الرئيسية / رحيق الأدب / من قديم الهبل..الرؤوس
الدكتور محمد علي الرباوي أديب مغربي

من قديم الهبل..الرؤوس

بقلم :الدكتور محمد علي الرباوي / المغرب

حل الليل ثقيلا في غرفتي ، ألقيتُ بجسدي الهشِّ على السرير، ضغطت على زر؛ فتوارت الأنوار الكهربائية بعيدا . أغمضتُ عينيَّ. صرت أتقلب في الفراش بحثا عن غفوة تريح الجسد من تعب النهار. تذكرتُ طفلةً عمرها سبع سنوات، كانت تحضر قراءاتٍ شعريةً أحيتها مدرستُها، ألقيْتُ مختاراتٍ من قصائدي التي كتبتها خصيصا للأطفال. بعد أسبوع، قالت الطفلة لأبيها، وهو صديق عزيز:"أريدك يا أبي أن تضرب لي موعدا مع الشاعر". أجاب الأب:"لِمَ؟". قالت :" أنا أصبحتُ أكتب الشعر، وأريد أن يَطلع على كتاباتي"، ثم أضافتْ:"لِمَ تُعْطَى دروسٌ خصوصية في الرياضيات، ولا تُعطى مثل هذه الدروس في مادة الشعر؟". ضحكتُ وأنا أتذكر هذا الحوار بين الطفلة الذكية المجنونة العاقلة وبين أبيها . تذكرتُ رحلتي مع وَسَّاط إلى مضارب بني عبس، تذكرت سيارتَه الفخمة، وتساءلت كم يلزمني من العمر، ومن الدم، لأحصل على واحدة كتلك السيارة. تذكرت..ثم استسلمتُ
لنوم عميق.
نسمة صباحية تسللت إلى غرفتي. تحسست سريري بيدي اليمني. أمر غريب، ضغطت على الزر الكهربائي، لكن النور لم يعبر الغرفة، مع أن أغنية أسمعها تبثها التلفزة التي تركتها تشتغل كعادتي كلما أحسست بالأرق. تحسست من جديد سريري، فإذا بي جسد غادره رأسُه. قمت فزعا، بحثت عن رأسي هنا وهناك، في كل زوايا الغرفة .
قررت أن أخرج؛ لأبحث عنه خارج البيت. مررت بالحَّمَّام. وقفت أمام المرآة؛ لأحلق لحيتي. رَفَضَتْ المرآةُ أن تريني نفسي. خرجت. كل شيء مظلم. تمنيت أن أجد شخصا؛ لأسأله عن رأسي إن مر به. وأنا أعبر الطريق سمعتُ صوتا يقول لي: "انتبه ، ستدوسني قدماك". قلت في نفسي :" الحمد لله، هذا رجل سأسأله عني؟": قلت له: " من أنت؟" قال:"أنا رأس عنترة بن شداد؟". قلت: "أتمزح؟". قال:"أنا رأس عنترة ، غادرتُ جسده كما فَعلتْ كل الرؤوس التي التقيت بها بهذه المدينة."قلت له: "ما الأمر؟" قال: "نحن الرؤوس اتفقنا على أن نغادر هذه الأجساد النتنة، ما عدنا قادرين على تحمل متطلباتكم". قلت: "من حرضكم على هذا؟ ". قال: "رأس أحمد بوزفور، ورأس الشنفرى، اجتمعا، وقررا أن يتصلا بكل الرؤوس، وأن يطلبا منها ما طلبا" .ثم سألته: "هل مَرَّ بك رأسي ؟" قال: "نعم، ولكنه غادرني إلى كلية الشعر؛ لأنه سمع أن رأس الخليل الفراهيدي سيلقي محاضرة في علم الإيقاع". قلت له:" دلني عليه رجاء" ..
في الطريق إلى كلية الشعر فكرت في أن أحمل رأس عنترة، وأركبه في عنقي وأرتاح من رأسي . ولكني خشيت أن ألتقي بجسد عنترة فيقطع رأسَه بسيفه البتار. دخلنا المدرج. كانت الرؤوس جالسة في الأمام. كانت الأجساد جالسة في الخلف. أخذت مكاني. دخل رأسُ الخليل وبدأ محاضرته قائلا: لو استوعب الإنسان الإيقاع. تدخل رأس وسَّاط قائلا: نحن فقدنا أجسادنا، فَعَلِّمْنا ياشيخَ البصرة كيف نسترجع أجسادنا؟ رد رأسُ الخليل: "الشعر يصنع المعجزات. ولكن ألا ترى معي أيها الرأس الذكي أن من المصلحة أن يفارق الرأس جسده، ألا ترى أن الإنسان يجلس بجانك، تحدثه ولا يسمعك؛ لأن بأذنية سماعتين تنقلانه إلى عالم يفصله عنك؛ لهذا من الأحسن أن يغادر الرأسُ الجسد". تحسست عنقي فإذا برأس جديد ينبت لي. فرحتُ.. خرجتُ من القاعة دون أن يشعر بي أحد. قررت أن أحتفظ برأسي وألا أسمح له بمغادرتي

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

قُدسِيَّة

  شعر: صالح أحمد (كناعنة)/ فلسطين   يا امرأةَ الأحلامِ السَّكرى، يا عَطَشَ البَرقِ لأغنِيَةِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *