الرئيسية / آراء و مواقف / الورد لغة عالمية تفوق الكلمات بلاغة أحياناً

الورد لغة عالمية تفوق الكلمات بلاغة أحياناً

بقلم : جميلة إسماعيل / الإمارات

كانت للزهور في الماضي مهمة نقل رسائل حب ذكية، لكن هذا الفن صار في عجلة القرن العشرين من اللغات الميتة، ولا يظن البعض أنه من المناسب بعثها.

لكن ما نفعله اليوم ببساطة هو محاولة إعادة إحياء هذه اللغة ولو جزئيا، ليس لأنها جزء جمالي من الموروث الإنساني الذي ندين للعالم بالحفاظ عليه، بل لمجرد أن نوقظ إحساسنا بالجمال في أعظم وأشمل صوره، لكي نعيد لحواسنا الحياة. لغة الورد لغة عالمية، يفهمها كل بني البشر، ويتبادلون بها المشاعر، فوردة واحدة تغني عن أغلى الهدايا.

وكم من الأشياء تستطيع أن تقولها وردة..! إن تقديم غصن متواضع من البنفسج أو وردة واحدة قد يعبر عن كل شيء، فهي تطلب الصفح والغفران، وقد تنطق بمعاني الهوى عندما تتجمد الكلمات، وأحياناً تقدم الدعوى للمصالحة.

حضارات الزهور في التاريخ

بدأ الإنسان يهدي الزهور ويدرك ما ترمز إليه منذ القدم، لاسيما وأنها كانت أقدر مفردات الطبيعة تعبيراً عن المشاعر. فالفراعنة كانوا يضعون الزهور على المقابر ويدفنونها مع موتاهم، في زمن توت عنخ أمون منذ 3500 سنة.

كما كانت زهرة اللوتس رمزاً لسلطة الفراعنة المصريين. وقد وجدت باقة ورد رسمية في قبر الفرعون الصغير.أما عند الرومانيين القدماء فكانت زهرة الأنيمن ترمز إلى الحب وكانت تبعثر على مذابح آلهة الحب. وفي العصور الوسطى ارتبط الزنبق بالسيدة مريم العذراء.

وفي العهد الإليزابيثي كانت النساء يحملن باقات صغيرة من الزهور ذات العبير المنعش وأعشاب سميت «ب توسي موسيس» وذلك لتبعد الروائح الكريهة، لاعتقادهم أن تلك الروائح وباء. وتدريجيا أصبح تداول «التوسي موسيس» وباقات الزهور كهدايا، وأصبح استخدام الزهور ليس فقط في العلاج بل تطور وأصبح اختيارها لجمالها.

وفي القرن السابع عشر، كان الناس مدركين لأهمية الزهور والنباتات لارتباطها بالعادات القديمة لديهم. ونقلت لغة الزهور إلى شواطئ أوروبا وتم نشر أول قاموس خاص بلغة الزهور في باريس عام 1818 وأعيد طبعه 18 مرة وأُخذت هذه القواميس الفرنسية إلى إنجلترا وأسبانيا في عمليات القرصنة. وفي العهد الفيكتوري كانت السيدات يشغلن وقت فراغهن وطاقتهن بزرع الحدائق والزهور. وبالرغم من أن بعض مؤلفي هذه الكتب أشاروا إلى أن منبع تلك المعاني آت من الشرق الأوسط إلا أنهم لم يتطرقوا إلى تفاصيل تلك المعاني.

لغة الزهور في السياسة والتاريخ

اتخذت بعض الزهور شارات لدول مثل اللوتس لمصر الفراعين، والريحان لألمانيا في عصر غليوم الكبير، والأرز للبنان، وبلغ القرنفل حدًا من إعجاب الناس به، وفضلته ماري أنطوانيت على غيره من الزهور، وكانت تخفيه في طيات ثيابها وهي سجينة، وجعل أحد ملوك العصور الوسطى حاشيته تمضغ القرنفل قبل التحدث إليه لتفوح رائحته العطرية من أفواههم.

وكان البنفسج زهرة وطنية في أثينا القديمة، كما كان زهرة نابليون المفضلة عندما كان منفيًا في جزيرة إلبا، وانتقلت معه بعد هروبه إلى فرنسا، وما زالت حرب الوردتين تعرف في تاريخ إنجلترا أثناء الحرب الأهلية عندما تنازعت على العرش أسرة يورك وشعارها الوردة البيضاء، وأسرة لانكاستر وشارتها الوردة الحمراء.

في التراث والشعر العربي

دلالات الزهور في تراث الحب العربي الذي نقل عنه المشعلاني: فالسوسن عند العرب دلالته السوء. وفيه يقول شاعر:

يا ذا الذي أهدى لنا سوسنا

ما كنت في إهدائه محسنا

أوله سوء، فقد ساءني

يا ليت أني لم أر السوسنا

 

أما عند من نقل عنهم المشعلاني فيدل الياسمين على اللطف والأنس.

لغة الورد

جاء في كتاب «منزل وحديقة أفضل» للكاتب الأميركي د. ميلتون كارلتون: «للزهور دور كبير في الخطبة والزواج في كثير من بلدان العالم، ففي جزر هاواي إذا أرادت الفتاة أن تعلن عن رغبتها في أن تُخطَب فإنها تضع زهرة على أذنها اليمنى، وعندما تتم خطبتها تضع الزهرة على أذنها اليسرى، أما المرأة المتزوجة فعلاً فتضع زهرة على كلتا أذنيها.

وفي المجر تتخذ الورد طريقًا للتفاهم والتخاطب إذ بها تعبر الفتاة عن رأيها في شريك حياتها، فإذا قبلت باقته كان ذلك إعلان القبول وعلى الشاب أن يطلبها من أهلها.وقريب من هذا يحدث في رومانيا أيضًا».

وللناس رأي

على ضوء هذا، وسعياً إلى التعرف على تجارب الناس مع الزهور ولغتها، قام «الحواس الخمس» بهذه الجولة وكانت ردودهم كالتالي: تقول الجامعية جمانة حازم عبد الله: «مازالت الزهور هي لغة العشاق الأولى في التعبير عن الحب، فهي رسالة حب تجمع بين المحبين وتشيع بينهم البهجة والسعادة والرضا بالنفس»، مضيفة: «منذ حوالي أربعة آلاف سنة أصبحت للزهو معان تعكس المشاعر الإنسانية.. وحديثاً أكدت دراسات عديدة أن للزهور تأثيراً إيجابياً على مختلف الفئات، نساء ورجالاً، كباراً وصغاراً».

أما زميلتها مهدية محمد علي فتقول: «الزهور هي لغة الأمل والتفاؤل، فإذا فقد أحدنا القدرة على ممارسة حياته بصورة طبيعية فعليه الذهاب مسرعا إلى أقرب محل للزهور وسوف يخرج بعد قليل بمشاعر متجددة وأحاسيس مختلفة. وتقول ليلى سعيد بخيت: «لرائحة الزهور تأثيرات كيميائية سريعة على المخ. ومن جانب آخر علينا الاعتراف أن الوردة هي الحياة، والحياة مصنوعة من الأمل».

وتقول منى عبد الرحمن العليلي: «بإمكاننا من خلال الزهور التشاجر والتعاتب أو إرسال رسائل عاطفية، أو تعبيرات الصداقة، أو الأدب»، مضيفة: «قرأت منذ فترة معلومة جميلة عن الورد وهي أن السيدات قديما كن يولين أهمية كبيرة لاختيار الورق لبطاقاتهن، فالأزهار المرسومة ذاتها يمكن أن تنطوي على مقاصد، فمنديل مطرز بأزهار الفراشة كان يعني أنها لن أتزوجها أبدا، و بالورد تعني وعداً بالحب. و إذا ما ساهمت الإبرة في إبداع زهرة السفرجل بمهارة يكون باستطاعة المتلقي أن يعتبر نفسه محظوظا، لأن هذا يعني الإخلاص المطلق مدى الحياة.

استخدام الورد للزينة

قديما استخدمت النساء الورد كنوع من الزينة: فإذا وضعت المرأة الوردة فوق قلبها فهي بهذا تقول: «أنا أحب». أما إذا كانت في شعرها فهذا يدل على الحذر. وإذا وضعت في معصمها وردة فهذا رمز للصداقة أو للذكرى.

معاني الزهور

تتعدد قواميس لغة الزهور إلا أن معظمها اتفق على معانيها. على سبيل المثال زهرة النرجس فهي تعني الأنانية التي تمثل أسطورة الشاب الجميل الذي فتن بجمال صورته المنعكسة على الماء فمال بجسده ووقع في الماء وغرق ولذلك أطلق عليه اسم النرجس لأن ساق هذه الزهرة يتمايل دائما نحو الماء.

دلالات الورد

قديما قيل: إذا فقدتَ القدرة على الحب فعليك بزهرة الياسمين، أما إذا أراد الشخص الخروج من حالة الاكتئاب التي تسيطر عليه فعليه باستنشاق زهور النرجس، و إذا أراد الاسترخاء فعليه بزهور البنفسج.

دبي ـ جميلة إسماعيل

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

قراءة في مفهوم “الاحتراق الوظيفي”

بقلم: أ. نللي يوسف القصاص / جامعة القدس               يشهد العالم ثورة تكنولوجية حقيقية، تخلق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *