الرئيسية / آراء و مواقف / رضوى عاشور …الحكاية التي لا تموت !

رضوى عاشور …الحكاية التي لا تموت !

 

بقلم :علي عمارة 

 

يقولون : حين تتلبّد السماء بالغيوم فقد يؤول الأمر إلى الأسوأ، وحين تبكي السماء بغزارة فقد يتحول الأسوأ إلى الأبشع، وحين تتساقط أوراق الأشجار مُنذرةً بالجفاف فقد يصبح الأبشع كارثة، وحين يموت عالِمٌ سيدرج الأمر في خانة المصائب، وحين يرحل أديبٌ مؤرخٌ .. فاعلم أن حِقبةً زمنيةً مهمةً باتت آيِلةً للسقوط من صدى الذاكرة !

كان شتاءً مُمطراً بامتياز، حين أعلنت الأرصاد أن العاصمة تستقبل موجةً شتويةً غاية البرودة هذا العام وعلى الجميع توخّي الحذر، في الثلاثين من نونبر قبل ثلاثة أعوام خرج الجميع مُغلّفِين آمالهم بمعاطفَ جلديةٍ ضخمةٍ، ناثرين آلامهم على جانبي الطريق وفي الوحْل الذي خلفه المطر .. وحدها رضوى احتفظت بألمها داخلها كعادتها واختبأت بعيداً كي تلفُظ اللفظة الأخيرة من نسيم عمرها!

الخبر جاء كالآتي: ماتت الكاتبة رضوى عاشور في غيمة الأحد بعد صراع طويل مع المرض عن عمر يناهز 68 عاماً، أما أنا فاستقبلته هكذا: اليوم ماتت السيدة الأم رضوى عاشور .. أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعتي القاهرة وعين شمس، الطنطورية في رحاب صيدا والمَطْيورة في ردهات كلية الآداب، القابضة على لغة الضاد بيد من حديد والمسافرة في أرجاء غرناطة والأندلس، العاشقة لرام الله والناسكة في رحاب بيت المقدس.. على كلٍ ماتت رضوى وهذا كفيل بإعلان الحداد إلى أن يشاء الله .

الحقيقة لم ألتقِ رضوى يوماً وجها لوجه، لكنني زرتُها كثيراً في ثنايا الورق وبين دفات كتبها حتى حفظتُ سيرتها عن ظهر قلب، ابنة المحامي الجليل مصطفى عاشور والتي نشأت بين أزهار الروضة في أربعينيات القرن الماضي، درست الأدب والشعر وكتبت في الأدب السياسي والاجتماعي والتاريخي وفن السيرة الذاتية . رضوى عاشور والتي ترجمت العديد من الأعمال الأدبية الإنجليزية كتبت شهادة ميلادها حين رسمت خيوط الأندلس مُصورة حقبة مهمة في تاريخ هذه البلاد في روايتها المعروفة ثلاثية غرناطة، ثم خطّت بأيديها عديد الروايات والأعمال الأدبية المختلفة لتسطر في النهاية كتاب أثقل من رضوى والذي نثشر عام 2013.

من يقرأ للسيدة يعرف كثيرا عن معاني الصبر في جلدها بعد وفاة والدها.. وفي اغترابها وابنها عن زوجها المغيب قسراً عن دخول الوطن، من يعرف رضوى سيغترف من بحر وفائها لقضية فلسطين والعروبة حيث أن قلمها الثائر صدح بالحرية في جُلّ ما كتبت، ومن رأى رضوى فقد زاره طيف من أمل وقَبَسٌ من طموح .. هي التي استقبلتها جامعة القاهرة طالبة بكلية الآداب ومنحتها وظيفة بين أساتذتها قبل أن تنتقل إلى عين شمس، وهناك سطع نجمها ظاهراً بين نجوم السياسة والأدب .. ولا يخفى على الجميع قيادتها لحركة 19 مارس مع المناضلة ليلى سويف في جنبات جامعة عين شمس والتي زيُن أحد مدرجاتها لاحقاً باسم السيدة .

(اتكعبلت في نفسي) جملة قالتها رضوى منذ سنوات وهي تقطع فناء الجامعة لتلتقي بزميلاتها، واليوم بين تسارع الزمان وتشابه الأحداث باتت العبارة الشهيرة مثلاً يُحتذى به .. كيف لا ونحن نعاني من دوران الحياة بشكل مريع !

رضوى التي قالت:هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، غيبها المرض عن حضور ثورة الخامس والعشرين من يناير .. حين كانت متواجدةً في الولايات المتحدة الأمريكية بصدد إجراء عملية جراحية .

رضوى التي قالت:عندما وصلنا صيدا، في العصر صرنا لاجئين، روت للعالمين قصة معاناتها وابنها الفلسطيني المصري.. حين تكون وافداً في التعليم المصري فتلك جريمة لا يغفرها أن تكون أمك مصرية وأستاذة بإحدى الجامعات المصرية .

السيدة التي قالت:ذاكرة الفقد كلاب مسعورة .. هي التي فرضت علىّ ذكرى رحيلها أن أكتب اليها فكتبتُ، لعلني أنتشل مني ما خبأتُه لها في نفسي من حب وإجلال وأسطره على الورق فيحيي فينا ذكرى رحيلها. 

 

يقولون:ما مات من كتب وخلد وراءه اسما على الورق وحكاية .. والحقيقة أن السيدة مذكورة على الدوام وإن مر على رحيلها ألف ألف سنة.

حين تقرأ تاريخ الأندلس ستذكر نجم رضوى اللامع في تسطير (ثلاثية غرناطة ).

وحين تمر بك ريح فلسطين ستذكر رضوى في جنبات (صيدا والطنطورة) .

وحين تلفحك حرارة الثورة المصرية ستذكر تمرد رضوى في (فرج) حين روت معاناتها في (أطياف) .

وحين تلمس بيديك جمال بلاد الفرنجة ستذكر (قطعة من أوروبا) سطرتها رضوى حين وطئت هذه البلاد سلفا ً.

وحين تذكر قصص الحب في رحاب الجامعة ستذكر حتما عشقها لمريد .. والوطن .

وحين تجلس في حضرة الشعر فاعلم أن رضوى خلّفت وراءها ابناً يكتب الشعر وينبض بالحرية، اسمه تميم .. من تمّ، ابن مريدٍ ورضوى، بلده فلسطين العروبة، وكل دارٍ له فيها خال وعمّ.

في آخر نوفمبر من كل عام تُحيي فينا رضوى بذكراها العطرة ما اندثر في غبار الإنسانية وما خلفته نفايات الحروب والاستبداد .. من بعيد جداً تقف بابتسامتها المعهودة تقرأ تراتيل الحب والحرية والأمل.. تذكرنا بماضينا العتيق والمزين بجمال الحضارة ومكنونات النفس العذبة .. تروي لنا قصص الراحلين الخالدين في أذهان الجميع وإن مر ألف سنة على ذكرى الغياب والفقد، في كل عام تقف رضوى شامخةً كما عهدناها تتلو من وحي التاريخ على أسماعنا وتردد كعادتها قبل الرحيل: سلاماً طيباً ووردة .

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

ثقافة الطفل ومنجزات العصر

بقلم : أذ :البشير خلف -الحوار المتمدن . أَثّــرَ في ثقافة الطفل خلال العقود الأخيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *