الرئيسية / نفحات إيمانية / سورة الكهف منهج تغيير وإصلاح

سورة الكهف منهج تغيير وإصلاح

لقد اشتملت سورة الكهف على أربع سور استغرقت معظم آيات السورة؛ ففي أوَّلها جاءت قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة صاحب الجنتَينِ وصاحبه، وفي وسطها جاءت قصة موسى مع العَبْد الصالح، وفي نهايتِها قصة ذي القرنين، فما الحكمة من كل قصة في ذاتها؟ وما العلاقة بين هذا القصص؟ ولماذا جاءت بهذا الترتيب؟ وما العِبَر التربوية التي نستقيها من ذلك؟ وما الذي نحتاج إليه الآن في واقعنا الحالي من ذلك؟ هذا ما نريد التركيز عليه هنا، ونُمعِن التفكير فيه، فهيَّا بنا نُشاهد ذلك في آيات هذه السورة الكريمة.

إن العنوان الكبير الذي يُمكن إطلاقه على هذه السورة أنها منهج تغيير وإصلاح، يجب على المؤمن أن ينهجَه في حياته، وهذا الإصلاح يسير مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: سمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَنْ رأى منكم مُنكَرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطِعْ فبلسانِه، فإنْ لم يستطِعْ فبقلبه، وذلك أضْعَفُ الإيمان))؛ رواه مسلم، وهذا الحديث قد يُبَيِّنُ إجمالًا هذه السورة كما سنُبَيِّن لاحقًا.

إن منهج الإسلام في بناء المسلم عقيدةً وفِكْرًا وسلوكًا يهدف إلى أن يجعله صالحًا في نفسه مُصلِحًا لغيره، وبه تكون الأُمَّة الإسلامية، التي تقود البشرية بمنهج الله في سائر المجالات في كوكب الأرض؛ فقد قال تعالى: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30]، هيَّا بنا نرى تحقُّق ذلك في هذا القصص.

 

القصة الأولى: قصة أصحاب الكهف:

﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴾ [الكهف: 9 – 20].

في هذه القصة فِتْيةٌ اعتصموا بالله، وأخلصوا دينَهم لله دون غيرهم من القوم الذين اتَّخذوا من دون الله آلهةً، فهم قوم كافرون بالله، ويُجبِرون الآخرين على الكُفْر ظُلْمًا وتَجبُّرًا، ولا مكان لاجتماع الإيمان بالكُفْر في بلدتهم الظالمة، فلا مجال لنقاش قومِهم على ما هم فيه من الكُفْر وإلا فالقتل مصيرهم؛ ففرُّوا بدينهم إلى الكهف، مستعينين بالله ومتوكِّلين عليه وطالبين منه الرشاد والرحمة.

ولنقف هنا على نوع التغيير أو الإصلاح الذي قام به الفِتْيةُ؛ إنه إصلاح النفس لا الغير، وكان إصلاحًا عميقًا في نفوسهم، وثباتًا لم يتزعزع على الإيمان والتوحيد بالله ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ [الكهف: 13]، ﴿ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا ﴾ [الكهف: 14]، فهذا أقصى ما لديهم من التغيير والإصلاح، فهم لا يستطيعون دعوة قومهم الجبَّارين باللسان ولا مواجهتهم بالقوة، وهذا هو المطلوب في هذه الحالة من المؤمن، وهذا هو التغيير بالقلب كما جاء في الحديث الشريف السابق، ((فإنْ لم يستطِعْ فبقلبه، وذلك أضْعَفُ الإيمان)).

وهذا ما جاء أيضًا في نهاية حديث حذيفة بن اليمان؛ حيث قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشَّرِّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنَّا كُنَّا في جاهلية وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرٍّ، قال: ((نَعَم))، قلت: وهل بعد ذلك الشرِّ من خير، قال: ((نَعَم، وفيه دَخَن))، قلت: وما دَخَنُه؟ قال: ((قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتُنْكِر))، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرٍّ؟ قال: ((نَعَم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا، قال: ((هم من جِلْدَتِنا، ويتكلَّمُون بألسنتنا))، قلت: فما تأمرني إنْ أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم))، قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: ((فاعتزِل تلك الفِرَقَ كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصْلِ شجرة حتى يُدركَكَ الموتُ وأنت على ذلك))؛ (البخاري)، وهذا ما فعله فِتْيةُ أهل الكهف.

 

القصة الثانية: قصة صاحب الجنتَينِ وصاحبه:

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴾ [الكهف: 32 – 44].

هذه القصة تحكي أن رجلين كانا يعيشان في قرية واحدة، كان أحدهما فقيرًا؛ ولكنه مؤمن بالله وتقيٌّ وراضٍ بما قَسَمَه الله له، والآخر كان غنيًّا يمتلك حديقتين كبيرتين بهما كلُّ ما تشتهي الأنفس؛ ولكنه كان مُنكِرًا لنِعَمِ الله عز وجل عليه، ومغرورًا بما أتاه الله من نِعَمٍ.

إن هذا الرجل الفقير مؤمن بالله ومتمسِّك بإيمانه، ومعتزٌّ بالله وراضٍ بما قَسَمَه الله له، وموقن بأن كل شيء بيد الله سبحانه وتعالى، وهو مَنْ يُعطي ومَنْ يمنع، وله سبحانه حكمه في ذلك، ورغم فقره، فهو رجل صالح في ذاته، ولكنه تعدَّى ذلك ليُصلِح صاحبَه بلسانه، فذكَّره بالله، ودعاه إلى الإيمان بالله وشُكْره، والاعتماد عليه وليس على ما أعطاه الله من مالٍ وولدٍ، وحذَّره مِن سوء العاقبة لمخالفته منهج الله: ﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ [الكهف: 37 – 41].

ونُلاحظ هنا أن صاحبه أكثر منه مالًا وأعزُّ نفرًا، ومِن ثم استخدم هذا المؤمنُ الفقير الضعيف مع صاحبه أسلوبَ الترغيب والترهيب بالقول الحَسَن كما هو منهج القرآن الكريم في عملية الإقناع، وهذا هو المستوى الثاني في منهج التغيير والإصلاح في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإنْ لم يستطِعْ فبلسانِهِ)).

 

القصة الثالثة: قصة موسى مع العبد الصالح:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 60- 82].

في هذه القصة يظهر دور موسى عليه السلام في بحثه عن تعلُّم العلم وتحمُّل المشاقِّ الكثيرة وإصراره القوي على ذلك كما يظهر في قوله: ﴿ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ﴾ [الكهف: 60]، وقوله: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ [الكهف: 66] وقوله: ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴾ [الكهف: 69].

ولا يخفى على أحد أن موسى عليه السلام نبيٌّ مرسلٌ، ورغم ذلك كان حريصًا على تعلُّم العلم في واقع الحياة العملية، تطبيقًا عمليًّا ليصل إلى عين اليقين في العلم، مرتفعًا فوق علم اليقين، فهو في تعلُّمه يرى بأُمِّ عينيه ذلك العلم الذي يُطبِّقه الرجل الصالح كما أمره الله به ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ [الكهف: 82]، فوق سماعه من الرجل الصالح توضيح ذلك العلم، إنها تربية الله للأنبياء، ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طه: 39] لتحمُّل الرسالة والقيام بحقِّها.

القصة الرابعة: قصة ذي القرنين:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴾ [الكهف: 83-98].

تأتي قصة ذي القرنين تتويجًا لما سبَق من مستويات الإصلاح والتغيير؛ ففيها يظهر أعلى مستوى للإصلاح والتغيير، على يد ذي القرنين هذا الصالح المصلِح بكُلِّ الطُّرُق والأدوات والسُّبُل؛ بل الشمول في أنحاء الأرض، فالقصة تحكي أنَّ الله أعطاه الحكم والقوَّة والعلم والحِكْمة، فجال بجيشه في الأرض يدعو إلى الله تعالى غربًا وشرقًا، ورغم ذلك لم يُصِبْه الغُرُورُ، وحَكَمَ العالم بحكمهِ العادل، ولم يأخذه الكِبْر، ورغم الفتوحات التي فتحها وحكمه الشاسع لم يكن هدفُه إلَّا الدَّعْوة إلى الله ورفْع الظُّلْم، ولم يستغلَّ الأشخاص والجماعات الذين كان يمرُّ عليهم، وكان يعاملهم برِفْقٍ، فقد أعطى نموذجًا رائعًا للحاكم العادل بمنهج الله وتوفيقه.

هذا التغيير والإصلاح في أعلى مستوياته ((مَنْ رأى منكم مُنْكرًا فليُغيِّره بيده)) التي جاءت في الحديث الشريف، وهكذا نرى توافُقَ الحديث الشريف مع سورة الكهف في منهج التغيير والإصلاح، بأنواعه المختلفة، وكأن هذه السورة هي التطبيق العملي للحديث في واقع الحياة؛ إنهما من مشكاة واحدة، إن هو إلَّا وحْي يُوحَى من ربِّ العالمين.

 

فهل نجد مَنْ يُطبِّق هذا في واقع حياته؛ سواء كان فردًا أو جماعاتٍ أو دولًا، سواء كنَّا حُكَّامًا أو محكومين، ليأخُذ كل ما يُناسبه ليكون له منهج إصلاح نفسه وغيره.

فقد روى الإمام البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أنه سمِعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلُّكم راعٍ ومسؤول عن رعيَّته، فالإمامُ راعٍ وهو مسؤول عن رعيَّته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيَّتِه، والمرأة في بيت زوجِها راعيةٌ وهي مسؤولةٌ عن رعيَّتِها، والخادمُ في مالِ سيِّدِه راعٍ وهو مسؤول عن رعيَّتِه، فكُلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه))؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بَيَّنَ عاقبة الذين يُفرِّطُون في هذه الأمانة، فقال: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية، فلم يحطْها بنُصْحِه إلَّا لم يجد رائحة الجنة)).

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

اغتنام الفرص

فضيلة الشيخ/ عبدالرحمن بن محمد الدوسري قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *