنفيذ خطة الهجرة
بعد أن أتم الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – الخطة بكل تفاصيلها، انتظر الإذن الإلهي، الذي ما إن نزل الوحي يأمره بالهجرة، وكان الوقت ظهراً – وما أدراك ما يعني وقت الظهيرة في صيف مكة – انطلق صوب الصديق رضي الله عنه، الذي كان قد اختاره صاحباً له في الهجرة حسب خطته – صلى الله عليه وسلم -، دون أن يخبره قبل ذلك. حيث كان رضي الله عنه يلح على النبي الكريم أن يأذن له بالهجرة إلى المدينة، لأنها كانت من الأعمال العظيمة يومئذ، وتسارع المسلمون إلى ذلك العمل العظيم. ولكن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يطلب منه التريث حتى حانت ساعة الصفر، فانطلقا في وقت لا يخرج أحد خلاله في مكة، بعد أن وزع الأدوار على من تم اختيارهم من أبناء الصديق رضي الله عنه وخدمه، مثل أسماء وعبدالله ومولاه عامر بن فهيرة.
اعقلها وتوكل. جملة مختصرة يمكن اعتبارها من المبادئ المهمة في عالم الإدارة والتخطيط. كما أنها تتوافق تماماً مع مبدأ آخر هو الإتقان في العمل، كما جاء في الحديث الصحيح:" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". إنك إن أحسنت التخطيط ثم أتقنت التنفيذ، فالنتائج غالباً تكون محمودة ومرضية. هكذا هو المنطق الإداري الصحيح.
بدأت رحلة الهجرة وفق خطة بشرية محكمة. فقد أعقلها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتوكل على الله، يسأل نصره ومعونته وحمايته. وأدى هو وصاحبه وبقية من شاركوا بالتنفيذ، أعمالهم بكل دقة وإتقان. لكن مع كل هذا الجهد البشري، وقعت بعض أحداث، التي ربما يظن للوهلة الأولى أي قارئ لها، أنها بسبب قصور أو خلل ما في مرحلة ما من مراحل تنفيذ الخطة. لكن الأمر ليس كذلك.
نعم، يبقى القصور أو النقص يلزم أي جهد يقوم به أي إنسان، مهما أبدع وأتقن وأحكم التخطيط والتنفيذ. لكن في رحلة الهجرة، بذل الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصاحبه، وبقية من تحددت لهم الأدوار فيها، كل جهد بشري ممكن، مع إتقان ودقة في التنفيذ. لكن مع ذلك وقعت بعض الحوادث، التي لا تفسير لها سوى ضرورة اليقين التام بأن الأمر كله بيد الله، مهما كانت أعمالنا قمة في الإبداع والإحكام، إلا أن التوفيق والنهاية المحكمة المأمولة والمنتظرة، تكون وفق المشيئة الإلهية، ولحكمة هو يعلمها سبحانه. 


 الهجرة .. خطة بشرية برعاية إلهية :
رغم الخطة، كان من الممكن أن تنتهي رحلة الهجرة قبل أن تبدأ، وذلك حين خرج النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – فجراً من بيته، رغم وجود أربعين من فرسان القبائل ينتظرون خروجه ليقتلوه. ورغم الخطة المحكمة أيضاً، وصل كفار مكة إلى غار الثور، حيث النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – وصاحبه. إذ كان يكفي لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمه، لينهي الرحلة كلها بصورة غير التي سارت بعد ذلك، أو لو نجح سراقة بن مالك في الوصول لمبتغاه، لكانت القصة مختلفة أيضاً.


لكن نرجع إلى ما بدأنا الحديث به، أن الهجرة كانت عملاً بشرياً محضاً، تم فيها اتخاذ كل الأسباب المؤدية للنجاح من باب ( اعقلها وتوكل )، ثم الإتقان في تنفيذ الخطة، فكان كل ذلك سبباً في تصحيح أي خلل يمكن أن تعترض الخطة البشرية، وحدوث المعية والرعاية الإلهية في بعض جوانب الرحلة – وهي التي ذكرناها قبل قليل – حيث حمى الله وصرف الأنظار عن نبيه وخرج من بين ظهراني أربعين فارساً، ثم يصرف أبصار الكفار أن ينظر أحدهم إلى الأرض لثوان معدودات، ويجعل سيقان فرس سراقة تغوص في الرمال عدة مرات ويقع عنها، حتى أدرك أنه أمام نبي لا يمكن الاقتراب منه وبقية القصة المعروفة..
كل تلك الحوادث لا يمكن لأي خطة بشرية مهما كانت محكمة دقيقة أن تتعامل معها، باعتبار أنها خارج نطاق الحسابات البشرية المادية، وهي التي تفسر معنى اعقلها وتوكل.. نعم، اتخذ كل الأسباب والخطوات اللازمة لتحقيق أهدافك، ثم بعد ذلك تستودعها الله وتطلب العون والتوفيق منه سبحانه – خالق الأسباب ومدبرها – وانظر بعد ذلك ماذا ترى. وهذا هو لب حديث اليوم وخلاصته.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الرزق و الأسباب الجالبة له

  ذ عبدالرحمن بن عبدالله الطريف شُغل بعض الناس بطلب الرزق، وبالغ البعض في بذل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *