الرئيسية / آراء و مواقف / لماذا نكتب؟

لماذا نكتب؟

 الشاعر / أيمن العتوم

ما المُغري في الكتابة؟ لماذا تغوص سِكّين الحروف بكامل بهائها في قلب الكاتب، وحينَ يُشفَى من طعناتها تنمسح الذّاكرة السّيّئة ولا يبقَى إلاّ ذلك الخَدَر اللّذيذ الّذي يدفعه إلى اقتراف ألم الكتابة من جديد؟ هل كانت الكتابةُ ولادة؟ هل كلّ آلام المخاض تزول عند رؤية المولود الجديد، وعلى شفتيه شبح ابتسامةٍ هاربة، ويُعلِن عن وجوده برفس الهواء برجليه في الجهات الأربع.

نحن نكتب لنُشفَى من جراحنا، جراح الشّعور، نحن نكتب لأنّ حاجةً مُلحّةً في أعماقنا تدفعنا إلى ذلك، تدفعنا إلى التّجريب، تدفعنا إلى لذّة الخلق، الكتابة خلقٌ من نوعٍ ما، معرفة قدرتنا في إنجاز خلقٍ على نحوٍ يُثير الدّهشة، دهشتنا الطّفوليّة الأولى، أو يدفعنا إلى أنْ نفخر بما أنجزْنا.

نحن نكتب؛ لأنّنا لا نملك إلاّ أن نكتب، أنْ نقول، أنّ نسرد، أن نحكي، وأنْ نقصّ كلّ ما في أعماقنا، ربّما لو توقّفْنا عن فِعل ذلك لمُتنا. القلم إكسير الحياة، والحروف أرواحٌ جديدة، والورق إغراء بالاستمرار، وكلّ لحظات اللّقاء مع الورقة البيضاء يعني أنّ حياةً جديدةً سوفَ تُكتَب لنا، وانّنا ربّما سنعيش أعمارًا طويلةً.

لا يُمكن أنْ نُنكر أنّ إغراء آدم بالخلود هو أحد دوافعنا الخفيّة، ربّما أقواها وإنْ لم يكنْ أوّلها، إنّه السّبب الّذي ينتج عن حالة الوعي الشّديد بسيرورة الزّمن، نحن لا نريد أنْ نموت، نكتب لننجو من الموت، نكتب لكي نحظى بخلودٍ من نوعٍ خاصّ، نحظى بجمهورٍ خاصّ، بأولئك الّذين يستعيدوننا من خلال ما نكتب، ويستحضرون هالَتنا من خلال حروفنا التّي نأمل أنْ تعيش بعدنا أزمنةً عديدة.

أكتب لأنجو، لأنجو من الحُزن، من اللّهاث وراء الفراغ الذّابح، من أنْ أجدني قد لهوتُ بعيدًا عن حرارة الوجود، ولأكتبَ لأنتصر على الجَلاّد، وعلى المقصلة.

يقول جورج أورويل في كتابه (لماذا أكتب؟) مُجيبًا عن هذا السّؤال من خلال أربعة دوافع؛

الأوّل: حبّ الذّات الصِّرف: الرّغبة في أنْ تبدو ذكيًّا، أنْ يتمّ الحديث عنك، أنْ تُذكَرَ بعد الموت، أنْ تنتقم من الكِبار الّذين وبّخوك في طُفولتك.

والثّاني: الحماس الجماليّ: إدراك الجَمال في العالَم الخارجيّ، البهجة من أثر صوتٍ واحدٍ على الآخَر. في تماسُك النّثر الجيّد، أو إيقاع قصّة جيّد.

والثّالث: الحافز التّاريخيّ: الرّغبة برؤية الأشياء كما هي، لاكتشاف حقائق صحيحة، وحِفظها من أجل استخدام الأجيال القادِمة.

والرّابع: الهدف السّياسيّ: الرّغبة في دَفْع العالَم في اتّجاهٍ مُعيّن؛ لتغيير أفكار الآخَرين حول نوع المجتمع الّذي ينبغي عليهم السّعي نحوه.

ويقول الكاتب العراقيّ (عبد السّتّار ناصر) في كتابه (سوق السّراي): "لو أنّني فكّرتُ، سهوًا، بنشر كل شيءٍ كتبْتُه طَوال ما فات من عمري، أظنّني سأحتاج إلى عربةٍ تجرّها أربعةٌ من الخيول. كانتْ حياتي محصورةً بين هَرَمَين؛ القراءة والكتابة، وما كان من شيءٍ يشغلني ويُفرحني غيرهما، حتّى أنّني، كما أرى اليوم، أخطأتُ بحقّ نفسي، يوم أعطيتُ الكتابة مساحةً أكبر من قراءاتي… بعد كلّ كتابٍ يصدر لي، أتساءَل (مرعوبًا) عما إذا كنتُ على حَقٍّ في نَشْرِ هذه الكتابات، تُؤلمني كمّيّة المِلح الّتي أراها فوقَ جروحي، أحتمي بها حالَما أرى بعضَ قُرّائي سُعداء بما أقول وأكتب.. ثُمّ أذهب وحدي إلى غابةٍ كثيفةٍ من أسئلة تُشبه الحريق، وأكرّر بيني وبينَ عقلي: كنتُ على حَقٍّ فيما كتبتُ؟ لماذا تراني كتبتُ أكثرَ مِمّا قرأت؟ هل فَعَلها مجنونٌ قبلي؟".

ويقول: "لقد اكتشفتُ يومًا من عمري أنّني منذورٌ لهذا العالَم العجيب، الحلو، الغامض، الجميل، الّذي يُسمّونه الإبداع في الكتابة.. الكتابة فِردوس الكاتب، وهو وحده الّذي لن يأكل تلك التّفّاحة اللّعينة مهما كان إغراء السّيّدة العظيمة حوّاء".

ويقول: "أنا مملوءٌ بالحياة ومزحومٌ بأسرارها الجميلة، أرى البحر من نافذة بيتٍ صحراويّ مزروع بأشواك الصّبّير، ولهذا أكتب".

أمّا نزار قبّاني فيقول:

 أَكْتُبُ..
كيْ أُفَجِّرَ الأشياءَ، والكتابةُ انفجارْ
أكْتُبُ..
كي ينتصرَ الضوءُ على العُتْمَةِ،
والقصيدةُ انتصارْ..

 

أمّا أنا فأكتب لأنجو، لأنجو من الحُزن، من اللّهاث وراء الفراغ الذّابح، من أنْ أجدني قد لهوتُ بعيدًا عن حرارة الوجود، ولأكتبَ لأنتصر على الجَلاّد، وعلى المقصلة، ولكي يذكرني التّاريخ بخير؛ لأنّني أُدرِك تمامًا أنّ التّاريخ لا يَنسى ولا يُنسَى.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

يا أيها الفرح زرنا مرة في السنة !

بقلم الأديب ذ.إبراهيم مشارة -الجزائر  يا أيها الفرح زرنا مرة في السنة        …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *