الرئيسية / إشارات ملونة / حين لا تعكس المرٱة شيئا ..

حين لا تعكس المرٱة شيئا ..

 

بقلم:أذ.محمد ٱيت علو _ المغرب 

 

 أحقا ! لم یتعلم الإنسان كیف یضحك، إلا حین إخترعَ المرآة..؟! 

وھو یتحسس المنشفة المنزویة جانبا، تلمَّسھا وھو یُـفْركُ 

عینَـیھ بالصابون، ویَسْتَـعرضُ حُـلمھ المُزْعِج، والذي لایجِـدُ لـھ تفسیراً، 

ماھذه الوجُـوه؟ وھذه الورود التي لارائحة لھا؟ وما تفسیر ھذا الـدَّم الأسوَد الذي رآه في الحلم..؟ وما دلالة الأسنان المتآكلة وھو یراھا تتساقط من فمھ اتباعا وتحل محلھا أسنان جدیدة بیضاء لامعة..؟ لیتـأمـل بعدھا المرآة وتساءل، من اخْتَرعَ المرآة؟ أیكون نرجسیا أوربما إخترعھا لیتشفى من الذین یتَھَـرَّبُـون من رؤیَـة وُجوھِھِم فیھا؟ إذا كانت المرایا تفضحكم، فماذا ستصنعون؟ إبتسمَ، تقَدَّم قلیلاً… یتأمل في المِرآة، لكنھا لم تعكِسْ شیئا، أو لم تُـرد أن تعكِـسَ أي شـيء على الإطلاق بعد الآن…….ینظرُ إلى مرآتھ المحطَّـمة إلى أجزاء، مثل قلبِـھِ المتصدَّع، 

منھا المقوَّسُ والمثلثُ والمستطیل، ومنھا مالاشَكْـل لھ، على طُـول ھذا المستطیل الزُّجاجي الملْـتَصق بإطار من الخشب العتیق تمتَدُّ ملامح وجھھ الباھت المجزء إلى قِطَعٍ مُـشَوَّھة، تتفرد بخصوصیتھا، منھا ما یعكسُ وجھا لھ أنفان وعین واحدة، ومنھا ما یعكس وجھا بفـمٍ كبیر فوقھ ثلاثة عیون بحاجب واحدٍ خفیفِ الشعر، ویستَمِرُّ التَّـشكیل العَجِـیب لوجوه متـنوعة ومختلفـة تعكسھا، وتأبى على أن تَـعكِس صورتھ الحقیقیة، 

وكیف بھا أن تحقق ذلك؟ وأنَّى لھ ذلك ؟ وھو لم یستطع أن یحدد ملامح صورتھ الحقـیقـیة إطلاقا..!! فكُلَّما أراد أن یقدم الصورة التي یعتقد فیھا للآخرین، یجد نفسھ أمامھم بصور أخرى متعددة بتعدُّدِھم، یُكَـوِّنُونھا عنھ في التَّـعامل معھ، فضلا عن صورتھ الطَّـبیعیة التي ھيَ لَـھ، أو الَّـتِي یتصورھا عن نفسھ فیتیھ، أثارتْـھُ لعـبة التَّـشْوِیھ ھَـاتِـھ، أزاح وجْـھَھ مِن على المرآة، ووضع بدلھا یَده، فتعدَّدت الأیادي، أزال یَـدَه مِـنْ جدید..ثم إقترب إلى المرآة ورسَمَ بأصابعھ أمواجاً فوق الزجاج المكْسُورِبِحَذر، ثمَّ 

امْـتَدَّتْ أنَـامِلُـھ إلى شـظـیة على شكل مثـلث، ودون تَردُّد…، نَـزعَھا من الطرف الحَـادعلى الملصق بالإطار الخشبي، أحَـسَّ بتفاھَـتِھ وضعفـھ على الرغم من قوة بنیتھ، شعر بھشاشتھ ولم یقْوَ على مسایرة شیطانھ، 

تأملھا كما لو أنھ یھـم بشيء خـطیر حین قَـرَّب یَـده من عنقھ ! ثُمَّ وكأنَّھُ یخاطبھا أویسألھا…، بماذا أحسست؟ والبریقُ الغریب في عینیھ! 

لاتسخري مني…! لوصارحتك بالحقیقة فستَسْخرین أنت مني……!؟ ولن أقوى……أَأَخْسَرُ الدُّنیا والدِّین؟ وھُوَ سَاهٍ في ھواجِسِھ، تساءل كیف یجرؤُ ھؤلاء الذین یضَعُون حداًّ لحَیاتھم دونَ رادع أوخوف من الله، بِمَ سیَحْتَجُّون…؟وبمَ سیُبَرِّرُون…؟ وھُوَ سَاهٍ ، لم ینتبھ إلى الخُدُوش والدم على أناملھ والتي أحدثَتْھا الشظیة الحادَّة…ولم یكبح جماح فَـوْرَة الدَّم والجُنون الذي أَلَمَّ بھ فجأة، كمن أُصیبَ بلوثَةٍ جُنونِیة، جعلتھ یفـقد صبره 

ویجمع قبضتھ في لَكْمَةٍ صَوَّبھا إلى وجھِھِ في المرآة، فسقَط صحبة أجزائھ وأشلائھ فتلاشى الوعي للحظات طـویلة..، ولما أفاق من غیبوبتھ، 

امتزج توجُّسُھ بحیرتھ، فلم یتذكرشیئا، فقـد تفاقمت معاناتھ أمام المرآة، مثل وضعیة المِرآة المكسَّرة أمامھ، والتي لم یتبقَّ منھا إلاَّ الجزء السُّفلي والإطـار…! وتلمس وجْـھَھ أمام المـرآة فرأى وجھا مجزَّءاً شاحِـباً، وفي صورة الھذیان الجمیل یُطل إلیھ منھ، أھذا الذي أراه حقا وجھي؟ الوجھ الذي تراه، لیس وجھـا لأنك تراه، وجـھ ھـو لأنھ یراك، إبتسم باستسلام، لمـسھ بأطراف أصابعھ لیحـدده بلا تعـدد، ولیلْمَس التَّجاعید الدقیقةالجدیدة عند طرفي عینیھ، ویرى الشـیب الذي یتسلَّلُ إلى شعره ویكتَنِفُھ من خلال لحیتھ وذقنھ، لماذا تَبدو ھرِماً كالخریف؟ ألأنَّ في داخلك أوراقا 

صفراء جافة یحولھا قلبك المتقد ثلجا إلى رماد..؟ إبتسم لوجھھِ مخاطبا إیاه: لم لاتتصالح مع ذاتك..؟ في ھذه الأثناء بدا لھ وجھ غیر الذي یعرف، ثم صاح ھذا لیس وجھي….؟! ماھذه الكسور؟ ھذا لیس وجھي….؟ كاد عقْلُھ یزیغُ، یـطیرُ،كاد أن یتشتت مثل صورتھ…صورة وجھِھ التي یحملُـھا ویَعتَـقِد فیھا، صاح،كَرَّر الصیاح، لكـن لم یسمع صدى لصوتھ، عـاد لوجھِـھ تحسَّسھ بكَـفَّي یَدیْھ، أحـس حجمھ نظر لكفیھ وجدھُـما مملوءتین بالدم، دم یمیل للسَّواد، مـثل الورود الـتي رآھـا في الحلم؛ تحسَّسَ وجھھ مرات ومرات، حتى تضاءل أولم یَعُـد موجوداً، 

الجَسَدُ بلا رأس، لیس شیئا ولكن حین لا تعكس المرآة شیئا؟ كَـرَّرَ 

الصیَّاح لَم یؤمن بأنھ لاَ شيء، تساءل:ـ ھذا لیس وجھـي..؟ والمغسلة أَتصیرُ مقصلة..؟وجـ..ھـ…؟ ھـو الَّذي یُصِرُّ على أنھ شيء، خرج من المغسلة واتَّجَـھَ نحـو الأریكـة في الصالة المعتمة، فالشبابیك مازالت مغلقة، ھوى على الأریكة كالجِـذْعِ المنخور، أحس بخدر یتوغل حتى العـظم، ما جـدوى أن أحرق أعْصَابي؟ 

كمن كانَ یبحثُ عن نفسھ قلیلا، فلم یَجِدْھا إلا ناقصةً مُشَـوَّھةً، ومُجَزَّأةً، فتَـلاشى في ظلام االسَّواد، وفي شَـفاف الـمرآة، 

وضاعَ في غَـمْرَة الازدِحام بین الوجوه، وصاحَ أین وجھـي؟ أین 

وجھي؟ ثم صاح مرةً اُخرى بأعلى صوت رُدُّوا إلَيَّ وجھي، رُدُّوا إليَّ وجھي…، ثم شرع في الرقص بھستیریا فائقة والضحك طویلا…ثم ھدأ قلیلا لِیُقَدِّم رِجْلاً، ویُؤَخِّر أخرى نحو المرآة. 

قبلَ بضعة أیام، كان لھ جارٌ یُقِیم بجانبھ بنفس المصحة، 

سیطر علیھ الذُّعر والكآبَةُ، فقد اندلَقَ من فمھ دم مفاجيء فلطَّـخ اللِّـحْیَة والمـلابس والسـریر…، قَـبل أن یقْـضِي نَحْبَھ، وھا ھُـو وَحْـدَهُ یجد نفسھ أمـام رجال بِبِذَلِـھِم البیضاء یبتسمــــونَ لَـھ، وھو مُسْتَلْـقٍ على سریر طویل، ینظرُ إلیھم كالأبلھ، تقَـدَّمَ أحـدھم وقال:ـ لقد تعافـیت ! فمَدَّ لسانھ نَحْوَھُم عابـثاً، وھُـمْ یَضْحَكون.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

كن وسطا بين الاقتراب والابتعاد

د. نيرمين ماجد البورنو  كن وسطا بين الاقتراب والابتعاد، فقيمتك في نطقك، ورزقك في توكلك، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *