الرئيسية / آراء و مواقف / عيد الأضحى في ميزان السنة والأعراف

عيد الأضحى في ميزان السنة والأعراف

بقلم : أسماء كركور ( طالبة باحثة بسلك الدكتوراه، تخصص علم الاجتماع والتراث الثقافي. )

 

     اقتداء بسنة سيدنا إبراهيم وعلى غرار باقي الشعوب المسلمة، يحتفل المغاربة بعيد الأضحى ؛أو كما يصطلح عليه بالعامية المغاربية العيد الكبير. والحكمة من ذلك التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. 

نحر الأضحية سنة واجبة على أهل بيت كل مسلم قادر عليها لقوله تعالى "فصل لربك وأنحر" (سورة الكوثر،الآية (2 )، إلا أن مفهوم السنة طغت عليه الأعراف والتمايز حتى اقترن عيد الأضحى "بالحولي" أو "الكبش" ذو قرنين كبيرين قصد التباهي، إذ نجد أن بعض الناس يلجئون إلى بيع أثاث المنزل أو القروض لاقتناء أضحية العيد. 

     ومن المظاهر الاجتماعية السلبية لهذه المناسبة، نجد شركات قروض تنشر إعلانات لهذه الغاية سواء عبر وسائل الإعلام أو حتى في لوحات اشهارية بالمدن تتضمن صورا لخروف يثير انتباه الناظر  إليه.

     ففي كتاب الفقر والفقراء بمغرب القرنين 16 و17 م للدكتور محمد استيتو ، نرى بأن عجز الفقراء عن اقتناء الأضاحي يعتبر من المظاهر الاجتماعية السلبية، ذلك لما يترتب عنه من ضيق نفسي وإحساس بالحرج أمام الأهل والجيران، وفي بعض الأحيان تقع خصومات داخل العائلة قد تؤدي إلى تفكك الأسرة. وقد نجد  البعض يطأ كرامته ويلجأ إلى التسول من أجل شراء الأضحية، وهناك من تخول له نفسه السرقة من أجل ذلك. 

     وفي بعض المجتمعات، حين نتحدث عن الأضحية، فحتما سنتطرق إلى حجم الخروف ، من باب افتخار وتباهي الأسر وخاصة الأطفال أمام العائلة والجيران، حتى أضحت مجالا للسخرية والاجتهاد في تأليف النكت. 

     واستعدادا ليوم العيد ، وموازاة مع أسواق بيع الماشية ، يتهافت المستهلك على اقتناءجميع لوازم العيد، والتي تتمثل في السكاكين والقضبان الحديدية من أجل شواء اللحم وأكياس بلاستيكية من مختلف الأحجام وذلك من أجل التخزين، إضافة إلى أكوام لبيع الفحم الخشبي بالتقسيط وحتى بعض الأدوات الكيماوية التي نعرف مدى خطورتها لاشتعال الفحم. 

     وعندما نستحضر العيد الأضحى ،نتحدث عن تجارة موسمية قد يستفيد منها بعض الشباب العاطل عن العمل، حيث تزدهر في هذه المناسبة تجارة الالكترومنزلية من ثلاجات وغيرها، فقد تلجأ الشركات إلى منح قروض وتسهيلات تشجيعية لبيع منتجاتها ، زد على ذلك أسواق التوابل التي تعرف بدورها رواجا كثيرا خاصة لدى النساء، إذ يتزودن بمختلف أنواع البهارات ولوازم إعداد وجبات أيام العيد. 

     يوم العيد هو يوم مميز ببزوغ فجره على أصوات الغنم في انتظار ساعة نحرها، ففي السابق كانت تخضب ناصية الأضحية بالحناء ، لتقديمها لله سبحانه وتعالى في أبهى حلة،لكن سرعان ما اندثرت العادة وشابها الإندثار.

     بعد انتهاء صلاة العيد ، تتصدر شخصية الجزار بطولة هذا اليوم ،فتصبح عملة نادرة ، الشيء الذي أتاح الفرصة إلى بعض الشباب لتقمص الدور ، وذلك بحمل سكاكين وارتداء ملابس ملطخة بالدم من أجل أداء خدمة ذبح وسلخ الأضحية مقابل أجر مالي قد يصل في بعض الأحيان إلى 300 درهم.

      بعد انتهاء الجزار من ذبح وسلخ الأضحية ، يدخل على الخط أشخاص هم في الأصل شباب أخذوا من جلد الأضحية مهنة موسمية ، لم تكن في السابق، تتجلى في جمع جلود الأضاحي وإعادة بيعها إلى المدابغ من أجل صناعتها.

ففي السابق ، كانت النسوة تكتفي بتصليح هاته الجلود وجمعها إلى حين يأتي دورها في صناعتها لتصبح "هيضورة" صالحة للجلوس، وحتى أن بعض الجدات لازلن يحتفظن بجلود "هيضورة" لأضاحي العيد والعقائق السابقة، حيث أن رغم مرور السنين لا تزلن تتباهين بذكريات حجم أضحية العيد لسنة ما.  

      إلا أن مصير الجلود حاليا ،أضحت ملقاة في النفايات، الأمر الذي زاد من حدة الروائح الكريهة وكذا عناء عمال النظافة طيلة أيام العيد الأضحى. 

     وبالعودة إلى أجواء الاحتفال بهذه المناسبة ، والتي كانت تتسم بتلاحم العائلات ، حيث كانت تقام في جو عائلي يسوده التعاون  وروح المسؤولية سواء من طرف رجال، نساء وأطفال العائلة الكبيرة، أصبحت اليوم تكتفي بنواة الأسرة التي يغلب عليها طابع الفر دانية، الذي أصبح يفرض وجوده بشكل قوي  بأسر المجتمع المغربي، إذ اندثر ذلك التلاحم والتآزر الذي كان يسود في مثل هذه المناسبات.

وفي هذا الصدد ، نجد بأن بعض الأسر المغربية تفضل السفر في هذه المناسبة، وذلك من أجل الابتعاد عن أجواء العيد التي ينظر إليها من منظور  التعب والمشقة، ولهذه الغاية أصبحت بعض المؤسسات السياحة الفندقية تبث اشهارات لفرص السفريات السياحية داخل وخارج البلد بمناسبة عيد الأضحى. 

     وفي مجال التفنن في إعداد الوجبات الخاصة بيوم العيد، تقوم ربات البيوت بإعداد كبد الأضحية ملفوفة في شحمها ثم شوائها وتناولها رفقة العائلة مع الشاي المنعنع، لتتفرغ بعد ذلك إلى إعداد طبق "الدوارة" أو أحشاء الخروف حسب تقاليد وعادات المناطق المغربية. وهذه العملية تزيد النساء مشقة التشطيف والتقطيع وخاصة بالمنطقة الشرقية ، حيث تقوم بإعداد "البكبوكة" التي تكلفهن كثيرا من الوقت، ولتفادي كل هذا العناء يوم العيد تلجأ بعض النسوة إلى شراء "الدوارة" قبل العيد وإعدادها ثم تخزينها في المجمد لتستهلك يوم العيد .

أما رأس الأضحية الذي كان يعد لوجبة العشاء ، نجد عائلات كثيرة تستغني عنه، نظرا لما يكلف من عناء ومشقة للنساء في 'تشويطه' وإعداده.

في هذا الصدد ، نجد هناك مجموعة من  الشباب خاصة بالأحياء الشعبية يستغلون هذا اليوم لكسب مدخول من عملية 'تشويط' الرأس وأرجل الأضحية، والحكمة من تناول الرأس و'الدوارة' في أول أيام العيد تعود إلى زمن لم تكن فيه وسائل التبريد والتخزين متوفرة، وعلميا ثبت أن لحم الأضحية يستحسن عدم تناوله في 24 ساعة الأولى حتى تجف جميع خلاياه، وكان أجدادنا يعجزون عن تبرير عدم تناول لحم الأضحية أول يوم العيد ويكتفون بعبارة "ماشي مليح نبدأ اللحم النهار اللول"، وهذه الجملة التي لها عدة مفاهيم في معتقدات المجتمع المغربي كالتخويف من المجهول، حيث أن بعض فئات المجتمع المغربي قديما كانت تؤمن بالمعتقدات السائدة دون البحث في مدى صحتها وتفسير ماهيتها، على عكس اليوم نلاحظ بأن مجتمعنا أصبحت تتجاوز الأفكار الساذجة التي لا تمت بصلة بالتفسيرات العلمية.

     عودة إلى طقوس يوم العيد ، ننتقل إلى مرحلة تقسيم الأضحية مباشرة بعد  التهنئة، الشيء الذي لم يكن في السابق ،وذلك خوفا من فساد لحمها جراء ارتفاع درجات الحرارة. وهنا يظهر مجددا بطل يوم النحر "الجزار" الذي يصبح الآمر والناهي بمحل الجزارة،  في الناس الذين وضعوا لحم أضحيتهم "السقيطة" ممدة فوق الرصيف قبالة المحل بشكل منتظم في انتظار التقطيع، وكأنه منظر ضحايا نتيجة لكارثة أو حرب منبطحين أرضا ينتظر دفنهم.

فيما يقف أصحابها في صفوف طويلة كأنهم في مجاعة  ينتظرون المؤونة التي يتكرم بها عليهم السيد الجزار. هذه الظاهرة التي لم يعتدها المجتمع المغربي سابقا حيث كانت تغلق محلات الجزارة طيلة أيام العيد فكان يتكلف بالتقطيع أحد أفراد العائلة في جو يسوده المرح. هنا يطرح السؤال عن شروط النظافة والسلامة الصحية، هل يعقل أن ترمى الأضحية على الرصيف من أجل التقطيع؟ أم أن شروط السلامة تغيب عند المجتمع المغربي عندما يتعلق الأمر بقضاء مصالحها؟

    يوم عيد الأضحى فقد روحه وطعمه الخاص، عندما أصبحنا ننظر إليه كيوم للعمل الشاق، عندما تفككت الأسر وسادها مفهوم الفردانية، وعندما فشلنا في تمرير ثقافة وتقاليد هذا اليوم المميز إلى الجيل الصاعد نتيجة التكنولوجيا والتطورات السائدة، حينها ستنطفئ تلك الشعلة التي يجب أن ستستمر للأبد. 

————————————————————————————————————————–

  • استيتو محمد، الفقر والفقراء بمغرب القرنين 16 و17 م، مؤسسة النخلة للكتاب،2004

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

قراءة في مفهوم “الاحتراق الوظيفي”

بقلم: أ. نللي يوسف القصاص / جامعة القدس               يشهد العالم ثورة تكنولوجية حقيقية، تخلق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *