الرئيسية / عبق التراث / البوقالة الطرابلسية.. المسرح النسوي الخفي في مجتمع بطريركي

البوقالة الطرابلسية.. المسرح النسوي الخفي في مجتمع بطريركي

بقلم :لينا العماري

من فنون التراث الشعبي الليبي «البُوقالة» أو لعبة البوكالة وهي لعبة ابتكرتها المرأة الليبية للتحايل على الإفصاح بمشاعر تعتقد أنَّ من العيب البوح بها، من حب أو ألم أو فرح أو شكوى، لتتحول إلى تسالٍ ليلية تجتمع عليها النسوة والفتيات المراهقات، وتصبح من أنواع الموروث الشعبي للأمثال بعيدًا عن الموروث الشعبي الذكوري.

فالبوقالة وقت اجتماعي حميمي يتخلله التحاور والتعقيب والنصح والإرشاد وكل ما هو متاحٌ للتواصل النسوي بين الأجيال من الجدة إلى الحفيدات.

يقول الفنان الليبي الهادي حقيق في الجزء الأول من سلسلة «كلام الزين»: «في أحد البيوت، أيّ منها!، وقبيل أن تخلد الأجساد والنفوس للنوم بقليل.. فيما النعاس يداعب الجفون، والأرواح على مقربة من تخوم ممالك الخيال والأحلام.. ينساب صوت الجدّة المباركة وهي تهمس بتؤدة وتأنٍ بكلمات صادقـة وبسيطـة تهتزّ مع حروفها، على حياء، قلوب فتيات البيت وهن ينصتن بشغفٍ ومحبة..

كانت أعين البنات قد تعلقت بشفتي جدتهن الغالية يتتبعنها في ترقّب وشوق ولهفة وهي تتمتم: (بسم الله بديت، وعالنبي صليت، يا غايث كل مغيث، غيثنا واستر عيوبنا). وهي كلمات تعني أنَّ الجدة قد باشرت لتوّها لعبة البوقالة، تلك الظاهرة التراثية النسائية، التي تلج الصبايا من خلالها، بسهولةٍ ويسر، إلى عالم فسيح لا يُحدّ من الحلم والأمل والرجاء والفأل الحسن».

وفي تعريف للبوقالة يقول حقيق: «البوقالة في اللهجة الليبية هي الآنية الفخارية التي يُشرب منها، وهي كالبرّادة عدا أنها طويلة العنق ضيّقة المشرب، أمّا في الجزائر فإنها تعني الإناء الفخاري الدائري الصغير، كانت تستخدم قديمًا في هذه اللعبة، إذ كانت الصبايا يضعن خواتمهن في هذا الإناء بعد أن يتم ملؤه بقليل من الماء، ليتم اختيار الفتاة التي ستُخصّ 

بوقالة، عند إخراج خاتمها عشوائيًّا من هذه البوقاله الفخارية، وذلك زيادة في التشويق والإثارة للعبة على ما يبدو».

أمّا عن مواضيع البوقالة، يقول حقيق إنها مواضيع شعر: «ففيها من الفخر والمديح والتشبّب والرجاء والدعاء والفأل الطيب الكثير، كما أنَّ فيها الكثير من اللوعة والتحسّر والحزن على فراق الأحبة والأمل في أن يجمع الله الشمل من جديد، وتزخر البوقالة بالدعوات الخيِّرة للأب والأم والأخ والأخت والأقارب والأصحاب والأحباب، ولا تخلو، أيضًا، من هجاء وردود قاسية على أقاويل وكذب الأعداء من الخصوم والحاسدين».

كما وصف الهادي أجمل خواص اللعبة وهو تفهّم الجيل القديم لاحتياج الفتيات والصبايا: «لسماع أبيات الحبّ اللطيفة العفيفة، الصريحة أحيانًا والمستترة أحيانًا أخرى، وتفهّم حاجتهن إلى الأمل والحلم والثقة في المستقبل. لتنام الفتاة من بعد لعب البوقالة وهي مطمئنة إلا أنَّ 

نصيبها وحظها في الحياة من الفرح والسعادة هو بيد الله الذي لا يغفل عن أحد من خلقه سبحانه».

وللباحثة والكاتبة الليبية فاطمة غندور سطورٌ ترصد فيها الحالة والحاجة التي جعلت المرأة تعتمد هذا النوع من الأمثال والألعاب واللقاءات الحميمية، إذ وصفت أمسيات البوقالة بأنَّها كالمسرح وتكمل: «فما أن تشير السيدة الحافظة إلى الفتيات حتى يتجمعن حولها، فالبوقالي الفضاء الاجتماعي المتاح في مجتمع بطريركي (سيادة الأب) محافظ لا يتعدى دور المرأة فيه الاهتمام ببيتها الذي لا تغادره..

لذلك تقول ذاتها لذاتها وتعيد تكرار ذلك، تبث حواسها وحيرتها المرتهنة بصراعها الدائب من أجل أن تتحقق متطلبات بقائها وفق الأعراف والتقاليد المرعية.. والبوقالة التي ترد بلهجة شعبية دارجة لا تكلف فيها مفرداتها عفوية بسيطة لا قافية فيها إلزامية. أما فضاؤها الجغرافي فمحدد أجزاء كبيرة من المدن الليبية وإن كانت مركزيتها طرابلس وبنغازي وقد تتغير بعض كلماتها، إلا أنَّ المضمون واحدٌ».

بوقالة طرابلسية

لِلّتي فاطمة يا لِلّتي فطّوم..

لآك في السمي قنطره..

لآك في الوطى سلّوم..

نخدم عليك ولو في بلاد الروم».

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

“البكبوكة”.. طبق راسخ لدى الأسر الوجدية في عيد الأضحى

بقلم : د . الحسين العوان / قــطــر يعد طبق "البكبوكة" من العادات والتقاليد المحلية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *