الرئيسية / رحيق الأدب / صـــدمــــات

صـــدمــــات

بقلم : أذ . عبد العالي بنلغازي / الــمـغـــرب 

انطلقت صوب المستشفى، والسعادة تنتشر في ربوع جسدي المعطر بأمل العيش كما أريد، العيش على نغمات نبض محبوبتي "عفة" والتي لم يعد يفصلني عنها سوى دقائق معدودة، حينها لم أتمالك نفسي  كأني تشكلت  من قطرات غيث أو من أنفاس السعادة، ها أنا أرقص كالمجنون، وأمشي بخطوات تترك  وراءها كل أحزان الماضي، وكل خيباته ومواجعه، نسيت كل ما مر بي وكأني لم أتذوق طعم الألم من قبل. ها أنا قادم إليك يا مملكتي، يا حضارتي ومنبع السرور في حياتي. ها أنا أقترب منك لأتشكل هواء تتنفسينه يا معجزتي، فكن شاهدا أيها الزمن على هذه اللحظة التي يتقمص فيها الفرح شخصيتي، فيرفع غطاء التعاسة ليتوحد الفرح بروحي فتفوح منها رائحة الزهر والأقحوان فتنجلي بذلك كل المواجع عن الأرض، فيهتف نبض قلبي :"عفة"..
ليستمر السير  على أمل ألا أمرض  ثانية، وألا يبعثرني الحزن من جديد .. ها أنا أضع القدم الأولى في المستشفى وكل شيء مرتب في مكانه، وهدوء مزخرف بالحب. تأملت المستشفى الذي كان شاهدا على معاناتي الأولى، وكيف توحد مرض السرطان بي، ومزق كل أحلامي، ونهش من لحمي ومن أفكاري، لكن تجاوزت كل ذلك برحمة من الله وعطاء مجنونتي عفة، التي سخرت كل  قواها من أجل أن يسري الأمل في العيش جوف جسد استسلم للموت البطيء، ها أنا أتأمل وأتحسس زفير معاناة عفة والتي تحتاج إلي في هذه اللحظات لأرد لها القليل مما أعطته لي، القليل من اهتمامها وشقائها من أجلي. يوجعني حقا ما أراه الآن، أن يكون حبيبك الوحيد ممدا على سرير المرض، ويقاتل من أجل البقاء على قيد الحياة، حينها  شعرت بألم يوخز قلبي، بل اقشعر بدني من هول ما رأيته، لأتساءل هل هذه هي عفة التي أعرفها؟ عفة الكريمة المبتسمة المكافحة، والتي أصبحت وردة ذابلة تفوح بعطر المرض والانهزام، فلم تعد كما كانت، خيل لي حينها بأنها تشبه الشجرة في فصل الربيع، نستريح تحت ظلها ونأخذ الصور بقربها عشقا لجمالها واخضرارها، ولكن سرعان ما تتساقط أوراقها حين يطل عليها فصل الخريف، فتعانق الموت بأمل العودة أكثر جمالا من ذي قبل. لم أتحمل تلك العيون الجريحة، والوجه الشاحب، والشعر المتساقط، والجسد النحيل، ليغمرني الحزن على هذا المنظر وأبكي بكاء شديدا، ويرتجف جسدي حينها على هذه الصدمة الغير المتوقعة، صدمة أربكت كل أحاسيسي ومشاعري وجعلتني ألوم الدنيا على هذا العقاب الجديد الذي تعاقبني به، فبعد كل ما عشته  من قسوة ومعاناة ها هي من جديد تستمر في قتل كل لحظة أرغب في أن أعيش فيها بسعادة وفرح… ما بالك أيتها الدنيا تعاقبينني بكل هذا ؟ ألم تشفقي علي للحظة أم أنك لن تكفي عن معاقبتي طوال العمر المتبقي لي ؟ أتوسل إليك يا دنيا، رفقا بي ورفقا بمن أحب.. كفي عن هذا العتاب المتواصل، امنحيني القليل من عطفك، وتفضلي علي بالقليل من الحب ؟ امنحيني زفيرا من الأمل وسعادة كباقي البشر ؟ أرجوك يا دنيا، خذي كل ما أملك ولكن دعيني أشعر بالفرحة ؟ إني أتوسل إليك يا دنيا، فلم أعد أستطيع العيش فيك وأنت تستمرين في معاقبتي أشد العقاب، لهذا حاولي أن تعيدي النظر في تعاملك معي ومع من أحب، فقد بعثرت كل أحلامنا، وجعلت لحمنا غذاء للضباع والكلاب، وأفكارنا جعلتها في يد الجهلاء يمزقونها تمزيقا، وجعلت الوطن في يد اللصوص ينهبونه ليلا ونهارا، ويقولون : عاش الوطن.. يا دنيا، أعيدي كتابة مسرحية حياتي بشكل جيد فكل شيء  أصبح ممزوجا بالخسران؟ اسمعيني يا دنيا، فقد تعبت من كل هذا ولا أريد منك إلا أن تشفقي علي قليلا…؟ اقتربت من زجاج الغرفة التي تنام فيها عفة، فالأطباء لم يسمحوا لي بالدخول إلى الغرفة لأنها في فترة العلاج الكيماوي، وبالتالي ليس لي الحق في رؤيتها إلا من بعيد في هذه الفترة الحرجة، هكذا قيل لي… لأتمل معاناتها دون أن تحرك ساكنا فهي نائمة نوما عميقا، سقطت على الأرض، فشعرت بضعف كبير ورغبة في البكاء بل بكيت حقا، كيف لا أبكي وأنا أشاهد محبوبتي " عفة" تعاني وليست لي القدرة على مساعدتها أو أن أفعل شيئا لها..  لو كان بمقدوري لمنحتها عمري من أجل أن تعيش هي، فلا رغبة لي في البقاء على قيد الحياة دونها. يا لقسوتك أيها المرض، تأخذ  منا كل شيء جميل دون أي سبب !     فيلومني الضمير فجأة: ويحك، ألا تؤمن بالقدر؟ فاستغفرت الله على كل ما قلته، ليتسلل إلي هدوء لم أعرف من أين جاء… شعرت  بيد  صغيرة  على رأسي تواسيني، رفعت رأسي وإذ ألمح طفلة صغيرة جميلة، ملامحها لا توحي بأنها من أصول  فرنسية،  قائلة:
– نحن لا نبكي هنا بل نقاوم لنعيش..
– ومن قال لك أني أبكي أيتها الجميلة؟ أنا لا أبكي بل أبتسم.. 
– ومتى أصبحت الدموع رمزا  للابتسامة والفرح؟
– هناك دموع الفرح صغيرتي، ألم تسمعي بها يوما؟
– لا لم أسمع بها قط. 
  التفتت الطفلة  إلى أمها، وهنا كانت الصدمة الثانية لي حين أبصرت المحققة في المستشفى، فلمحت  في وجهها ملامح الصدمة،  لربما لم تتوقع رؤيتي هنا مثلما لم أتوقع رؤيتها أيضا. وقالت : 
– أصحيح يا أمي أن هناك دموع الفرحة؟
– نعم يا ابنتي، هناك دموع الفرحة، تكون في لحظة نحصل فيها على نتيجة جميلة بعد عناء  كبير، وتكون الدموع أجمل وسيلة للتعبير ..
 اقتربت الطفلة مني بابتسامة  وقبلتني.. ثم قالت :
– شكرا عمي، لقد علمتني أن الدموع هي أصدق وسيلة للتعبير عن الفرحة.. 
حينها شعرت بالعجز عن التعبير، فلم أصدق بعد ما أراه أمامي، وبدأت التساؤلات تحيط بي: ما سبب تواجد المحققة هنا، هل تعاني من شيء ؟ هل هناك شخص مقرب  منها مريض ؟ يا ترى ما سر وجودها هنا ؟ كل هذه الأسئلة  جعلتني أستفهمها عن سبب تواجدها هنا.. فردت قائلة:
– انا هنا لأن ابنتي الصغيرة مريضة، وماذا عنك ؟
– أنا!! أترين تلك المرأة الممدة على السرير ؟
-نعم، ومن تكون ؟ لم أتعرف عليها.. 
– إنها عفة !!
– مؤسف جدا ما أصبحت عليه محبوبتك، لكن عليك أن تصبر أيها المجنون، فوراء كل دمعة ابتسامة وأمل.. 
-صحيح  كلامك، بعد كل دمعة ابتسامة..
نظرت إلى ساعتها وقالت:
– هذا وقت نهاية زيارة المرضى علينا المغادرة..
– غادري أنت.. فأنا ليست لي أية وجهة بعد، وليس لي مكان يأويني.
لا عليك، أتشرف بدعوتك لمنزلي إن قبلت فعلا الذهاب معي، فأنا أعرف أنك رجل مشاكس لا تقبل الاستسلام..
حينها لم يكن لدي أي سبب لرفض دعوتها، فليس لي مكان لأنام فيه، وليست لي رغبة في التشرد في شوارع فرنسا مجددا، خاصة وأنني عاطل عن  العمل… تظاهرت بأنني أفكر في الأمر، ثم أجبتها قائلا: أقبل دعوتك وكلي شرف بقبولها.. رأيت في ملامحها سعادة لم أكن أتوقعها، وقبل أن أغادر المستشفى القيت نظرة على عفة تمنيت ألا تكون الأخيرة .. أما المحققة فقد ودعت طفلتها الصغيرة بنظرة اشتياق وأمل في أن تشفى، لنغادر المستشفى وكل واحد منا يجر أذيال الحزن وراءه ..

 عبد العالي بنلغازي

 

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

بوح و انتعاش …

بقلم الكاتب المغربي :أذ / مـــحـــمـــد آيـــت عــلـــو / الــمـــغـــرب      رجــلان لا أعرفهـما، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *