الرئيسية / رحيق الأدب / شبح الماضي

شبح الماضي


 بقلم : أذ .بوبكر قليل – المغرب
-1-
لا أريد أن أتذكر شبح الماضي ، لكن ذاك الطفل يسكنني ، يلاحقني كواحد من حروف الابجدية ، يتكرر كلازمة شعر ، او قافية في كل اشعاري ، وحتى إن هربت من هوس الكتابة ، وفتحت كتابا لأقرأه ، وجدته هناك قابعا على صفحات الكتاب ، ينظر إلي بحزن ، يعاتبني بدموعه المحرقة والمالحة ، وهو يمدني بقلم وورقة لأكتب سيرته .
هذا الطفل خرج ذات ليلة ، وكان الفصل شتاء بزمهريره وقره ، غادر منزله حافي القدمين ، ممزق القلب ، تسلل الى داخل محطة وانتظر اول قطار يغادر المدينة ، لقد انتظر لساعات ، وما قبح الانتظار حين يطول ، صعد الى القطار دون تذكرة سفر ، يصطنع البسمة على محياه ، والحزن بداخله كلهيب نار ، يلملم اوجاعه في صمت ، ويكبح جماح كل دمعة تريد الخروج من مقلتيه ، فهو لا يريد ان ينكشف أمره ، لأنه قرر الرحيل ، ولا برغب في احد ان يغير مصيره و قدره .
جلس الطفل وهو ينظر من نافذة الى الظلام ، حتى نام ، وحين استيقظ ، وجد نفسه في مدينة لا تشبه مدينته ، انزوى الى ركن بناية بعيدا عن الانظار ، اخرج من جيبه صورة امه ، قبلها وهو يبكي ، ثم ابتسم وهو ينهض من مكانه محاولا اقناع نفسه انه بطل عنيف يستطيع ان يهزم كل اقرانه ، فهو صلب العود ، قوي وذكي ، هو الذئب كما كانوا يلقبونه في الحي .
هو الذئب – فعلا- ، لم ينتظر طويلا ، حتى وجد لنفسه طعاما وحذاء وقليلا من الدراهم ، واستطاع بسرعة ان يجد له اصدقاء جدد ، يقاسمونه لعنة الضياع ، وحرقة التشرد في هذه المدينة العمياء ، كان هو رابعهم ، وقائدهم الذي يمتلك كل سيمات القيادي القوي والذكي.
عالم صغير محفوف بالمخاطر، شريعته هي : قاوم او تموت ، اصنع قدرك ، ابحث عن طعامك واحميه من السرقة ، حافظ على قوتك وبداهتك ، وحصن جسدك من السوء ، كن رجلا ، واجعل أم عدوك تبكي بدل من ان تبكي امك عليك فلا يرهبك شيء ، فقد يقعد الفيل ارضا وهو يتألم جراء شوكة صغيرة دخلت عينه.
هذا هو عالم التشرد والضياع في غابات الاجور والاسمنت ، وحيث اضواء المدينة المنافقة ، هنا في هذا العالم تتوقف عقارب الساعة ، وتغيب البراءة ، ويصبح البقاء للأقوى ، كانوا اربعة اطفال ، حكمت عليهم محاكمكم بالعيش كالذئاب كل ليلة يتربصون وينتظرون امام ابواب الحانات والنوادي الليلية حتى يخرج رجل مخمور حتى الثمالة لا يستطيع المشي سويا ، فينقضوا عليه كالفريسة ليسرقوا محفظة نقوده ..
اللعنة عليك ايها الطفل ، الذي تسكن اشعاري ، هل هذا ما تريد ، ان أسرد حكاياتك الحزينة ، وأبكي أطلالك الجريحة ، الحديث عنك نار واحتراق ، والهروب منك مستحيل ، أنت صنعت قدرك ، ولا زلت أنت الذئب الذي يعوي في اشعاري …
-2-
النمس ، لمخنفر ، ستيتو ، والذئب ، أطفال شاءت الاقدار ان تجمعهم ، الاول من حي الكريان بالدار البيضاء ، والثاني من البطحاء بفاس ، والثالث من الكوشة بتازة ، أما الرابع فهو من واد الناشف بوجدة ، ينامون في العراء ، يفترشون الكارطون ويتقاسمون الخبز والاحلام ..
كل ليلة ينتشرون كالذئاب الجائعة ، يصارعون من اجل البقاء ، يوزعون المهام بينهم مثل فريق عسكري ، ستيتو ماسح للأحذية ، يدخل للحانات يتجسس يبحث عن اضعف الفرائس ، وكثيرا ما كان يخرج من الحانة وهو محمل بالطعام ، كانوا يترقبون الساعة التي تتقيأ فيها الحانات زبائنها ، وهي ساعة الصيد عندهم .
نعم ، من لم يولد وفي يده ملعقة من ذهب ، أو حتى من قصدير ، سيبحث بالفطرة ، عن وسيلة أو اداة تساعده على العيش ، لا تعتقد ان أم لمخنفر حين جاءها الوحم به ، اشتهت اكل الأناناس او الكافيار ، بل اكلت الفحم والبقولة . مجتمع يصرخ بالتناقض ، وخطاب سياسي هو متصل مباشرة بقنوات الصرف الصحي ، مجتمع غابي، والقمل كان يعشش في رؤوس الناس ، البطون اصابها الصدأ من طول السغب ، والحناجر أرهقها الصراخ .
أتوسل إليك أيها الطفل المشاكس ، أن تركب صهوة الرحيل ، وتهجر ذاكرتي ، لقد تعبت من حملك الثقيل ، والدرب ما زال طويل وشاق ، كلما أتحدث عنك اجد نفسي كمن يمشي على الجمر وشظايا الزجاج …

اجتماع طارئ للصعاليك، أمر ما يعكر صفوة ذاك الدفء الرباني من الحنان والمحبة بين الأطفال ، وقد تزامن موعد هذا الاجتماع مع غروب الشمس ، هنا بين صخور شاطئ شالة بالرباط ، طيور النورس تحلق في السماء ، لا ادري هل هي تغني أم تبكي ، والأمواج تصارع الصخور ولا تستسلم ، وجوه الأطفال حزينة والحيرة تسكن عيونهم . . لمخنفر مطأطأ الرأس ، يسرق من فينة لأخرى النظر إلى الذئب الذي يمطرهم بكلمات التوبيخ والتحذير ، بعد ان تطاول لمخنفر على ستيتو بالسب والشتم ، مشهرا في وجهه سكينا ، وهو الأمر الذي اغضب الذئب ، وحز في نفسه ان يرى ستيتو مغلوبا على امره ، حزينا ، منكسر القلب . وبفطرته القيادية ، وموهبته الخلاقة في تذبير الازمات وإيجاد حلا لها ، مسك الذئب بيد ستيتو وهو يوجه خطابه إلى لمخنفر :
-لا وجود لشخص يحمل سكينا في مجموعتنا … وحذاري مرة اخرى ان يتعالى صوتك على ستيتو ، فأنا قادر نخلي دار بوك ، نحن يا لمخنفر راحنا ولاد ناس ، فإما ان تنضبط معنا وإما ارض الله واسعة ، راه الرجولة ما شي بحمل السكين …
ارتمى لمخنفر يعانق الذئب وهو يبكي ويقول :
اسمح لي خاي الذئب ، وحق لميمة ما نويت يغضب مني خاي ستيتو ، كنت غير نقشب معاه …
اعتذر لمخنفر من ستيتو ، اطفال بعقول الكبار ، علمتهم شوارع المدينة ما لم تعلمه المدارس والجامعات ، ذئاب لكنهم بقلب الانسان ، ما ذنب ستيتو ان يكون ماسحا للأحذية .. عادت البسمة الى الوجوه ، وردد الجميع اغنية قد حفظوها عن الذئب من كثرة ما كان يغنيها ويرددها ويختمها دائما بعبارة : ( والله اشتقت اليك يا اخي ..) ..
اخذ النمس صندوق ماسح الاحذية بين ركبتيه واخذ يطبل والمجموعة تغني :
ما ذنبك يا سعيد … ما ذنبك ، ما ذنبك
ان تكون ماسحا للأحذية .. للأحذية….
وهم أصحاب المعامل ، يشيدون المعامل …
وتبقى أنت تمسح .. وتمسح .. حتى يمسحوك..
ولن تبكيك سوى أم عجوز إسمها خضراء ….
نعم كما هي دماء الملوك تسري في عروق اطفالهم ، هي كذلك جينات المناضلين تسري في عروق ابنائهم واخوانهم … يغني الذئب هذه الاغنية وكأنك تسمع نبضات قلبه كألحان الناي الحزين ، تبا لمحاكمكم ، وتبا لكم اجمعين ، كلما اقترب منكم واحد من هؤلاء الاطفال ، تجتنبوه وتخشون على ملابسكم من الوسخ ، وأنتم القيء ، وأنتم الدنس ، تبا لكم تخافون منهم ، وكأنهم الطاعون ، وأنتم الطاعون ..
أنت كطائر الفنيق ، أيها الطفل المشاكس ، ما من مرة أحرق ذاكرتي ، حتى أنساك ، لكنك لا تموت ، تنبعث من الرماد …
-4-
هل هم ملائكة ، أم شياطين .. أطفال بحجم الرجال ، وذئاب بقلب الانسان ، خرجوا من رحم هذا المجتمع ، وعشقوا الحياة ، فرفضوا العيش بين الحفر ، غادروا بيوتهم في صمت ، وقلوبهم تبكي في صمت ، حنين يشدهم الى خبز الام وقهوة الأم ، ولحظة جلوس افراد الاسرة حول قصعة الكسكس . لقد ظل الذئب يحتفظ بصورة امه في جيبه ، والنمس ما زال يتحدث عن والدته الحاجة فاطنة حتى احبها الاطفال كلهم ، اما ستيتو كما يحكي ، ماتت امه وهو في ربيعه الاول ، وحتى لمخنفر والدته ماتت وسكنت مدينة النسيان .
دموع الايتام مالحة ومحرقة ، وكلما سالت تأتي ملائكة الرحمان فتمسح على رؤوسهم ، فمن له أم ما زالت في الحياة ، لا يحق له ان يحزن .
ذات يوم ، كان الجو جميل ، والسماء صافية ، شيء ما يحصل هناك بالمركب الثقافي المهدي بنبركة ، المعروف بإسم الكنيسة ، هناك في حي المحيط بالرباط ، حارسان في الباب ، والناس تدخل مثنى ومثنى وفرادى ، فتغلب الطبع عن التطبع ، واراد الاطفال الدخول الى القاعة ، فسأل لمخنفر الحارس :
عمي ممكن ندخلوا ..
الحارس : لا .. خاص بالشعراء فقط ..
لمخنفر: ياك يا عمي الشعراء يتبعهم الغاوون … ونحن هم الغاوون …
انفجر الحارسان بالضحك ، حتى ان احدهما هرول الى المرحاض ، اما الحارس الثاني فقال للأطفال :
-ادخلوا يا اولاد ابليس .. وإياكم نسمع صوتكم ..
كان لمخنفر حافظ لبعض سور كتاب الله ، وكان يجيد التجويد ، وكثيرا ما كان يخرج المجموعة من عنق الزجاجة ، باستحضاره بعض ما تختزنه ذاكرته من آيات الذكر الحكيم ..
حشد كبير داخل القاعة ، وجوه لا تشبه الوجوه التي كان الاطفال يصطدونها عندما تغلق الحانات ابوابها ، امرأه تمشي بين الصفوف توزع صور على الحاضرين ، تلبس البياض لكنها حزينة ، قلب الذئب ينبض ، نظراته تلاحق المرأة وهي تنتقل من صف الى صف ، يهمس الذئب في اذن النمس قائلا :
انظر الى هذه المرأة المسكينة ..
فجاة يقفز النمس من مكانه وهو يهرول ويصرخ بأعلى صوته : اميمتي .. اميمتي ..
تصرخ المرأة : وليدي .. وليدي .. وليدي …
بكاء وعناق .. وشاعرية لم تترك للشعراء داخل القاعة ما يقولونه ، والحاجة فاطنة الام الطيبة ، اخذت الاطفال الى بيتها واكرمتهم ، وأمنت لهم العودة الى منازلهم ، لتنتهي الرحلة ، ويستريح هذا الطفل القابع في ذاكرتي …
 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الــــحـــقــيـــبــــة

بقلم : :أذ / إبراهيم مشارة / الجزائر   حين وصلت إلى مطار بيروت بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *