الرئيسية / آراء و مواقف / نجيب محفوظ .. بين الفلسفة والتصوف

نجيب محفوظ .. بين الفلسفة والتصوف

محمد عطية محمود / مجلة الهلال 

 

يتعانق المفهوم الفلسفي باتجاهاته المتعددة، مع المفهوم الإنساني والإبداعي والحياتي إلى حد كبير في الكتابات السردية لعميد السرد العربي “نجيب محفوظ”، مع الحس الصوفي المتغلغل، والذي يغلِّف كل الأطر الساعية إلى تجسيد حالة سردية مرتبطة بالواقع ومنطلقة منه، وباحثة في الوقت ذاته في أغوار الذات الإنسانية ومعادلات وجودها الملغزة لمحاولة سبر غور الحقائق القابلة للتأويل ووضعها على محكات هذا الوجود، ومن ثم محاولة إيجاد الحلول والمخارج لأزمة الإنسان مع واقعه، ومع مفردات تورطه في إحداثيات الوجود، وكنسق قيمي يحكم العلاقة بين الفرد وكل ما يحيط به من علاقات مادية وروحية، وتشعبات لما يمكن أن نسميه علائق الوجود بالحياة.. إذ أن صوفية المعنى تنطلق لكي تتعامل مع روح الأشياء وجوهرها قبل ماديتها ومظهرها الخارجي، ما يجعل التوحد مع بعض الحالات والرموز فرضًا من فروض عين الباحث عن وجوده من خلال روحه التي تهيم وتحلق حتى وسط ركام العلاقات المادية لتحقق وجودها وغايتها من الحياة وفيها ومعها.
نجيب محفوظ والفلسفة
يشغل الجانب الفلسفي، ركنا مهمًا ومؤسسًا، ومعضدًا للمسيرة الإبداعية لـ “نجيب محفوظ” ارتباطًا بأسلوب حياة وفكر، ودراسة متعمقة كان لها بليغ الأثر في التكوين العلمي والمعرفي لتلك الشخصية العميقة التي تجاوزت ذاتها قبل أن تتجاوز الآخرين، كما تجاوزتهم في حق الظهور اللافت على المستوى العالمي بغض النظر عن حصوله على جائزة نوبل للآداب التي لم يحصل عليها كاتب عربي غيره!!.. فضلا عن تغوره في كافة مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية لمجتمعه وواقعه المحيط، بدءًا من أعماله الروائية السردية الأولى والتي بدأها قاصًّا يسبر غور الحياة من خلال مجموعة من القصص القصيرة ذات البعد الفلسفي العميق في أغلبها في مجموعته البكر “همس الجنون”، والتي عانق فيها مفهوم عبث الوجود من خلال نصوص مائزة برغم تقليديتها وكلاسيكيتها وافتقادها للكثير من سمات النص القصصي الحديث، إلا أنها كانت انطلاقة ونبتة مهمة للانتقال إلى مرحلته الواقعية الاجتماعية التي أبدع فيها روايات: “القاهرة الجديدة”، و”خان الخليلي”، و”زقاق المدق”، و”السراب”.. ثم انتقاله إلى ملحمة الثلاثية التي كانت تأريخًا فنيًّا ومثالًا للتعامل مع الحقب الزمنية الممتدة.. هي الفترة الزمنية التي لم يظهر لنجيب محفوظ أي مجموعة قصصية، لتأتي مرحلة المرايا (1971/1972) وما بعدها، التي عاد بعدها العملاق لكتابة القصة القصيرة وإصدار مجموعاتها بكثافة كي تتوازى كتابة القصة القصيرة ببعدها الفلسفي والنفسي مع الروايات التي تخطت مرحلة الواقعية الاجتماعية والتأريخية إلى معانقة المفهوم الفلسفي والميتافيزيقي..
هذا التأثر الشديد والعميق بالفلسفة دراسةً، وحسًّا خادمًا للعملية الإبداعية التي عبَّر عنها “نجيب محفوظ” في أحد حواراته الثرية، عاقدًا جدل العلاقة بين الفيلسوف والأديب، وما بينهما من روابط إنسانية وفكرية تعانق الهم الوجداني والذاتي والوجودي.. سابرًا غور المبدع بداخله، ومميطًا اللثام حول بعض الإشكاليات التي أثارتها دراسته وتخصصه في الفلسفة كعلم:
“ومهما يكن من أمر فإن هذا الرأي لا يضيرني في شيء، بل لعله يعطيني أكثر مما أستحق.. وأود أن أقول هنا إن الأدب الفلسفي لا يعطى كاتبه الحق في أن يتسمى بالفيلسوف؛ فهو أدب ينفعل بالأفكار في مجراها الحياتي.. ولا يكاد يختلف عن بقية الأنواع الأدبية.. ولكن في أحوال نادرة قد يجمع الكاتب بين الأدب والفلسفة.. فيكون فيلسوفًا بالمعنى الحرفي لكلمة.. ويكون له في ذات الوقت نزوعه الأدبي البارز.. مثل سارتر وكامو مثلا”
ولعل روايات مثل: “ميرامار”، و”اللص والكلاب”، و”الطريق”، و”الشحاذ”، و”السمان والخريف”، و”ثرثرة فوق النيل”، و”قلب الليل”.. تمثل نماذج واعية ودالة على الانخراط في هذا الحس الفلسفي الوجودي الذي يقود عملية البحث والتقصي، في مناحي الحياة وأغوار الشخصية الواقعة تحت تأثير أزمتها النفسية والاجتماعية والسياسية على حد السواء، انطلاقًا من توحد الكاتب مع ما يدور حوله خصوصًا في مرحلة قد تكون تشبعت بحس الانكسار والهزيمة الذي أتت به مرحلة النكسة أو ما بين عامي 67 و73 من حس متغلغل في الواقع العام ومتشرب بقضاياه وهمومه التي تلقي بظلالها على الواقع العام للوطن، اتكاءً على عدم انفصال الكاتب ووعيه الحاد عما يدور حوله، تفجيرًا لأسئلة الوجود الفلسفية التي لا تتوقف، وترتبط ارتباطًا حميما بهذا الوجود الإنساني الذي يتقلب دائمًا على جمر الشك واليقين، ذلك الذي يدفع الحس المعرفي/ الفضولي للتغلغل فيه وإنتاج شبكة العلاقات المعقدة بداخله المتأثر بالبيئة/ الواقع الذي يحيط به..
ذلك مما يعطي للعملية السردية من خلال النماذج الذي تتعرض لها الدراسة، هذه السمات المائزة التي تؤكد على النهل من كل تلك الموارد الإنسانية التي تقيم صلب العملية الإبداعية من سمات كل رافد من تلك الروافد الثلاث، فتتجلى تعددية الذوات التي تتوالى على العملية السردية بتقنية البوليفونية/ تعدد الأصوات/ الذوات المتوالية على حالة الأزمة وفعلها في محاولة لرد الفعل ومواجهة المصير الإنساني وسؤال التحقق الإنساني الفردي/ الوجود، مع خلال العلاقة مع المجهول والمتمثل غيبيًا في أمور قد تحدث كما في رواية “ميرامار”، أو ثلاثية وجود فاعلة للمرأة بعناصرها المتباينة والمتشابكة والجدلية في رواية “الطريق”، ومن ثم تأثيرها على ضمير النص الإبداعي الذي يتحدد مصيره وربما الإجابة على سؤال وجوده من خلالهن.. وفلسفة أسئلة الوجود الضائعة في رواية “اللص والكلاب”، وأجوائها المتشعبة التي تدق الأجراس للمجتمع الواقع تحت تأثير ازدواجية وجوده.

مع ما يجمع تلك الروايات الثلاث من خيط صوفي روحاني يتردد في جنبات السرد/ الواقع ليعطي هذا الزخم الذي يتضافر مع سؤال الوجود وسؤال اليقين والشك والإيمان وضده المتردد في كل نص من تلك النصوص العامرة بالصراع وآليات المواجهة والانسحاب من على وجه الحياة على حد السواء، والصراع القائم بين الممكن تحقيقه والصعب تحقيقه والمستحيل تحقيقه من غايات الإنسان/ الفرد في مواجهة آلة المجتمع، وهذا الخيط الشفيف الذي يربط بين ذاك التوجه الفلسفي، وهذا الفيض النوراني الروحاني الذي لا يكاد يكتمل تأثيره أو دوره الفاعل في إحداث التغيير على ساحة الوعي.

التصوف في اتجاه الحياة
تبدو الإلماحات الأولية لعلاقة نجيب محفوظ بالتصوف كسمة حياة من خلال قوله: “لقد أخذت التصوف في البداية على أنه أدب روحي رفيع لكني تأثرت به تأثرًا خاصًا‏,‏ فالتصوف بالنسبة لي لم يجعلني أنفصل عن الحياة أو أزهد فيها‏,‏ بل العكس جعلني أتخذ من تربيته الروحية وسيله لتحسين علاقتي بالحياة ومن ثم بالناس وبالعمل‏”
وكذا إلى جانب تبئير للحالة الصوفية التي تتجلى ليكون لها الكلمة العليا من خلال المكان ومن خلال رمزه الأكبر ودواله المتناثرة التي تقيم أساس العلاقة الناشئة من العدم على مستوى الشخص أو مستوى المكان أو الإحالات التي يلعب عليها في ملحمة “الحرافيش” بنموذجها المضيء عاشور الناجي وما تطرحه هذه الشخصية من جدلية العلاقة بين الفلسفة الذاتية/ أسطورة الذات مع تجليات الحالة الصوفية الفطرية المتكاملة..
“لقد أثر – التصوف – في بعض المضامين التي حوتها أعمالي، وكذلك في بعض الأساليب‏,‏ وقد ظهر ذلك بشكل واضح في روايات “الطريق” و”ثرثرة فوق النيل” و”ليالي ألف ليلة” و”ملحمة الحرافيش”‏,‏ وفي هذه الأعمال كان التصوف موجهًا أيضًا نحو الحياة ولم يكن هروبًا من الحياة‏” ‏
تلك التي يكتمل بها ملمح مهم من ملامح الصوفية والذهنية العالية لفلسفة الوجود والوعي الحاد بالحياة في نصوص “أصداء السيرة الذاتية” التي تمثل انقلابًا مهمًا ومحوريًا على مستوى كتابة النص السردي القصير الماكر الذي يفجر فضاءات مدوية للروح وتجلياتها وفلسفة تعامل الذات مع الحياة بذاك الوعي الحاد المشرب بالحكمة والرؤية التي تجمع في ثقابتها بين الرؤى والأحلام والنظرة المستشرفة للقادم بوعي شفيف، وفلسفة الوجود التي تعطي لكل ذي قدر قدره من خلال لماحية عالية ولغة مختزلة قد تعبر إلى حد بعيد عن العلاقة الوطيدة بين الفلسفة ولغتها المعبرة والأدب ولغته الإشارية الدالة والتصوف الذي ينفخ تلك الروح في هذين العنصرين، والتي ربما اختزلت في قول النفري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”..
وكما تقول الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن علاقة نجيب محفوظ بالتصوف: “يشبه فن نجيب محفوظ التصوف الذي يحبه؛ فهو مليء مثله بالإشارات والأسرار والرموز‏؛ فالتاريخ الواسع الصبر والأغوات الذين يصنع لهم التاريخ‏,‏ والشيخ الظريف‏,‏ والقبر الذي يتساوي عنده المساكين والجبابرة‏,‏ وإنسان الفقاعة في مجتمع فقاقيع‏,‏ واحترام إنسانية الإنسان الذي لا يحيا بالخبز وحده‏،‏ وموت الأموات وموت الأحياء والبحر الذي استراح وأخلد إلي أحلام اليقظة وأسراب السمان التي تتهادى إلى مصير محتوم عقب رحلة شاقة مليئة بالبطولة”.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الورد لغة عالمية تفوق الكلمات بلاغة أحياناً

بقلم : جميلة إسماعيل / الإمارات كانت للزهور في الماضي مهمة نقل رسائل حب ذكية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *