الرئيسية / رحيق الأدب / حينما كنا صغارا

حينما كنا صغارا

 بقلم l صفية محمود

كم حلَمْنا نُمسِكُ القمر، أو نسلُكُ النجوم كالخرز، وكم مررنا بالحدائق وتمنَّينا لو أن أسوارها تُخترَق، وكل القيود تَحْتَرِق، وننام على الرمال ونسبح في النجيلة، أو نعتلي شجرة بعيدة، ونطير كما الفراش، أو نطاول السحاب، ونسابق الريش أن يركب الريح فيسبح في الهواء، في رحلةٍ لذيذة، ومتعةٍ بريئة، لا تعنينا الدقائق، ولا نعبأ بالحقائق.

 

حينما كنا صغارًا كم أتانا المساء، لنحتضن ما تبقى من أمانينا، فنستكملها في المنام، بعالم الأحلام، حيث يتوه الواقعُ ويبقى الخيال، ولو حان الصباحُ، ولاحت الأنوارُ في السماءِ، وثبْنَا في رشاقةِ الفهود؛ لنُكرِّرَ رحلة الأمس بلا يأس، فأحلامنا نحن الصغار مُقاومةٌ للكسر، برَّاقة على الدوام.

 

وما زلنا حتى كبرنا بعضَ الشيء، فتاهت الأحلام، وزادت المسافة بين حلمنا والواقع، كأن بينهما خصامًا، فصَارَعْنا الجميعَ؛ لنلوي الحقائق، نجرها نحو الحلم، فعشنا الحماسة والتهور والحماقة في أوج الشباب، وشيئًا فشيئًا خارت قوانا واعترفنا أخيرًا بهذا الشقاق بين حلمنا والحقيقة، وبعضنا أقرَّ بالطلاق، والبعض رضي ببعض التنازل سعيًا للصلح، فالصلحُ خيرٌ، وارتضى كثيرٌ منا ببعض يأس سمَّاه الناس عقلًا، وقالوا: كبرنا عندما تخلينا عن صبا الأحلام أو أحلام الصبا.

 

وتوالت علينا الأيام والليالي، وعركتنا الحياةُ ومضى بنا الزمن، وراودنا من جديد الحلم نفسه، بعدما ظننا أنه قدِ اهترأ أو اندثر.

فعُدنَا نتمنى حياةً بلا قيود نلمُس فيها القمر، ونسلك النجوم كالخرز، وننتقي القصور، ونعتلي القمم فنمسك السحب، نرى الله ونلقى الأنبياء والصحاب، وتدنو إلينا الثمار نقطف منها ما نشاء بلا عناء، ونلبس الحرير، ونكسر الزمن، ونُزيل الحدود، ونبني بيوتنا لبنة فضة ولبنة من ذهب، ونشير لطير السماء فيسقط فقط بسهم النظر، نَطْعَمُ منه ما نريد ثم يطير ثانية للسماء.

 

وأدركنا أننا – ونحن صغار – كنا فقط نرى بأحلامنا ما علق في الذاكرة في خباياها البعيدة لمحات من حياتنا في الجنة موطن الآباء، ولما كبرنا لن نكتفي بالحلم، ولكن لا بد من معاركَ هاهنا تقام مع كل شيطان، إنس وجان، حتى نَسْلَمَ من الشقاء والضلال، ويصير الحلم علمًا، والخيالُ واقعًا.

فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها 

منازلُك الأُولى وفيها المخيَّمُ 

ولكننا سَبْيُ العدوِّ فهل ترى 

نعود إلى أوطاننا ونُسلَّمُ 

 

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الــــحـــقــيـــبــــة

بقلم : :أذ / إبراهيم مشارة / الجزائر   حين وصلت إلى مطار بيروت بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *