الرئيسية / آراء و مواقف / مصر المَحرُوسَة..آخِرُ اللّيْلِ الطّويلِ نَهَار !
الدكتور محمد الخطابي كاتب وباحث ومترجم مغربي ،عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا.

مصر المَحرُوسَة..آخِرُ اللّيْلِ الطّويلِ نَهَار !

بقلم :  د. محمّد محمّد خطابي-إسبانيا  

مصر المحروسة.. بعد طول إنتظار، بعد أن قلَوْكِ زمناً.. وجرحوكِ أزماناً.. ها نحن نتطلّع إليكِ اليوم من بعيد،وأنت حائرة ، ملتاعة ، قلقة، متوجّسة فى مفترق الطرق، نصغي إلى أنينك ، ونتلظّى لنداءاتك ،ونتشظّى لآهاتك ، ملأتْ جسمَك الجرُوح ،وتسربل إهابك بالقرُوح، تذكرين العهدَ والجدَّ والدّارَ، تنعين أمجادَك،وتتألّمين لماضيك ،نهشوك نهشاً، وخدشوك خدشاً،وخذلوك  خذلاناً أيتها الأرض الآمنة المخصاب .

مصر المحروسة ..ها أنتِ تطلّين علينا مشرئبّة الهامَة،عالية القامة ، من قعر الهوّة السحيقة ،واليمّ  العميق اللذين زُجّ بكِ فيهما ولا قرار لهما،  فهل من مَخرج وشيك، أومَلاذ قريب..؟ وهل من مَنفذٍ للمِحن التي ألمّت بك..؟ وما إنفكّ فلكك يهيم، وينسابُ تائهاً،متأرجحاً،مترنّحاً، حائراً ،بدون وجهة، ولا بوْصلة فى يمٍّ متلاطم، هَائج مَائج، لججه عالية عاتية،وأمواجه هادرة مُزبدة..؟ وها قد أضحى صيفك قائظاً مُستعِراً، وأمسى خريفك شاحباً مكفهرّاً، وغدا شتاؤكِ صقيعاً منهمراً، وأصبح ربيعك مُزهراً مُزدهراً….لقد مرّ بك فى لمحٍ من العين كخِلسة المختلس…!

 تحملين همومك، وقلقك، وهواجسك،وتوجّساتك فوق ظهرك وتمضين، ولا أحد يبالي  بكِ ولا بآلامك ،ومعاناتك إلا شعبك ،وأهلك الطيّبون، ولا أحد يكترث بأحزانك، وهمومك إلاّ أناسك، وأبناؤك البَررة ومُحبّوك وما أكثرهم..

إسمكِ ساكنٌ فى كلّ جَنان

مصر المحروسة.. كلمة تحمل فى طيّاتها أجمل المعاني وأنبلها،كلمة تنثال على شفاه ناطقيها كقدَر مُشْعَلٍ ، أوكبريقِ غسَقٍ منبلج بين ثنايا دياجي ليلٍ سديميٍّ بهيمٍ مُدلهمّ ، يندّ عنه فجر نورانيّ مشرق مضيئ..إشتدّي أزمةٌ تنفرجِ /   قد آذن صُبحك بالبلج..!

على الرّغم من بُعد المسافات والديار، ونأي الفيافي والقفار، وهوْل التوابع والزوابع، وشموخّ الجبال والتلال، وعلوّ الآكام والمرتفعات،التي تفصل بينك وبين عاشقيك، وخلاّنك ،ومُحبّيك فإنّهم جميعاً مُدركون لا محالة، أنّه ليس هناك قوّة يمكنها أن تثنيهم مهما كان عتوّها وجبروتها عن معاودة اللقاء بك، وتجديد عناقك ، هيام متيّميك لا يتغيّر، ولا يفترّ،بل إنه يزكو، ويتكاثر،وينمو يوماً بعد يوم، لا يطوله البلىَ، مُتجدّد كالصّبح الباسم الوهّاج، متفتّح كشرانق فراشات ورودك الزكيّة، وشذى أكمام زهورك النديّة. وأفئدة المولّهين بك، وبسِحرك، وعِطرك، وجَمالك، وبَهائك تنبض أبداً بإسمك السّاكن فى كلّ جنان،والقاطن فى كلّ وجدان، والسّائر على كلّ لسان.

على الرّغم من شحط المزار، والبُعد عن الديار،ولظى قيظ الفيافي،والمهامه، والمفاوز،والقفار،أنتِ ملازمة لنا فى معايشاتنا ، ساكنة فى هنيهات عمرنا المنساب،وحاضرنا الكئيب ، بديعة أنتِ فى جميل المعاني، و سحر البيان.

 أبو الهول ..وجه الخلود

أبو الهول الشامخ المهيب..وجه الخلود.. إرتاع نابليون لرؤيته، وهلع ورُوّع لنظرته الأبدية المحيّرة المخيفة ، وملأ الحقدُ قلبَه، إرتاع،وإلتاع لصموده وعناده ، ذات يوم تطلّع  إليه منبهراً مفتوناً، أنكر إبتسامته، رآها ساخرة متشكّكة، فأطلق مدفعه فى وجهه الأبدي ، وشوّه أنفه ، ولكنه لم ينل قيد أنملة من أنفته وكبريائه ..

 أبا الهول طال عليك العصر /  وبلغت فى الأرض أقصى العمر…!

كم من رحّالة تغنّى بمآثرك، وإفتتن بجمالك، وقناطرك، ومراعيك، وجِنانك، ورياضك، وجداولك، وجدائلك ،وحدائقك، وبساتينك، وريفك ، ونهارك وأمسياتك،وغسَقك وشفقك، وصباحياتك ولياليك، وببحْرَيْك الناصع والقاني، اللذيْن يشقّهما نيلك الخالد فى إنسياب أبديّ سحريّ ، أسطوريّ مُحيّر.  وكم من زائرٍ والهٍ بك سحرته مناظرُك، وأسرته آثارُك،وأذهلته مآثرُك، وبهرته أهراماتُك، وقاطنوها الأبديّون خوفو، وخفرع، ومنقرع ، وراعه أبو الهول ثابتاً،صامداً لا يتزحزح يتحدى الزّمن.

كم من رحّالةٍ إنطلق من هذا الصّقع النائي البعيد،منذ  شيخ الرحّالين إبن بطوطة الطنجي المغربي، إلى آخر مسافرٍ أو زائرٍ وصل لتوّه إلى أرضكِ الفيحاء من كلّ صوب وحدب، سائراً،ساهراً، طائراً، ومهرولاً ، مشتاقاً، ملتاعاً، ليرتمى فى حضنك الرّؤوم .

 

النّيل الخالد

من أيّ عهدٍ فى القرى يتدفّقُ هذا النيل العظيم ،كم أقام أجدادك على جنبات ضفافه المبثوثة بالبساط الأخضر، ومشوا على كثبانه، وسهوبه، وسهوله ،وهضابه، أمينوفيس، توت عنخ آمون، نيفيرتيتي، أخناتون، مينفيس، كليوباترة، حتبشوت، رمسيس، سميراميس …

كم من قصّة حكيت، وأسطورة نسجت، وحكاية حيكت،وحدّوثة صيغت على وقع خرير مياهه الأبدية،كم من نبيّ، وتقيّ ورع نقيّ ، وقطبٍ ربّانيّ مَشَى على ثبجه، وتوضّأ بمائه الرّقراق، وكم من مركبٍ من مراكب البّردي وزوارقه، ومن فُلك الآسل مَخرتْ على صفحته البلّورية،وشقت حيازمُها غمرَ عُباب مياهه ، وهي محمّلة بقوارير الأحلام، وأحقاق الآمال،ومتون الأشعار، وباقات الأزهار، وعُلب المِسك،والعطر، والعنبر، والكافور وما طاب وإستطاب من خيراته، وثماره، وبهاراته…

من أيّ عهد فى القرى تتدفّقُ /  وبأيّ كفّ فى المدائن تغدقُ

ومن السّماء نزلت أم فجرت من /  عليا الجنان جداول تترقـــــــرقُ..

مصر التاريخ

مصر المحروسة.. مصر التاريخ ، مصر الحضارة، التي شرّفها الله تعالى فى مُحكم تنزيله “ادخلوا مصرَ إن شاء الله آمنين” أوّل ما يقرأه الزّائر أو الداخل إلى سرّة الكون، وكنانة الله فى أرضه، عند وصوله إلى قاهرة المعزّ .. أمّ المدائن، وسيّدة الحواضر ذات الألف مئذنة .

مصر التي تُبهر الناظرَ إليها، وتأخذ بمجامع كلِّ من رأى آثارَها،ومآثرَها، وعمرانَها، وعمائرَها، وبنيانها، وقلاعها، وحُصُونها، وقصُورها، وأقْصُرها، مهد الحضارة، والعلوم، والفنون، والآداب، والألوان،والتصوير، والمعمار،والتنوير، والتطرية منذ غابر الأزمان..

لابدّ أنّ بيت شاعر العربية الكبير أحمد أبي الطيّب المتنبّي  الشهير مستوحىً من زيارته للأخشيدي بهذه الربوع  :

حُسنُ الحضارة مجلوبٌ بتطريّةٍ / وفى البداوة حُسنٌ غيرُ مَجلوبِ .

مصر الجَمال ،والحُسن ، والعيون النّجل العسلية المُسبلة التي تسافر بنا إلى آخر الدنيا،وتغوص بنا فى بحورها، وتنقلنا فى لمحة من العين إلى عوالمَ سحرية لازوردية نائية ملوّنة حالمة..

ما لعيونك لا تنامُ / كأنَّ فى جفونها كِلامُ  (**)

مصر.. الأزهرالشّريف،والجوامع،والصوامع، والمآذن، والقباب،والتكايا، والزوايا.وأضرحة أولياء الله الصالحين والاقطاب الربّانييّن،مصرالسيّد أحمد البدوي،نزيل طنطا، والقادم إليها من حاضرة فاس العامرة، والسيّد المرسي أبو العبّاس،نزيل الإسكندرية الساحرة، والقادم إليها من مرسية الأندلس.

مصرالزّمن الجميل

مصرالزمن الجميل..مصر الفكرالخلاّق، والثقافة الرّاقية، والأدب الرّفيع، والشّعر، والسّحر، والسّينما، والمسرح والموسقي، والزجل والمواويل، وأعذب الألحان، والعطرالعبق الفوّاح.. وعيون بهيّة.. وخلاخل عدويّة.!

،مصر الجَبرتي، ومحمّد عبده، والأفغاني ،وقطب، وعبد الرازق، والرّافعي،وطه حسين، والعقاد،والمنفلوطي، والبنّا،ومتولّي،وشعراوي،وحافظ، وشوقي، والبارودي، ، والمازني، والحكيم، ومحفوظ ، والبِّشري، وحقّي، وعبد الصبور، وباكثير، وروز، وميّ، وشعراوي…

مصر.. ليلى مراد، وإسمهان، وأمّ كلثوم، وبديعة مصابني، ومحمّد فوزي،وليلى مراد، وعبد الوهّاب، ودرويش،وفريد، وعبد الحليم،ونجاة،وشادية، ومكّاوي، والموجي، والطويل، وبليغ حمدي، ومكّاوي، والرّيحاني، وأبيض، ووهبي، وشاهين…مصر العمّال الكادحين، والصنّاع العسيفين، والفلاحين البسطاء الطيّبين، الذين يقنعون بالقليل، بناة أعظم حضارة عرفها التاريخ القديم،

أنا الفلاّح فى مِصرَا / أردّ تُرابها تِبرَا..

يالله بنا على باب الله يا صنايعيّه …يجعل صباحنا صباح الخير يا أسطة عطيّه

صبح الصّباح فتّاح يا عليم… والجيب مافيهشي ولاّ ملّيم…

مصرالأهرام، والمقطّم ،وآخر ساعة، وأخباراليوم ، والجمهورية، والهلال، والمعارف،وآخر ساعة، والمصوّر، ،وروز اليوسف.. لذا ليس من باب العبث ان قال أحمد شوقي :لكلِّ زمانٍ مضىَ آيةٌ  / وآيةُ هذا الزّمان الصُّحُف..

آخرُ الليلِ الطويلِ نَهَار..!

مصر..الجنود الذائدون عن كلّ شبر من ترابها على امتداد تاريخها الطويل، حتى أصبحت – كما جرت به الألسنُ – “مقبرة الغزاة”، ولا غرو ولا عجب إن قال أمير الشعراء أحمد شوقي لها وبها صادحاً : للحرّيّة الحَمراء بابٌ / بكلّ يد مُضرّجة تُدقّ..

مصر التي كادت أن تحقق إكتفاء ذاتيا وأن تعمل على إيصال منتوجاتها إلى مختلف أرجائها، ونواحيها ،وأرباضها وأصقاعها، وأن تحقق قفزات نوعية  إقتصادياً ، وتجارياً،وتصنيعياً، وسياحياً فى مختلف القطاعات، المرافق، والمجالات…لا تسلني اليوم عن حالها وأحوالها..فلكلّ شئ إذا ما تمّ نقصانُ / فلا يُغرّ بطيب العيش إنسانُ..!.

مصر التي كانت تضطلع بدور رياديّ طلائعيّ بارز فى منطقتها، وما جاورها، كانت حافظة للسّلام ، راعية له،ومشيعة للخير والبِرّ والبركة، والطمأنينة، والأمن الإطمئنان.

مصر التي كان “صوتها القاهريّ” حتى الأمس القريب يصدح فى مختلف إذاعاتها ،ووسائل إعلامها المتطوّرة والمتعدّدة جَهوريّا،قويّاً،مدويّاً ليُسمع فى أقصى الدّنا، وعمق المدائن، والحواضر، والقرى، والضّيع، والمداشر،فى الغدوّ، وفى الرّواح ،وفى الصّبح وفى المساء، وكانت فضائياتها تملأ الدّنيا، والأجواء الأثيرية البعيدة فى المدى ، كانت تطلّ وتهلّ علينا من خلالها وجوه حسان، وإبتسامات نديّة تؤسرنا،وتُسحرنا، وتترفّق بنا ، وتتدفّق فى أعماقنا فى رقّةٍ، وعذوبةٍ، وطلاوةٍ، ودلالٍ .

مصر المؤمنة الآمنة التي كانت حتى الأمس القريب حاضرة فى كلّ بيت، توصل إلينا أذان الفجر من مسجد السيّدة زينب،والظهر من سيّدنا الحسين،والعصر من السيّدة سَكينة ،والمغرب من السّلطان الحنفي، والعشاء من الإمام الشافعي..رحمهم الله تعالى جميعاً، وكانت تجعل النّائين والمغتربين عنها يعيشون عوائد، وعادات، وتقاليد، وطقوس أمّ الدّنيا، وكأنهم يعيشون فيها ..

مصر .. كلمة ذات نبرة حلوة آسرة تدخل القلوب بدون إستئذان… تعيش هذه الأيام مرحلة إنتقالية عسيرة، عصيبة ، وتجتاز ظروفاً قاسّية صعبة، نار الفتنة  ما برحت مختبئة تحت ثفال أتونها ، لقد عَلِقت الحيرة أهلها، وذويها، وسكّانها، وقاطنيها، وهم يواجهون اليوم  على مضض فتنة تلو فتنة ..و” الفتنة أشدّ من القتل” وأحدّ وأفتك وأفدح من التنكيل، والتهويل، والتقتيل، إنّها تجتاز مخاضًا عسيرًا لابدّ أن تخرج منه منتصرة بسلام.. ترى أين المفرّ…وأين المستقرّ..؟ بعد أن كاد  – كما يقول شاعرها المُعنّى كامل الشناوي- أن يشبّ فى القلوب حريق…ويضيع  من بين الأقدام الطريق ،أنزل الله تعالى عليها، وعلى أهلها السّكينة،  والطمأنينة، والألفة، والتآلف، والوئام، والسّلام، والأمن، والأمان، والتصالح، والتسامح، والتصافح، والإستقرار، والتعايش، والعودة إلى سالف عهدها الزّاهر…فآخر الليل الطويل نهار..!

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الفقر في عيون الأدباء والمفكرين

بقلم : أذ . رامز محيي الدين علي الإهـــــداء: إلى جميع أغنياء العالم فربما يتعظون.. وإلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *