الرئيسية / آراء و مواقف / قراءة في مفهوم “الاحتراق الوظيفي”

قراءة في مفهوم “الاحتراق الوظيفي”


بقلم: أ. نللي يوسف القصاص / جامعة القدس
             

يشهد العالم ثورة تكنولوجية حقيقية، تخلق تحديات مستمرة في بيئة العمل تنعكس على الحياة اليومية في كافة المجتمعات ، بما فيها المجتمع الفلسطيني، بسبب الضغوط  النفسية ، مما يجعل الأشخاص عرضة لما يسمى  بالاحتراق الوظيفي، ما يتطلب من الأفراد التعايش معها  وتطوير مهاراتهم الإدارية والقيادية.
يعتبر الاحتراق الوظيفي من الأمراض  الشائعة،  بسبب تناقضات نعيشها سواء كانت اجتماعية او نفسية او وظيفية تسهم في تفاوت مستويات التعرض له .
وبالتزامن مع ثورة التكنولوجيا والاتصال ، سعت العديد من المؤسسات إلى الاستغناء عن عدد كبير من الموظفين والعاملين لديها في محاولة ترشيد ذلك ، 
مما أدى إلى زيادة ضغط العمل والأعباء الوظيفية على الموظفين المتبقين في المؤسسة، واضطرارهم لتحمل الظروف القاسية حفاظا على مصدر رزقهم، وأحيانا يعمد بعض المدراء إلى مطالبتهم  بالعمل لساعات إضافية دون الاهتمام بمصالح الموظفين أو معنوياتهم في غياب المحفزات .
و تعتبر هذه الظروف ،  أحد أهم محركات الوصول إلى ما يسمى الاحتراق الوظيفي، الذي نسعى الى تسليط الضوء عليه، وتحديد من هم أكثر الموظفين عرضة له وآثاره عليهم، و دور رؤساء العمل  والموظفين أنفسهم في  مواجهته .
لقد كان نبيرغر(1974) ،أول   من أطلق  مفهوم الاحتراق الوظيفي، حيث لاحظ إن الأفراد الذين يعملون في الخدمات والمهن الانسانية والذين يقدمون خدمات الرعاية الصحية ، يتشكل لديهم إحساس عالي بالتعب والإرهاق بسبب نوع العمل والتغيير في أوقات الدوام، فيرتفع لديهم الشعور بالإحباط وعدم الرضا الشخصي،  وهي احدى اولى مسببات الاحتراق الوظيفي، و يعرف الاحتراق الوظيفي على انه مجموعة من أعراض الاجهاد النفسي والذهني والاستنفاذ الانفعالي الذهني والتبلد والإحساس بعدم الرضا عن المنجز الشخصي.
  وعرفت ماسلاك (1982) الاحتراق الوظيفي،  بأنه عبارة عن أعراض مجتمعة من الاجهاد والارهاق الذهني والانفعالي، مع شعور بعدم الرضا على المستوى الوظيفي والانجاز الشخصي، وأيضا شعور الموظف بالسخط  عن القيمة المعنوية للوظيفة التي يشغلها وقلة ثقته بقدراته الخاصة للقيام بالاداء المطلوب لمهنته.
ويحدث الاحتراق الوظيفي، عندما لايكون هناك توافق  بين طبيعة العمل وطبيعة الفرد الذي ينجز الأعمال ويؤديها، والتباين بين هاتين الصفتين يعززه ويؤججه .
واذا ما تعمقنا بهذا التعريف،  نجد أن الارهاق يساوي استهلاك ونفاذ قدرات التحمل العاطفية والداخلية الخاصة بالموظف، ومن هنا تبدأ المعاناة، لأن نفاذها   يدفعه إلى الابتعاد عن الوظيفة شيئا فشيئا ويقوده إلى التقليل من  شأن وقيمة وظيفته أكثر فأكثر، ونتيجة لذلك يزداد شعوره بقلة فعاليته وحماسته للوظيفة، وبأنه لن ينجز الأهداف المطلوبة منه، ويقل مستوى الأداء والكفاءة بالعمل وتزداد الواجبات المتراكمة وغير المنجزة عليه وتزداد الأخطاء ومن ثم الشكاوي، ويتضاعف شعوره بعدم الرضا وقلة الكفاءة ويتردى وضعه أكثر فأكثر فيزداد لديه  الضغط والإجهاد النفسي والعصبي وصولا الى الاحتراق الوظيفي بدرجات متفاوتة  ، بحسب درجة تحمله ، شخصيته، نمط حياته، تحصيله العلمي، ومواقفه تجاه ضغوطات العمل،  بالإضافة إلى بيئة العمل، والواجبات التي يقوم بها ودرجة تعقيدها وعدد المراجعين والشكاوي من الجمهور وعلاقته مع الزملاء ورؤسائه بالعمل وكذا وضعه الاقتصادي.
 فالموظفون الأكثر عرضة للاحتراق الوظيفي:  هم  العاملون في بعض المهن كالتعليم، الطب، التمريض وغيرها من المهن الاجتماعية، بالاضافة الى الموظفين في الوظائف التي لا تستخدم التدوير الوظيفي والتي تميل لاستخدام طفيف للترقيات .
ويعتبر الموظفون اصحاب الطموح العالي والميل للانجاز هم الأكثر عرضة للاحتراق الوظيفي، لأنهم لا يشعرون بالرضا الوظيفي، ويميلون غالبا لارضاء جميع الاطراف ، وبالتالي إهمال حياتهم الشخصية و التعرض لأقوى كبر درجات الضغط والارهاق الذهني والنفسي والجسدي.
 وهنالك عوامل اخرى : مثل عامل عمر الموظف ، بحيث يتم النظر إلي تأثير العمر من ناحيتين، الجانب الأول ؛ كعنصر مساعد في زيادة الاحتراق الوظيفي أحيانا، وفي الناحية الاخرى فهو يعتبر عامل مساعد في التغلب على المعيقات، ولتوضيح الناحية الأولى ؛ فإنه  كلما كان الشخص أكبر سنا فهو يتعرض للاحتراق الوظيفي بشكل أكبر،  نتيجة لعدم قدرته على تحمل الإجهاد الذهني النفسي والارهاق الجسدي ، إلا أنه وفي الحالة الثانية فان من شأن الخبرة المتراكمة لدى الأشخاص  الأكبر  سنا ، أن تشعره بالراحة والرضا التام ،الأمر الذي من شأنه التقليل من احتمال  تعرضهم للاحتراق الوظيفي .

بالاضافة لكل ما سبق،  فان  طبيعة عمل الموظف سواء كانت معقدة أومتغيرة باستمرار عند بعض الموظفين ،فمن الممكن أن   تشكل لهم عبئا جسديا ونفسيا لا يمكن احتماله، مما يساهم بدفعهم إلى الاحتراق الوظيفي، خاصة إذا لم يكن بمقدورهم العمل على تشكيل  الصداقات أو العلاقات الاجتماعية، أو بسبب معاناتهم من ظروف اقتصادية صعبة والتي من شأنها ان  تزيد من امكانية تعرضهم للاحتراق الوظيفي، وبالتأكيد فان هناك موظفين تجتمع لديهم معظم العوامل الانفة الذكر في نفس الوقت معرضة إياهم إلى  مستوى أعلى من الاحتراق الوظيفي.
ان عدم ادراك الموظف للضغوط المتزايدة عليه وعدم قدرته على السيطرة على الامور ستزيد  من احتمالية  اقترافه لأخطاء في العمل مما يؤدي إلى شعوره بقلة التركيز، ومن ثم الإهمال والضياع وهذا يؤدي إلى استنفاذ قدراته و طاقاته الجسدية والفكرية والمعنوية وهو ما يوصف بدرجة عالية من الاحتراق الوظيفي والذي بدوره يتفاقم شيئا فشيئا مؤديا الى امراض صحية مفاجئة ، لذا فلا بد من الانتباه الى بعض الاعراض التي من الممكن أن تدل على أن الشخص يتعرض لضغوط  عمل مختلفة وبالتالي تجنب المزيد من الضغوط ومن الممكن الأخذ ببعض التوصيات المدونة في نهاية هذه المقالة لتجنب الاحتراق الوظيفي.
لقد تم إجراء العديد من البحوث والدراسات في محاولة لكشف سمات هامة ينبغي الاهتمام بها ليتم تجنب الاحتراق الوظيفي، وقد أثبتت الدراسات انه إذا شعر الموظف في أغلب الأحيان بأنه مريض مثلا، أو محبط ويرغب بالعزلة في المكتب او العمل، أو/و لديه رغبة قليلة او معدومة لتأدية  واجباته، أو/و لديه حالات من العدوانية وشعور بعدم الرضا عن العمل، أو/ولديه الآم غير مبررة مثل الآم الظهر، فهو لديه إحدى درجات الاحتراق الوظيفي التي تستدعي الانتباه.
إن جزءا كبيرا من المسؤولية  ، يلقى على كاهل الرؤساء،  لذا وجب على  رئيسه    مساعدة مرؤسيه لتجنب التعرض للاحتراق الوظيفي، من خلال التحفيز المستمر للموظفين بنوعيه المادي والمعنوي ، وأيضا من خلال استخدام استراتيجيات  التدوير الوظيفي لاتاحة المجال للموظف للتغيير والخروج عن الروتين  وبتمكينه من اكتساب خبرات جديدة في العمل ، لإعطاء الموظف شعورا بأهميته وقيمة عمله وضخ دماء جديدة بالدوائر ، هذا من شأنه رفع مستوى الأداء والرضا الوظيفي، ومن الممكن أيضا التقليل من ظاهرة الاحتراق الوظيفي لدى المرؤوسين ،ب تغليبتغليب  أسلوب الحوار الهادف والحوار الدائم معهم،  ولن يتأتى ذلك إلا  بفتح قنوات الاتصال والتواصل الدائم،وتوضيح أهمية الوظيفة التي يشغلها كل موظف مهما كان مستواه الادراي وإبزار مهامه وتزويده بالوصف الوظيفي والرؤية الواضحة للمؤسسة على ان تكون أعباءه ضمن الحد المقبول، والجانب الاخر من المسؤولية ، يقع على عاتق الموظف نفسه، فعليه الانتباه دائما الى مؤشرات الاحتراق الوظيفي والحرص دوما على البقاء بحالة من الهدوء بعيدا عن التوتر،  وأخذه  قسطا وافرا من الراحة يوميا وممارسة بعض التمارين الرياضية،و تناول الطعام الصحي والخضار، وتجنب السهر لساعات طويلة، بالإضافة إلى التقليل من التدخين أو الابتعاد عنه نهائيا إن استطاع، هذا كله من شأنه مساعدة الموظفين للتعامل مع الاحتراق الوظيفي.         
 واخيرا علينا جميعا أن ندرك أن لكل شخص طاقاته وقدراته ، وأنه  لا يستطيع القيام بكل شيء دفعة واحدة ، وان علينا ادارة وقتنا بكفاءة وفعالية، وفي بعض الأحيان علينا ان  نقول "لا" مع محاولة تغير ما نستطيع تغييره وخلق الأجواء المريحة للعمل ،  وأن نحاول دائما السيطرة على مسببات الضغوط مع  محاولة التجديد فيه كي لا نفقد الرغبة في العمل .

 

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الورد لغة عالمية تفوق الكلمات بلاغة أحياناً

بقلم : جميلة إسماعيل / الإمارات كانت للزهور في الماضي مهمة نقل رسائل حب ذكية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *