الرئيسية / آراء و مواقف / المولد النبوي بين الاحتفاء والاقتداء

المولد النبوي بين الاحتفاء والاقتداء

 

بقلم :أذ.أسماء كركور ( طالبة باحثة بسلك الدكتوراه، تخصص علم الاجتماع والتراث الثقافي )المغرب

 

 

 تعتبر الدراسات أو المواضيع التي تطرقت إلى احتفالات عيد المولد النبوي الشريف بالمغرب ،قليلة؛إن لم نقل شبه منعدمة، لما تطرقت للذكرى من منظور تاريخي، تصف طقوسه خلال القرون الماضية .

 

إحتفائية المولد النبوي بين الأمس واليوم في ظل التغيرات التي شهدتها المملكة المغربية

 يحتفل بعيد المولد النبوي،في اليوم الثاني عشر من الشهر الثالث في كل عام هجري، ولم يكن من المناسبات الدينية العريقة والتقليدية بالمغرب، إذ كان الاحتفال به يقتصر في البداية على سبتة زمن العزفيين، الذين جعلوا منه عيدا لأول مرة في تاريخ المغرب الإسلامي سنة 1250-648، في محاولة منهم محاربة أعياد الديانات السابقة والطقوس القديمة لما فيها من بدع، والتي درج الناس على الاحتفاء بها من غير معرفة بجذورها وخلفياتها.

 

وتم إحياء ذكرى المولد النبوي رسميا بالمغرب في عهد السلطان يوسف بن يعقوب المريني سنة 691- 1291،(1) ،حيث أصبح تقليدا، ثم تحول في العصر السعدي إلى حدث ديني كبير يحظى بعناية فائقة للغاية على المستوى الرسمي والشعبي، لا سيما على يد المنصور (2) ، الذي كان يحرص على أن يمر في غاية من الأبهة بتنويع مظاهر الاحتفال به وبذل الأموال ، وحث القبائل ومختلف الشرائح الإجتماعية على المشاركة في مراسيمه، وإكرام الحضور على امتداد سبعة أيام .

 

وصنف الحدث من كبرى التجمعات الدينية التي لا تخلو من فوائد مادية، بالنسبة لبعض الفقراء من المسمعين، مثلا، والمدعوين من أجل الذكر، فإذا "فرغوا من سماعهم… نثرت عليهم الفضة فيسارعون إلى التقاطها من بين يديه .. فمنهم من ينهب ما يكون فيه غناه، وبعد ذلك يذهبون إلى الدور التي أعدت لهم، هذا كله والجاريات السلطانية تعمهم كلهم، ثم يأمر… لكل واحد منهم بكساء وجوائز، كل على قدره، فيذهبون رضاة.. (1)

  تحتفل الأمة الإسلامية في كل بقاع العالم بهذا اليوم المميز، وتبقى مختلفة من حقبة زمنية إلى أخرى ومن بلد عربي إلى آخر، تتشابه فقط من حيث المضمون والجوهر.

 

فنجد مثلا الدولة الأيوبية تحتفل بالمولد النبوي بشكل منظم سنويا ، في عهد السلطان صلاح الدين، الملك مظفر الدين كوكبوري، ففي8 من ربيع الأول ،أخرج من الإبل والبقر والغنم فرادى وزرافات ، تزف بالطبول والأناشيد، حتى يؤتى بها إلى الميدان أو يشرعون في ذبحها ويطبخونها.

 

وفي صبيحة يوم المولد ، 12 ربيع الأول يجتمع الناس عامة، والأعيان والرؤساء، وينصب كرسي للوعظ، ويجتمع الجنود ويعرضون في ذلك النهار. بعد ذلك تقام موائد الطعام، وتكون موائد عامة، فيها من الطعام والخبز الشيء الكثير. (2).

 أما الدولة الفاطمية (العبيدية)فقد اقتصرت على توزيع الصدقات والحلوى ، أما الاحتفال الرسمي فتمثل في موكب قاضي القضاة ، حيث تحمل صواني الحلوى، ويتجه الجميع إلى الجامع الأزهر، ثم إلى قصر الخليفة ،فتلقى الخطب،وترتفعالأصوات بالدعاء ، ويرجع الجميع إلى دورهم. -أما الاحتفالات التي كانت تلقى معظم الاهتمام فكانت للأعياد الشعبية. (3)-

واتخذت الإحتفالات في المغرب الأقصى مكانة كبرى ، خصوصا في عهد السلطان أحمد المنصور،ففي غرة شهر ربيع الأول ، كان يجمع المؤذنين ويأمر بحياكة أبهى المطرزات، وفي فجر يوم المولد كان يصلي بالناس ،ثم يجلس على كرسيه ويأتي الناس لتلقي المواعظ وقصص النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يقدم الطعام للناس. (4)

بعد أن ذكرنا طقوس الاحتفال بعيد المولد النبوي مذ عهود خلت ،، ننتقل إلى رصد تقاليد هذا اليوم المميز في السنوات الأخيرة بالمغرب.

 

كما هو معروف، فإن احتفالات يوم عيد المولد النبوي تختلف من جهة إلى أخرى داخل المجتمع المغربي، فما نجده بالجهة الشرقية مثلا ،يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مراحل،إذ تجتمع العائلات ، كبيرهاو صغيرها ليلة ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، من أجل أحياء الذكرى الدينية ، بإنشاد الأمداح حتى الفجر .

 

فتتهافت النسوة على التغني بصفات الرسول صلى الله عليه وسلم والصلاة على طه الأمين ، وتتعالى الأمنيات رغبة في زيارة الكعبة الشريفة والمسجد النبوي ، وتشرعن في التنافس على من تحفظ مجموعة كبيرة من المدائح الدينية ،ومن تتمهر في الضرب على 'البندير' أو 'الدربوكة' ومن تمتلك صوتا رخيما .

 

وفي يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، تحضر ربات البيوت ، أشهى الحلويات التقليدية من أبرزها 'القريشلات' وهي عبارة عن خبز بحجم صغير ،تتوسطه بيضة مسلوقة ،مزينة بحبات السمسم المحمر.

 

كما تقمن بتحضير أكلة 'التاقنتة'، عبارة عن مزيج من الدقيق المحمص والزيت، يطهى حتى يصبح لونه ذهبيا )، يضاف له السكر ويزين بالمكسرات ، يقدم مع التمر في اليوم الثالث من ذكرى ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا أكلة أخرى مميزة تسمى (البركوكش بالجهة الشرقية ،عبارة عن حبيبات صغيرة من دقيق القمح ،تجهز بطريقة تقليدية، تطهى في مرق مع قطع اللحم والحمص، أما في اليوم السابع فتحضر أطباق من الكسكس المرفوق باللحم والخضر.

       ومن بين الطقوس الأخرى ،تقتني الأسر (الدربوكة، البندير…) والطبول والدف لصغيراتها ، أو بعض ألعاب المطبخ أو الدمى.

 

أما بالنسبة للفتيان ، فيستفيدون من الألعاب (المسدسات البلاستيكية أو المفرقعات التي لا يمكن أن يمر عيد المولد من دون أن نسمع أصوات انفجاراتها القوية، خاصة في الأحياء الشعبية التي تتميز بتجمعات واسعة للأطفال .

 غير أن هذه التقاليد والطقوس، أصبحت تندثر شيئا فشيئا ،إذ أضحت مجرد ذكرى يحتفل بها من قبل كبار السن فقط، كالأجداد والجدات، هذا الاندثار أو الانسلاخ ،يعزى إلى عدة أسباب :من بينها: أن المجتمع المغربي شهد مجموعة من التحولات جعلته يواكب التطورات الحديثة ،متناسيا الحفاظ على ثقافة وطقوس الحياة اليومية التي كانت سائدة في الحقب الزمنية الماضية، هذه التغيرات التي فرضت على الأسر المغربية بأن تنتقل من الأسرة الممتدة إلى النووية، الشيء الذي جعل إحياء الذكرى ،مقتصرة على الأجداد فقط ، كون الجيل الحاضر، أصبح منشغلا في عالمه الافتراضي، نتيجة بروز وسائل الإتصال الحديثة (كالهواتف الرقمية والحواسيب…) مما يجعله يبتعد يوما بعد يوما عن كل موروث لامادي.

 

لكن رغم كل هذه الأسباب، نجد بأن بعض المدارس المغربية تحاول أن تحي حفلات دينية بسيطة، تجسد من خلالها طقوس الاحتفاء لفائدة التلاميذ .

 

نفس الشيء نجد لدى الأحياء الشعبية التي لم تنسلخ من موروثها الثقافي والديني ، كونها أسرا ممتدة لا زالت تحي ذكرى مولد خير الأنام ، فالبعض من أولئك ،تتجه نحو الزوايا لإحياء هذه الليلة المباركة، ونذكر على سبيل المثال الزاوية البوتشيشية التي ذاع صيتها في جميع أنحاء العالم، محتضنة جميع الشرائح ، يجتمع فيها الفقير والغني، السياسي والدرويش الأجنبي والمسلم …

ختاما لما سبق ذكره ،فان هذا المقال ،هو عبارة عن إشارة انطلاقة تحتاج إلى مزيد من الدراسات الميدانية المعمقة ،من أجل البحث عن كيفية الاحتفال بهذا الحدث الديني ، وذلك من أجل تأطير وصون هذا الموروث الثقافي الشفهي، وكذا تفسيره من منظور سوسيولوجي ،حامل لدلالات بعض الطقوس الممارسة ،‘حياء لذكرى مولد خير البرية محمدا عليه أزكى الصلاة والسلام .

    • الفقر والفقراء في مغرب القرنين 16 و17 م، محمد استيتو، مؤسسة النخلة للكتاب- وجدة، 2004

    • تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول، حسن السندوبي، ص، 80-86، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ط، 1948 م

    • تاريخ الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ومظاهره حول العالم، محمد خالد ثابت ص، 28

    • تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول، حسن السندوبي، ص، 234- 225، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ط، 1948 م

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

محمد مفتاح… في التجديد الفكري والنقدي

بقلم : أذ / رشيد سكري / المغرب  من بين المشاريع النقدية الوازنة، التي واكبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *