الرئيسية / آراء و مواقف / نجاة الماجد .. رحلة الهروب من الواقع الحياتي إلى الواقع الشعري برداء الشكوى

نجاة الماجد .. رحلة الهروب من الواقع الحياتي إلى الواقع الشعري برداء الشكوى

بقلم :عبد الله جمعة 

إبتعادا عن الشاعر الإنسان إلى الشاعر الشاعر ؛ وإن كان هناك رابطا ما بينهما ،فإن الشاعر الإنسان هو وجه العملة المتصدي للمشهد الحياتي الواقعي ، والشاعر الشاعر هو وجه العملة المتواري والمتصدي للواقع الشعري

وحين أتحدث عن الواقع الحياتي ؛ فإنما أعني تلك الحياة الإنسانية التي يحياها الشاعر كسائر بني البشر ، مواجها نواقص هذا الواقع وتحدياته المؤلمة وإبتعاده البيِّن عن تلك الرؤى الحالمة المظُلَّلَة بمُثُل الرمانسية العليا .. فإذا أبى الشاعر الإنسان التعاطي مع هذا الواقع الإجتماعي بما يحمله من مادية مفرطة ورغبات مُحْبَطَة توارى واستدار للوجه الآخر ؛ وجه الشاعر المثالي مختلقا واقعا جديدا قد إبتناه من خيوط المثالية والمُثُل العليا حيث يحيا خلال لحظات التوهج الشعري تلك الحياة التي ينشدها في واقعه الإجتماعي ولم يجدها ..

وهنا وجب أن أنوه أن الشاعر خلال رحلته الشعرية يسعى – لا إراديا – إلى تكوين شخصيته الشعرية ، فهو في واقعه الإفتراضي إنما يقوم بنقل واقعه الإجتماعي بمفرداته المرهقة إلى واقعه الإفتراضي – الواقع الشعري أعني – ثم يقوم بتسليط أسلحته الشعرية تجاه مفرداته محاولا هزيمتها في الواقع الشعري بعد أن فشل في هزيمتها في الواقع الإجتماعي , وهنا يكمن الإبداع الشعري ؛ فالشاعر ليس موكولا بتحقيق كل النجاحات في الواقع الإجتماعي ، لأنه لو حقق ذلك لفشل في واقعه الشعري ،لأن الشاعر من صميم هدفه الضرب على نواقص الواقع الإجتماعي ،والسعي لإكمالها في الواقع الشعري .. فالشاعر في حال من التوثر الدائم ،إذ إنه في حال صراع دائم مع واقعه الشعري طالبا إلى إكمال نواقصه . وهو في رحلته الشعرية إنما يسعى – كما قلت – إلى تجهيز أسلحته ومعداته لضرب نواقص هذا الواقع.

والشاعر يمر برحلة طويلة تنقسم إلى مراحل متتالية – لا إرادية – من أجل بناء القدرات الخاصة لمواجهة ذلك الواقع ، التي يسطلح على تسميتها   بـ ” زواية الرؤية ” أو ما يطلق عليه بعض منظري الأدب ” الشخصية الشعرية ” , والشاعر خلال رحلته مارا بمراحل النضج الفكري يقوم بانتخاب الوسائل التي يستطيع بها مواجهة هذا الواقع الشعري وحين يصل إلى مرحلة الثبات على الأدوات فقد نجح في بناء شخصيته الشعرية أو قل زاوية رؤيته لهذا الواقع …

ومن خلال رحلتي في البحث الشعري أحصيت ما لا يقل عن أربع وثلاثين زاوية رؤية أو شخصية شعرية ؛ فمن الشعراء من يتخذ زاوية التهكم على نواقص هذا الواقع صبغة شخصية له حيث يقوم بعرض تلك النواقص ثم ممارسة التهكم والسخرية عليها محاولا تحقيق عملية تَشَفٍّ في ذلك الواقع المؤلم , ومنهم من يتعامل مع نواقص هذا الواقع بلون من التلذذ بآلام هذا الواقع ، حيث يحول مصادر الألم إلى حالة من إستعذابه , ومنهم من يجعل سلاحه الإستعلاء على هذا الواقع وإبراز مدى تفاهته  وعدم قدرته على الإرتقاء إلى السمو النفسي الذي يعيشه الشاعر …

وحين تعرضت للشاعرة نجاة الماجد من خلال متابعة لنصوصها ، أيقنت أنها قد وصلت لتلك المرحلة من النضج الفكري الشعري حيث نجحت في بناء شخصيتها الشعرية أو زاوية رؤيتها لواقعها الشعري ، فقد إرتدت درع ( الشكوى والأنين ) كزاوية تواجه بها ذلك الواقع.

إن المتابع للنصوص الشعرية لنجاة الماجد،  ليجد نفسه أمام شاعرة شَكَّاءَةٍ بدرجة الإمتياز ؛ بكل ما تحمله الشكوى من رفض للواقع وتفنيد لنواقصه وتعديد آثاره الأليمة عليها ، ثم محاولة للمقارنة بين قيم ذلك الواقع المؤلمة وقيم الشاعرة الحالمة .. ومحاولة رسم صورة مثالية لذلك الواقع المنشود من خلال حلم دائم لا ينقطع وهو السلام لا العدوان.

إن الشاعرة في قصائدها الغزلية التي تغلب على إنتاجها الشعري ، حتى تكاد تكون الطابع السائد على منتوجها الشعري ،حيث هي في رحلة بحث دائم عن الحب المنشود وشكوى دائمة من قيم الحب الموجود.

تكاد تكون الشكوى هي الصبغة الغالبة على كل ما تنتجه ، حتى بعيدا عن الطابع الغزلي وفي رثائياتها ،فهي تتخذ من طابع الشكوى لونا شعريا خاصا بها.

هي في قصيدتها ” الجرح إذا تنفس ” تقول :

روحــي تــزُفُّ لـكـم فـصولَ روايـةٍ    …    حُــبـلـى بــآهــاتِ الـعـنـاءِ كـثـيـرا

إن التي سوف تروي لنا فصول تلك الرواية ليست الشاعرة وإنما ” روحها ” ؛ هنا أدخلتنا  نجاة الماجد  إلى واقعها الشعري الإفتراضي ،فنحن إذن في دائرة عالم المثل لدى الشاعرة ،وهي تنبئنا أن من يحدثنا ؛إنما هو وجه الإنسانة الشاعرة لا وجه الشاعرة الإنسانة التي تعيش الواقع الاجتماعي وتتعايش معه بما يحمله من نواقص ؛ فهي إذن بكلمة ” روحي ” قد نقلتنا إلى عالمها الخاص الافتراضي ” الواقع الشعري ” وهي وإن كانت تعلن أن روحها ” تزف ” محاولة إخفاء شكواها ،إنما هي تعلن من خلال ما يعرفه البلاغيون بـ ” المدح في معرض الذم ” وكأنها تتهكم على حالها الحياتي ثم تتلو ذلك بأن فصول روايتها إنما هي ” حبلى بآهات العناء كثيرا ” هي تعلن أنها ستتخذ من سبيل الشكوى منهجا تواجه به واقعها الشعري ويتجلى ذلك بقوة البيت التالي لهذا البيت :

نـفـسي مُـكـبلّةٌ ولـونـي شـاحِبٌ    …    ومـراكِـبِي غـرقـى وبـحـري حِـيـرا

ولكي تؤكد أنها تتخذ من ثوب الشكوى رداءً لها وصبغة لشخصيتها الشعرية، فإنها في البيت التالي، تنبئنا بأنها قد أصبحت خبيرة بتلك الشكوى ،عالمة بكيفية مواجهتها وكأنها الأكثر دراية من غيرها بنوازع تلك الشكوى ومفرداتها :

عُـمري ومـا أدراكَمـا عُـمري فقد    …    جـعـلَ الـزمـانُ مــن الـفؤادِ خـبيرا

إن رحلتها مع معاناة ذلك الواقع ،إنما تمثل عمرها كاملا فاختزلت ذلك في قولها ” عمري ” ولكن عمرها ليس كأي عمر، فهو مديد بما واجه من تحديات ومعاناة فتعقب بتعجب ” وما أدراكما عمري ” ويبدو من هذا التعجب مدى قدرتها اللغوية في إختيار التعجب بـ ( ما أفعل ) دون غيرها من صيغ التعجب حيث ( ما ) التعجبية ،وما تحمله من تعميم وانتشار ثم إردافه بفعل التعجب الذي يؤكد فاعلية الحدث وحركته الدائبة لتؤكد على سعة هذا العمر ،بما واجهه من تجارب وآلام ثم تكشف أن فؤادها قد بات خبيرا بتلك الآلام على كثرتها ، فمن الذي علم فؤادها كل تلك الخبرة ؟ إنما هو الزمان وما يحمله من إمتداد.

ودائما ، إشارات الشَّكَّاء إعلان الندم والأسف على ما فات من أفعال ،إنما من شأنها أن توقع الشكاء في الندم وها هي الشاعرة تتجه إلى إعلان أسفها :

قـلـبي رمـيتُ بـه فـمالي والـهوى    …    إن كــان مــن أهـواهُ صـارَ سـعيرا

ويتجلى الأسف هنا في إستفهام صارخ بالحسرة والندم في قولها ( فمالي والهوى ؟ ) فهي التي أوقعت نفسها في أتون إيلامها ،ظنا منها بأنه نعيم ،فإذا الذي تهواه قد تحول جحيما بما يوقعه في نفسها من عذابات.

إن الشكاء في لومه نفسه ،لا ينسى أن يبرئها في طيات تلك الشكوى ، وكأنه يبين أن براءتها إنما هي التي أوقعته في تلك العذابات تقول :

                                                                      

ذاك الـذي شـبَّ الغرامَ بِمُهجتِي    …    غـيْـري أحــبَّ مــن الـنساءِ كـثيرا

مـلّـكْـتُهُ عـــرشَ الــفـؤادِ جـعـلتُهُ    …    بــيــنَ الــضـلـوعِ مُـنـعـمّاً وأمــيـرا

ولـكم شـكوتُ لـهُ الأنـامَ وظُلمهُم    …    وظـنـنـتُ ألــقـى عــنـدهُ تـصـبـيرا

لـكِـنّـهُ اتــخـذَ الـشِـكـايةَ خـنـجـراً    …    وعــلـى فــؤادي ســدّدَ الـتـحقيرا

ألـقـى سـهـامَ الـلومِ دونَ هـوادةٍ    …    مـــا كـــانَ هـــذا بـالـغرام جـديـراً

فذلك الذي أشعل في نفسها الغرام لتتعلق به وحده هو الملوم، إذ إنه كان يحب كثيرا من النساء ،ثم تعلل أسباب ألمها الحقيقي ؛حيث اطمئنت له وملكته أسرار شكايتها ، فاستغل تلك الشكاية كسلاح يحاول أن يصغر من شأنها .

إن الشكاء لا تخلو شكواه من إظهار حسن ظنه بالآخرين، وكيف إستغل  لحسن الظن  بهم ،لتحقيق منافعهم ،فلكم شكت لذلك المعذِّب حسنة الظن بأنه سوف يكون دواء يصبرها على ما تشكو منه.

إن دائرة الشكوى تكاد تسيطر على اللغة الشعرية لنجاة الماجد ،وكأنها بمحض إرادتها دخلت تلك الدائرة، ولا تريد الفكاك منها فالمطالع لمرثيتها ” دموع الشعر ” يجدها قد إرتدت لسان الشكوى ،وتمثلت شكواها في إظهار إنعكاسات رحيل ذلك الأب على ذاتها فهي لم تقف لتعدد مآثر المرثي ،كما اعتدنا الرثاء العربي ،وإنما حولته رثاءً للذات صارخة بصوت الشكوى على ما آل إليه حالها بعد الفقد .. تقول :


دمعاً من اليُتم أم دمعا من الكمدِ
بكيتُ فابتلّ توبُ الشِعرِ في خلَدِي 
..
رحلتَ ياأبتي فجراً فألبسني 
حُزني ثيابَ حداد الفقدِ للأبدِ
..
فقدي عظيمٌ وفقدي ليس يشبِههُ 
فقدي حبيبي أبي من كان لي سندي
..
مُذ غادر الدارَ والأحزان تفتِكُ بي 
خمسون شهراً جرى دمعي على خدِّي

فعلى الرغم من الحزن الشديد الواضح الناتج عن فقد الأب،  إلا أنها لم تنس أهم سمات الشاعر الشكاء وهي الذاتية المفرطة ،فأحالت ذلك الفقد إلى آثار وقعت عليها ،وجعلت تعددها في مطلع القصيدة .. حتى لكأننا لا نكاد نرى مآثر المرثي من فرط ذاتية النفس الشكاءة عند نجاة الماجد ، وهذا بالقطع ليس إنشغالا عن المرثي ،وإنما منتهى الذاتية في بيان لقيمة المرثي العالية.

ولأن واقع الشاعرة الشعري أهم نواقصه ،فقد الإحساس بالحب من حيث هو حب مجرد ،فقد عرجت عن رثاء المتوفى إلى رثاء ذاتها، محاولة إظهار التعويض النفسي عن آلامها وإحساسها بالفراق  ليكون أهلا لإعتلاء ناصية حبها :

..

ياطارِق القلب عُقب اليُتمِ  معذرةً 
أوصدتُ قلبي عن حُبٍ به نكدي
..
لاتقطعِ الوعدَ تلو الوعدِ تحسبُني 
يُغريني الوعدُ أو يُسلي من الفقدِ
..
ياطالب الوصلِ ماللوصلِ من أملٍ 
إن كنتَ تبني خياماً دونما وتدِ 
..
لاتحسب الحب أقوالاً مُنمقةً
كلا ولا الحبُ أكواباً من الشهدِ
 ..

لقد تحولت إلى عالم مُثُلِهَا الإفتراضي محاولة رسم ما تبتغيه من حب حقيقي ،له دعائم مثالية تنأى بها عن التنكيد والألم ،  فليس الحب الحقيقي بوعود زائفة ،وإنما  حب  يعوضها عما فقدته من حنان الأبوة ودفئها .. فالحب المثالي عندها إنما هو حب العطاء لا حب الرجاء.

غاية الأمر فنحن أمام شاعرة شَكَّاءَةٍ من الطراز الفريد ،فتلك هي شخصيتها الشعرية التي إختارت لنفسها ،حتى تواجه واقعها الشعري محاولة سد فجواته وغلق ثغراته بصوت الشكوى المتلاحق المستمر ..

وتلك هي نجاة الماجد الشاعرة التي وصلت إلى مرحلة النضج الفكري، واختيار لونها الأدبي المميز الذي يمثل زاوية رؤيتها لواقعها الشعري الذي  تواجهه بالشكوى والكمد .

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

محمد مفتاح… في التجديد الفكري والنقدي

بقلم : أذ / رشيد سكري / المغرب  من بين المشاريع النقدية الوازنة، التي واكبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *