الرئيسية / إشارات ملونة / الإناء المثقوب

الإناء المثقوب

د. علي أحمد الشيخي – السعودية

كانت امرأة صينية عجوز تنقل الماء يوميًّا من البئر إلى بيتها في إناءين، تحملُهما على حمارٍ لها، وكان أحدُ الإناءين مثقوبًا والآخر سليمًا، فما تكاد تصل إلى البيت إلا وقد نقصَ بعض ماءِ الإناء المثقوب، واستمرت المرأة العجوز على تلك الحال مدةَ سنتين، وبالطبع كان الإناءُ السليم مزهوًّا بكمال عمله وأدائه للدور المناط به على أحسن حال، بينما كان الإناء المثقوب يحتقر نفسه؛ لعدم كمالِه، وعجزه عن إتمام ما هو متوقَّع منه، وفي أحد الأيام وبعد تمام سنتين من مرارة الإحساس بالفشل والصراع مع النفس، تحدَّث الإناء المثقوب مع سيدته عن تقصيره ومعاناته معتذرًا لها، قائلًا: أنا أُحِسُّ بخجل شديد، وأتألم في نفسي كثيرًا؛ لأنني عاجز عن أداء دوري، بسبب الثقب الذي يسرب الماء في طريق عودتنا إلى المنزل، فابتسمَت المرأة العجوز، وقالت: ألم تلاحظ الزهور الجميلة التي زيَّنت جانبَ الطريق، إنها من ناحيتك، وليست على الجانب الآخر، أنا أعلم تمامًا عن الماء الذي يُفقد منك في كل مرة؛ ولهذا السبب غرست البذور على طول الطريق من جهتك؛ حتى ترويَها في طريق عودتِك للمنزل،

وخلال هاتين السنتين قطفتُ من هذه الزهور الجميلة ما زيَّنت به منزلي، ولولا دورك في سقي تلك الزهور، ما كان لي أن أجد ما أُزَيِّن به منزلي، وأستمتع بجماله.
فالنجاح يا صاحبي: ليس هو أن تكون نسخةً مكررةً من شخصٍ ناجحٍ في مجالٍ ما؛ وإنما النجاح يتجلَّى في التفرُّدِ، فالحياة بُنيت على التكامل لا التناسُخِ، ففي الحياة نجد المعلم والطبيب والمهندس والطيار والمحامي، وهناك في المقابل الخباز والحلاق والطباخ والقهوجي وعامل النظافة، ولا تقوم الحياة إلا بتكامل الأدوار، وهذه المهن جميعها ليس فيها رفيع ووضيع، فلا يحصل نجاح لأحدهم دون مساعدة من بقية فريق العمل في ميدان شركة الحياة، وهذا نفسه ما قاله عامل النظافة في وكاله ناسا الأمريكية عندما سُئل عن دوره في الوكالة، فقال: إنني أُسْهِمُ في وضع أقدام رجال الفضاء على سطح القمر.


فلا ينبغي أن نحتقر أدوارَنا في الحياة مهما كانت صغيرة وغير مهمة في نظر البعض، فلولا العامل البسيط ما قامت العماراتُ الشاهقة، ولولا الفَنِّيُّ في الكادر الطبي ما نجح أمهر الأطباء في العمليات الجراحية المستعصية، ولولا الخباز والحلاق والطباخ وعامل النظافة ما قامت حياةُ الناس على كوكب الأرض، فافخر بدورك مهما كان ذلك الدور، ولتكن نظرتك إلى أهمية دورك في تسيير دفة الحياة، كمن أهدى له القدر ليمونة حامضة فجعل منها عصيرَ ليمون لذيذًا، فاستمتع بمذاقه المنعش واللذيذ.


وقد قال أحدهم في هذا المعنى: "علَّمتني الرياضيات أن تكامُل الحياة يأتي نتيجة تفاضل المهارات بين مجموعة الناس التي تعيش في محيط واحد، فانتقال العدد من جهة إلى أخرى سوف يغيِّر من قيمته، وعلمتني الرياضيات أنه يمكننا الوصول لنتيجة صحيحة بأكثر من طريقة، فلا تظن أنك وحدك صاحب الحقيقة، وأن كلَّ من خالفَك مخطئٌ، وعلَّمتني الرياضيات أن هناك شيئًا اسمه ما لا نهاية، فلا تكن محدودَ الفكر والطموح، وعلمتني الرياضيات أن لكل مجهولٍ قيمةً، فلا تحقرن أحدًا لا تعرفه، وعلمتني الرياضيات أن العدد السالب كلما كبِرت أرقامه صغرت قيمته، فالمتعالون على الناس كلما زادوا تعاليًا، صغروا في عيون غيرهم".


فالتكامل بين البشر مطلبٌ من مطالب الحياة؛ يقول تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ [الزخرف: 32]، يقول الشيخ السعدي: أي: ليسخِّر بعضهم بعضًا في الأعمال والحرف والصنائع، فلو تساوى الناس في الغنى ولم يحتج بعضهم إلى بعض، لتعطَّلت كثير من مصالحهم ومنافعهم[1].


وجاء في البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُدُّ بعضه بعضًا))[2]؛ فهنا احتياج وتكامل.


فطبيعة الحياة البشرية قائمةٌ على أساس التفاوت بينهم في المواهب والأدوار، وهذا التفاوت والاختلاف ضروريٌّ لتنوُّع الأدوار المطلوبة منهم لخلافة الأرض، فالاستغناء المطلق عن الناس أمرٌ مستحيل، وهذا لا يحتاج إلى برهان.
وقد بلغ هوس البعض بالألقاب: طبيب، طيار، مهندس… إلخ، أن تجاوزت مبالغتُهم حدودَ المعقول، حتى أصبحت تلك المهنُ هدفًا في حد ذاته عند بعضهم، فنجد بعض الآباء يجبر ابنه – خاصة ممن يحصل على نسبة عالية في الثانوية العامة – بدخول كلية الطب أو الهندسة أو الطيران مثلًا؛ حتى يقال: والد الطبيب أو والد المهندس أو والد الطيار، بينما قد تكون ميول الابن بعيدة كلَّ البعد عن مهارات تلك المهنة، مما قد يتسبب في ضياع سنوات من عمره، فقد تتعرقل مسيرته الدراسية فيلجأ للتحويل إلى قسم آخَرَ؛ لعدم قدرته أو لعدم ميوله، وذلك بعد أن يضيِّعَ سنواتٍ من عمره، وقد يستمر في ذلك التخصص، ولكنه لا يبدع في مجاله؛ لأنه لا يتوافق مع ميوله، كما قد بلغ هذا السُّعار أيضًا بالبعض إلى شراء الشهادات العلمية من دكاكين وشقق تنتسب لجامعات وهمية، بل قد يصل الأمر إلى قيام هذه المكاتب ببيع البحوث والدراسات أو سرقتها.
فاصلة:
العقل الجمعي يغالي في المثاليةِ التي يَعجِزُ عن مجاراتها الفردُ، ولكي نقترب بعضنا من بعضٍ يجب أن نعترف بحقِّ كلِّ إنسانٍ في الخطأ، وحقِّ كلِّ فردٍ في التميُّزِ، وحقِّ كل فرد في القَبول والرفض، وحقِّ كل فرد في الانضمام أو الانفصال عن مجموعة ما.

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

في منحف بيكاسو

بقلم الأديب الجزائري الكبير :إبراهيم مشارة / فرنسا "إن أعظم ما أردت تحقيقه ، وجدت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *