الرئيسية / آراء و مواقف / الكتابة للطفل بين العلم والفن

الكتابة للطفل بين العلم والفن

ذ بشير خلف

إن الكتابة للأطفال خاصة في الأجناس الأدبية من شعر و قصة و مسرحية وغيرها ليس من السهولة بمكان .. إذ يتطلب الكثير من الشروط و الخبرة و المعارف العلمية و الإنسانية في أكثر تخصصاتها التي تمكن الكاتب من الولوج في عالم الطفولة و استشفاف ما في الحياة اليومية للطفل الذي يحيا في مجتمع له ماضيه و حاضره و مستقبله و يتميز عن المجتمعات الأخرى في الكثير من الرؤى و الطموح و تصور المستقبل. ثم إن الكتابة في أدب الطفل لا تستند إلى الموهبة فحسب وهي ليس علما يكتسب فقط .. بل هما معا فضلا عن الخبرة الميدانية و الممارسة الدائمة مع الدربة المستمرة .. ضف إلى ذلك الاحتكاك بأهل الاختصاص و الاستنفادة من تجاربهم دون عقدة أو شعور بالنقص أو العكس الشعور بالغرور و التميز.
إن ممارسة الكتابة في هذا النوع من الأدب تحتاج تأملا طويلا و اختيار مناسبا للنص في كل أنوعه، فكل صيغة كتابية يُفترض أن تتوافق مع مستوى الفئة العُمرية لهذا الطفل أو ذاك ابتداء من الخمس إلى الاثني عشرة سنة، ناهيك عن ضرورة مراعاة شروط الحاجة إليه كونه ـ أي الأدب ـ عاملا مقوّما و مغذيا لحاجات الطفل السيكولوجية و السسيولوجية و قدراته الانفعالية و مستواه المعرفي و مهاراته في اللغة كتابة و قراءة ونسبة الرصيد اللغوي لديه. فالطفل إذا أراد أن يعبر عن حاجته تراه ينفعل بطريقة ما و يتصرف بطريقة ما ليعبر عما يريد، و بهذا تصبح مهمة كاتب الطفل لا تقل أهمية عن مهمة الطبيب النفساني الذي يسعى لعلاج مريضه … فمن أجل علاج مريضه و توفير أسباب الراحة له يؤدي واجبه المهني و الإنساني بكفاءة و تضحية أحيانا تتجاوز طاقته ، وكذلك الأمر بالنسبة لمبدع أدب الأطفال الذي يُفترض فيه أن يكون صادقا و أمينا في دراسة اللغة و التمكن منها و إلتي عليه صياغتها و بلورتها بطرائق مشوقة و ساحرية … هذا الصدق يتجلى في صياغة نموذج حكائي أو قصصي ، أو مسرحي ، أو قصيد غنائي.. ليصبح دربا حياتيا و نهجا سلوكيا ثابتا لدى الطفل بفعل تأثير ما يتلقّى.
إن الطفل بفعل ذلك التأثير يشعر بالحزن تارة و بالفرح و الرضا تارة أخرى، أو تراه يتساءل عن الغني و الفقر، يكتشف العالم الطبيعي .. الكائنات ..السلوك الإنساني ..الحيواني.. يجد نفسه في الأحداث التاريخية البارزة … يتعرف عن الأمجاد ، والبطولات يتشرب القيم والاتجاهات. و من هنا نفهم أن الكتابة للطفل علم وثقافة عالية ، و الكتابة في أدب الطفل بصفة خاصة علم و فن معا.
تقول الأدبية الجزائرية لطيفة عثماني في حوار مع نور الهدى سعد بصحيفة العالم اليوم:
« إن ميدان الكتابة للطفل من أصعب ميادين الأدب و ليس كل من يريد الكتابة للأطفال يستطيع ذلك، لأن الكتابة للأطفال تتطلب من الأديب أن يتحلى بمجموعة من المزايا التي تجمع بين الموهبة و اكتساب اللحسّ الطفولي الذي يسمح له بالتوغل إلى عالم الطفل بعفوية و دون تكلف، إضافة إلى احترامه لطبيعة الأسلوب الذي يكتب به للطفل و هو يختلف عن ذلك الذي يكتب به للكبار » .
و تؤكد هذه الأديبة في حوارها على أن ما يُقدم إلى الأطفال في كتب تصدر وتنشر غير جذابة الشكل ، وهشة المضمون ..عموما هو أدب يفتقر إلى مميزات الأدب المعروفة..فتقول:
« و قد لاحظت أن كثيرا مما هو موجه للأطفال يفتقر إلى عنصر الجذب ، أو الهالة السحرية التي يجد الطفل نفسه ينساب وراءها و يتشبث بها ».
إن السؤال الجدير بالطرح في هذا المقام هل كل الكتاب و الأدباء يُفترض أن يكونوا كتابا للطفل و ذوي قدرة على إبداع الأدبي الطفولي ؟.
سـؤال قد نجيب عنه لاحقا ، إلاّ أنّ ما نتفق عليه بداية أن فن الكتابة للطفل ككل الفنون الإنسانية الأخرى يستند إلى أساسيات من الضروري توفرها في أي كاتب و مبدع في أدب الطفل منها على سبيل المثال … لا الحصر:
1- الموهبة و الرغبة الداخلية و الشعور بالرضا.
2- الثقافة الواسعة في أكثر مجالات العلوم الإنسانية، دراسات واسعة و ميدانية بالاحتكاك والمعايشة عن الطفولة ، ومراحلها ، وخصائصها إجمالا .. ثم معرفة خصائص كل مرحلة من حيث النمو الشامل؛ فالنمو البدني ، والحس الحركي ، والمعرفي بما في ذلك الجانب اللغوي ، والتواصلي ، والمهاراتي، وكذا مهارة الكتابة ، والاستعدادات ، والقدرات ، والاستجابة للمثيرات الداخلية والخارجية … من أجل أن يكون منتوج الكاتب متوافقا مع المرحلة العمرية … إذ ما يوجه لطفل ثماني سنوات غير ما يوجه لطفل العاشرة …
كاتب الأطفال يُطلب منه أن يكون متشبعا بقيم الأمة و ثوابتها وغيورا على مكانتها ومعتزا بأمجادها و تاريخها.ويطلب منه أيضا الإطلاع الواسع على التراث الإنساني والوطني، خصوصا للتعرف عليه أولا ثم غربلته و تمثل ما هو قيم منه.. من هذه المصادر كلها و غيرها يستقي مادته الخام ليصيغها عملا أدبيا راقيا بواسطته يُـثْـقِف الطفل و يُمتعه ، ويرتفع به إلى آفاق رحبة يغمرها الخير وتسودها المحبة.
3ـ الإيمان بالكتابة للطفل كرسالة تربوية تثقيفية منزهة عن أغراض أخرى كالشجع وراء الكسب المادي.  و هذا ما أدى بالعديد من الكتاب الذين يحترمون أنفسهم كما يحترمون جمهور الأطفال بأن يعترفوا ويقرّوا بأن الكتابة للطفل ليست بالأمر الهين، ولا هي في متناول أي كاتب و مبدع … و أجاب البعض و دون شعور بالحرج : أنه غير قادر على الكتابة في أدب الطفل.
الكاتبة اللبنانية و الأدبية المتألقة غادة السمان لَــمَّا سُئلت بغتة:
ـ لماذا لا تكتبين للأطفال؟
أجابت بصراحتها المعهودة:
ـ ليست لدي موهبة الكتابة الأطفال.
أما الكاتب و الروائي المصري المعروف صنع الله إبراهيم يُحمّل المدرسة المسؤولية في قمع حبه للتاريخ فوجد ضالته في مطالعاته الخارجية خارج المنهج الدراسي ـ ورب ضارة نافعة ـ فقضى أجمل اللحظات مع روايات أرسين لوبين وروفائيل ساباتيتي ، و الكسندر توماس وغيرهم و يقول أيضا:
« و كنت أشعر بالفضول تجاه أسرار الطبيعية ، فقمعت المدرسة هذا الفضول ، وفيما بعد أتيحت لي فرصة إشباع الإثنين معا من خلال الكتابة للأطفال »
الأديب الروسي الشهير ـ مكسيم جوركي يرى أن الكتابة للأطفال ينبغي أن تكون بناء على رغبتهم، حيث توجه برسالة مفتوحة يسأل فيها أطفال بلده عما يرغبون قراءتَه ، و جاءه الرد في أكثر من ألفي رسالة يقول: "كــل شـئ" .فالكاتب الروسي تخلص من عُـقد الكبار ، ومن تعاليهم ، ونزل من عليائه إلى عالم الصغار متبنيا فكرة أن تكون أديب الأطفال و كاتبهم يجب أن تمتلك دهشتهم و تحيا عالمهم و تحس إحساسهم تجاه الكون و الحياة وتنظر بمنظارهم كي تكون كتابك صادقة.
الكاتب و الروائي المصري يعقوب الشاروني افتقار العالم العربي إلى الكاتب المتخصص في أدب الطفل كما هو الحال في البلدان المتقدمة كان جوابه كالتالي:
« الكاتب المتخصص عندنا قليل و لكنه موجود،و لا بّد أن نضيف إلى من يكتب الكتب للأطفال مَن يكتبون في مجلات الأطفال … من يكتبون في برامج الأطفال في الإذاعة والتلفزيون، و أعتقد أن عددهم الآن كثير جدا فهناك من يتخصصون في كتابة برامج الأطفال و مجلات الأطفال، و إن عدد من يكتبون للأطفال هم الذين نحتاج إليهم أكثر حتى نلبّي حاجات الأطفال على مستوى الوطن العربي ».
نستشفُّ من هذا التحليل أن كُتَّاب أدب الطفل قليلون و بالطبع فالمتحدث يحلل ظاهرة ندرة كتاب الطفل المتخصصين في بلدان المشرق العربي و في مصر بصفة خاصة … و ماذا نحن قائلون عن حالنا و نحن من أزمة إلى أخرى ووضعنا لا نحسد عليه ؟ 
تقول السيدة صبيحة فارس أستاذة التربية في محاضرة لها بعنوان: أدب الأطفال و مراحل النمو ضمن أسبوع ثقافة الأطفال المنظم في لبنان :
« العديد من الكتاب و الأدباء يهابون الكتابة للأطفال..ذاك أن هذا النوع من الكتابة يحتاج إلى شروط عديدة و توفر هذه الشروط من الأمور العصيبة.. إلا أن البعض يُقبل على الكتابة في أدب الطفل، و في اعتقادي بهؤلاء أن يتركوا هذا الفن .
إن أدب الطفل بقدر ما هو أداة تثقيفية و تربوية و وسيلة فعّالة من ضروب التنشئة الاجتماعية فإن علاقته بالنمو و التعلم علاقة متبادلة … فالنمو و التعلم كل واحد منهما يؤثر في الآخر و يعمل على تعجيله أو تأخر حصوله و الخصائص الكامنة في الفرد لا يمكن أن تتطور إلى حدها الأقصى ما لم يُبذل الجهد و التوجيه كي يصبح التطور تاما.
وفي إطار النمو والتعلم يدخل حبُّ الاستطلاع ، والقابلية في اكتساب الخبرات ، وتعطش الطفل إلى المعرفة، و إلى اكتشاف العالم المحيط به القريب و البعيد .. هذه العوامل كلها دوافع إلى القراءة و حب الكِتاب و نهل الثقافة منه. » 
و تتساءل في محاضرتها:
« أحقا يوجد من بين الذين كتبوا للطفل ويكـتبون مَــن درسوا بجد و عـمق العلاقة بين نمو الطفل وخصوصية التعلم،ودرجة اكتشاف المحيط ، والعالم من طرف الطفل ، وطرق إشباع تعـطشه إلى المعرفة؟ » بل تذهب بعيدا عندما تصل إلى قناعة قوامها:
« أن من يكتب إلى الطفل يجب أن يكون عايش الطفولة عن قرب .. أي أن يكون مربيا .»
خصائص النص الأدبي
النص الأدبي هو الذي يمتاز بتوفر الشروط الفنية الإبداعية التي تميزه عن النص العادي ..هذا الشرط ضروري لأدب الطفل كما هو ضروري للأدب عامة، و لابد للمتلقي صغيرا أو كبيرا أن يدرك ما في النص من جمال و ساحرية، و أن تنتقل إليه تجربة الأديب الحية من خلال النص . الفرق بين أدب الطفل و غيره يظهر في المستوى اللغوي، والأسلوبي ، وفي الموضوعات التي يتطرق إليها ، أو القضايا التي يعالجها.
فإذًا إن فن الكتابة للطفل سيما في الأدب و فنونه من الأمور العصية و ليس بمقدور الكل التحكم في تقنياته و الإبداع فيه .. فكل من ابتغى التقرب من ذلك عليه أن يتعرف على عالم الطفولة ، وأن يسبر أغواره.. متعرفا على المرحلة التي سيكتب لها و خصائص النمو فيها..متتبعا قدرات الطفل ودرجة خبراته و المحيط الذي يحيا فيه و المجتمع الذي ينتمي إليه..فضلا عن توفر المميزات الفنية المتمثلة في جمالية الأسلوب ، وسمو الأفكار ، وطرافة الخيال.. مع مراعاة أن يكون ذلك في حدود الطاقات الذهنية والنفسية للأطفال الذين يكتب إليهم و في حدود خبراتهم الحياتية و مهاراتهم التعليمية المكتسبة ومستوى تحصيلهم المعرفي.
لمّا تتوفر هذه الشروط و غيرها في اعتقادنا يمكن للأديب الكاتب أن يكتب ..أن يبدع في ثقافة الطفل إنْ رأى في نفسه القدرة ، والتمس لديه الرغبة الذاتية في إطار الشعور بالحرية و المسؤولية .. طالما أن الأمر لا يتعلق بنوع الموضوع بالدرجة الأولى ، بل بالمستوى اللغوي و نوعية الأسلوب و الفكرة في عرض الموضوع ، و ما دام العمل الأدبي المنتج خاضعا للشروط الفنية مع الحرص على تصوير الأفكار والإحساسات ، والأخيلة التي تتوافق و مدارك الأطفال.
بل إن الكاتب يحرس على أن يصور للطفل الحياة الإنسانية كلها ، أو البعض منها مما يتوافق ومستواه و خصوصيات مجتمعه ليساعده على النمو السويّ مع استغلال الطاقات الكامنة فيه والحرص على تفتيح المواهب و القدرات المخبوءة.
ثم إن الكاتب المسلم الواعي ، والملتزم بقضايا أمته يعلم أن ما سيبدعه سيسهم في بناء عقل الطفل وإعداده للحياة إعدادا متكاملا ومتوازنا يعرف قدر الإنسان في هذه الحياة.. يعرف علاقاته بالكون وبخالق هذا الكون عز و جل .. و يعرف طبيعة الوشائج التي تربطه بالإنسانية بكل صورها وأشكالها .. يعرف رسالته و يعرف كل شيء حوله .. ما دام الكاتب للأطفال يدرك ذلك ،يفترض أن يختار موضوعاته من الحياة الإنسانية.. من الحاضر و الماضي..من استشفافه للمستقبل ورؤاه ككاتب .. كمفكر و منتج للمعرفة .. يستمد مواضيعه من الواقع و التاريخ .. من المجتمع و الأسرة .. من عالم الإنسان و عالم الحيوان و عالم النباتات و عالم الجماد .. من أحداث الحياة الدنيا و بعض صور الآخرة البسيطة المساعدة على أخذ العبرة … كل ذلك من مضمون أدبه الذي ينتجه و يبدع فيه ، شريطة ألا ينسى قدرات الطفل و فطرته. 
نخلص إلى أنّ الكتابة في أدب الطفل علم وفن يستندان إلى ثقافة غزيرة وواسعة وإلمام كاف بعالم الطفل ، و إذا كانت الكاتبة اللبنانية غادة السمان تعلن صراحة و دون لفٍّ وهي مَن هي أنها عاجزة عن الكتابة للطفل ، وتفتقد الموهبة في ذلك مضيفة  أن الكاتب المسرحي الكبير شكسبير بدوره يفتقد هذه الموهبة، فإنها بالرغم من ذلك لا تقف عند توفر الموهبة فحسب ولكنها تضيف شروطا أخرى لا تقل شأنا و أهمية عن الموهبة و هي كالتالي:
1 ـ الموهبة شرط أساسي: بل الشرط الأول.
2ـ الثقافة الواسعة: التي في اعتقادنا لا تنحصر في الدراسات العليا و الواسعة عن الطفل و التي تتطلب من كاتب الأطفال الإطلاع عليها و الاستفادة منها كما ترى غادة السمان.. بل من اللازم الإحاطة الواسعة بالعلوم الإنسانية و الاجتماعية و الاستفادة من المعارف و العلوم المعاصرة و تتبع التطورات العلمية و التكنولوجية الحديثة.. حتى يكون الإبداع و المنتوج الأدبي متطورا و مسايرا لواقع الطفل .. مطلعا على التراث الإنساني إطلاعا واسعا ، ودارسا لتراث أمته ، ساعيا على تنقيته و غربلته و توظيف ما هو إيجابي منه.
3ـ معرفة الجمهور الذي يخاطبه الكاتب ـ أي جمهور الأطفال ـ معرفة حميمية بناء على المعايشة والملاحظة الطويلة و المستمرة .
4ـ الإيمان بالكتابة للطفل كرسالة أدبية تربوية منزهة عن أغراض أخرى. 
الكتابة في أدب الطفولة و مراحل النمو
كل كتابة للطفل سواء كانت في الأدب أم غيره يجب أن تخضع لقدرات الأطفال و مراحل النمو و خصائص كل مرحلة.. و الحديث عن السمات الأساسية لأدب الأطفال يتعلق بأمرين متلازمين أولهما يدور حول محتوى هذا الأدب و مضمونه.و ثانيهما يتعلق بالأساليب المناسبة التي يمكن استخدامها لتحقيق الأهداف.
وهذان الأمران متلازمان و التفريق بينهما اقتضته الضرورة الفنية .. ذلك أن السمات لها ارتباط بمراحل العمر المختلفة التي يمر بها الطفل، حتى تُراعى في كل مرحلة الأمور التي يتميز بها الطفل و حتى يتناسب الأدب مع سنّي العمر و القدرة على الفهم و التفاعل مع الأدب و التأثر بمضمونه.
الكاتب المصري ـ أحمد نجيب ـ في كتابه القيم و الذي يعتبر من أهم الكتب التي أبرزت أهمية الكتابة للطفل ونظّرت لها من حيث السمات و الشروط و الأساليب و توظيف اللغة و مستوياتها … هذا الكتاب المعنون ب( فن الكتابة للأطفال ) و الذي عرضت له " مجلة الفيصل " السعودية في عددها التسعين و في باب ـ مطالعات في الكتب ـ يرى أن الكتابة للطفل و كما أسلفنا تخضع للنمو و مراحله … هذه المراحل لدى علماء النفس و التربية لها عدة تقسيمات متداخلة و تكمل بعضها بعضا و تؤثّر في بعضها … فأي إهمال أو تقصير في مرحلة سيؤثر سلبا على المرحة الموالية … هذا التداخل الزمني تلعب البيئة والتربية دورا بارزا فيه.. و بقدر ما تنوعت التقسيمات و اختلفت الرؤى فيها فإن أغلب الباحثين و المتخصصين استطاعوا أن يحددوا مراحل النمو في الخطوات التالي:
1 ـ مرحلة ما قبل الكتابة: (الطفولة المبكرة:3 ـ 6):
ففي هذه المرحلة يتمكن الطفل من سماع القصص و يتعامل مع الأشياء المحيطة به في البيئة القريبة ثم البعيدة.. ويحاول أن يقلد من حوله في حركاتهم و سلوكهم و أعمالهم. و يطلق بعض علماء النفس على هذه المرحلة: مرحلة الواقعة و الخيال المحدود.. إذ يتقبل فيها الطفل القصص التي تنطق فيها الحيوانات و تتحرك الجمادات.. لذا يمكن في هذه المرحلة تقديم نوع من الأدب المسجل و المعد بالصوت و الصورة لعدم اكتساب الطفل مهارات القراءة و الكتابة بعد.. ووفق شروط محددة تتناسب مع هذه المرحلة من حيث اختيار الموضوعات و الاستخدام المفردات و انتقاء الأسلوب الملائم لتقديم ما يفيد الطفل ويمتعه وينمي لديه أسس التربية المنشودة.
2 ـ مرحلة الكتابة و القراءة المبكرة(الطور الأول من المدرسة:6-9 سنوات):
في هذه المرحلة تزداد خبرات الطفل و خاصة فيما يتعلق ببيئته من أسرة و حي و يبدأ بتوسيع علاقاته و فضاء تحركاته.. متخلصا نوعا ما من الأسرة حريصا على اكتشاف الأشياء الجديدة التي تبهره و تثير لديه الدهشة فيتقرب منها بدافع الفضول للتعرف عليها مما يسمح باكتساب خبرات جديدة و توسّع للمدارك.. و تزداد رغبته أيضا في هذه المرحلة في التعرف على الظواهر الاجتماعية وبعض مكونات المحيط و الاستفسار عنها.. كما تُعرف هذه المرحلة بأنها مرحلة الخيال الحر فيها يتطلع إلى عالم يزخر بقصص و حكايات الخيال دون بداية معرفة الواقع.. وكذلك معرفة المعايير الاجتماعية بدافع الغريزة مما يجعله يتقبل القصص التي تحضّ على التعاون و الإخلاص و العطف و الوفاء و الصدق، و كذلك الإقبال بشغف على القصص الزاخرة بالعجائب التي يكون أبطالها عمالقة أو أقزاما وما شابه هذه القصص.و يزداد اهتمامه في هذه المرحلة باستخدام بعض الوسائل و اكتساب بعض المهارات ومنها اكتساب مهارتي الكتابة و القراءة كمهارتين تفتح أمامه بدايات أفاق المعرفة الإنسانية في أشكالها البسيطة.. في هذه المرحلة يكون الطفل شغوفا باكتساب الخبرات الجديدة ويكون سريع التأثر بما يرى و يسمع … كما يهتم بالتعرف على الكثير من الأمور العملية.
إن الموضوعات التي تقدم إلى الطفل في هذه المرحلة كثيرة و متنوعة، و لكنها تحتاج إلى صياغة الأديب الذي يتعرف على الرصيد اللغوي للطفل في هذه المرحلة:مفرداته تفكيريا … مفرداته لغويا شفويا و كتابيا.. عباراته وهو يلعب مع رفقائه.. في رحاب المدرسة.. عباراته خارج المدرسة..
3 ـ مرحلة المغامرة و البطولة(مرحلة التمكن من القراءة و الكتابة 10-12سنة)
و هي المرحلة التي تمتد من نهاية التاسعة أو بداية العاشرة حتى الثانية، نهاية التعليم الابتدائي ..و تظهر فيها ميول الطفل تجاه حب التملك و الاقتناء، وتتفتح نفسه على قصص البطولة و الشجاعة و الرواد و المكتشفين ..في هذه المرحلة تبدأ شخصيته بالظهور والتميز بين أقرانه.. في كل الفضاءات التي يتحرك فيها وقد يكون عنصرا فاعلا..يميل إلى الاعتداد بالنفس و القوة و التفرد بالمواقف التي تميزه عن الآخرين واستخدام خبراته في إبراز قدراته و تميزه.
و ما يقدم للطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى انتقاء دقيق لما يكتب و يقدم إليه من مواضيع و مضامين تكون بناءة تؤثر إيجابا في بناء شخصيته فيتفاعل معها و يتأثر ويتوازن فينسجم ..كي تنمو لديه الاتجاهات الصحيحة فتزداد شخصيته قوة وثابتا ووضوحا.
4 ـ مرحلة المراهقة: (12-18سنة)
هذه المرحلة العمرية تصحبها تغيرات جسمية و ميول اجتماعية و دينية و فلسفية ورؤى متميزة للكون و الحياة بزخمها و توجهاتها المختلفة في شتى الميادين … في أواخرها يكون الفتى أو الفتاة قد بلغ طور النضج العقلي و الاجتماعي و اتضحت لديه الرؤيا المستقبلية نتيجة للأفكار التي تكوّنت لديه في مرحلة المراهقة و ما سبقها وما اكتسبه من خبرات حياتيه و مهارات مختلفة و قيم و معايير واتجاهات. 
في هذه المرحلة يكون قد امتلك القدرة على فهم اللغة الأصلية و ربما حذق لغة أجنبية أو لغتين و أصبح متمكنا من استخدامها و توظيفها بصورة أفضل..و يصبح أكثر قدرة على القراءة و المطالعة الواعية ونقد الأفكار والسلوكات الغيرية والحكم لها وعليها، في هذه المرحلة تبدأ عواطفه في الظهور في  و ينشط خياله و يزداد تعلقه بالمثل.
نورد هذا.. لان مبدع أدب الطفل من الضرورة بمكان أن يعرف هذا،ذلك أنه لما يكون دارسا لهذه المعطيات حرّي به أن يقدم ألوانا من الأدب بقدر ما هي مناسبة لكل مرحلة،فإن مرحلة المراهقة يتوجه فيها لطالب بلغ من الرشد شأوا ومن التحصيل المعرفي شأوا أكثر.. فالكتابة الإبداعية يجب أن تتضمن شتى الأطعمة التي بعضها ما يتعلق بأفكار المتلقي و منها ما يتعلق بخياله، و منها ما يتعلق بعواطفه.. و منها يتعلق ببيئته.. و منها ما يتعلق بأمجاد وطنه و عظمائه و عظماء الرسالة السماوية وعظماء الإنسانية وغيرها من الأمجاد … و يدخل في هذا الإطار أيضا ما يتعلق بمستقبل الفتى و الدور المنتظر منه كإنسان استخلفه الله في الأرض و كمواطن له رسالة تجاه نفسه و أسرته و وطنه… و لابد من استخدام الأسلوب الهادئ الذي يدغدغ نزعة الخير لديه ويساعده على التفكير الصحيح و يدغدغ أيضا عواطفه برفق كي يهذبها.
و في التاريخ الإسلامي و العربي و الوطني ماضيا و حاضرا الكثير من الموضوعات و الصور التي تحتاج إلى الكاتب الفذ الذي يعيد صياغتها و إخراجها في شكل أخاذ ويضعها بين أيدي الناشئة، من خلال عرض أدبي مشوق و جميل يتلاءم مع هذه المرحلة بصفة خاصة و يحظى بقبول وشغف الطفل الناشئ و المراهق الشاب و يشده إلى المطالعة و اكتساب عادة القراءة و الاطلاع و الدراسة الواعية.
و قبل أن نذهب إلى السمات الأساسية لأدب الطفل ، نطرح السؤال التالي : هل الذين يكتبون للطفل في بلادنا جلهم على دراية بما أوضحناه سابقا عن العلاقة بين النمو و مراحله و ضرورة توافق الكتابة مع كل مرحلة؟ .. سؤال يبقى وسيبقى مطروحا… !


السمة الأساسية لأدب الطفل
لا يكفي كاتب الطفل و مبدع أدبه أن يعرف مراحل النمو و خصائص مراحل الطفولة فحسب، بل عليه أن يكون على إطلاع و معرفة كافيتين بما يناسب كل مرحلة و نقصد هنا الأساليب المناسبة التي يمكن استخدامها و تؤدي الغرض المنشود في كل مرحلة.
ففي المرحلة الأولى ـ مرحلة ما قبل الكتابة ـ يقدم أدب الطفل إلا عن طريق الكتب المصورة أو الحكايات و القصص المصورة و بالصوت أو حتى عن طرق التسجيل و التقديم الصوتي … و السوق اليوم تزخر بالعديد من الأشرطة و الأقراص المحوسبة صوتا و صورة … وضعتها شركات متخصصة أو كُتّاب لهذه المرحلة العمرية.
و في الكتب المصورة بإلإمكان استخدام بعض الكلمات إلى جانب الصورة أو تحتها ربطا للدال بالمدلول لأطفال آخر هذه المرحلة الذين هم قاب قوسين أو أدنى من التمدرس.
و أما في المرحلة الموالية ـ مرحلة الطفولة الثانية ـ مرحلة بدايات تعلم الكتابة و القراءة و ما بعدها فإن توظيف آليات القراءة المكتسبة و مهاراتها بقدر ما تساعد الطفل المتعلم عن اكتساب المعرفة وفق مناهج تعليمية، فإن القراءة تفتح أمامه آفاقا رحبة في القراءات المستقلة عن المنهاج سواء في حصص المطالعة التي تبدأ في السنة الثالثة من مرحلة التعليم الابتدائي ببلادنا ، وهي حصص لم يحدد لها المنهاج عناوين محددة و لا موضوعات مضبوطة.. فالموضوعات تكون من انتقاء المدرس أحيانا ، وحتى من اختيار الأطفال الذين يغذون المكتبة المدرسية بعناوين … أو قراءات مستقلة.أيضا داخل الأسرة بمساعدة الوالدين أو مع الأخوة و الأخوات.. هذه القراءات دون شك هي بدايات جيدة و ذات فعالية في تعامل الطفل مع أدبــه … هذه القراءات بقدر ما فيها متعة وإشباع لفضول يزداد يوما بعد آخر،فإنها وسيلة للتربية و التنشئة و اكتساب القيم و المعايير و مصدرٌ يساعد على تنمية الخبرات و المهارات و توسّع المعارف و تحسين الرصيد اللغوي.
و الطفل يقرأ لينطلق إلى عوالم جديدة كانت مغلقة أمامه … بالقراءة تتكشف فيشعر بالمتعة والسعادة … فضلا عن إرضاء حب الاستطلاع و التعطش للمعرفة … و قابلية النمو الفكري والعاطفي و تنشيط الخيال و الدفع إلى الملاحظة و التأمل و التفكير و البحث.
لطالما نحن نتكلم عن الأسلوب فإننا نؤكد بأن الكتابة و الإبداع في أي مجال موهبة قبل كل شيء … كما هي حصيلة ثقافة موسوعية .. و لما يتعلق الأمر بثقافة الطفل و أدبه فالموهبة و الثقافة أشد .. و مؤلف أدب الطفل يجب أن يُدخل في ذهنه معطيات أخرى جديرة بالاعتبار و هي العوامل التربوية و السيكولوجية و السوسيولوجية و الفنية و اللغوية بغية إيجاد أسلوب كتابي مناسب.
إن الأسلوب المناسب يحصره مؤلف كتاب:فن الكتابة للأطفال ـ أحمد نجيب في النقاط التالية:
1- مراعاة مستوي الطفل و درجة نموه، و يستحب في كاتب الأطفال أن يكون ممن مارسوا مهنة تعليم الصغار.
2- اختيار الألفاظ السهلة الواضحة، الغنية بالصور البصرية و المعاني الحسية.
3- استعمال أسلوب التكرار في الكتابة لتوضيح المعنى.
4- التشويق لجلب اهتمام الطفل.
5- كتابة الفكرة الواحدة بأساليب متنوعة يُراعى فيها مستوى الطفل.
6- الابتعاد عن أسلوب الوعظ و الإرشاد و النصح المباشر.
7- اختيار العناوين المؤثرة و إيجاد أسماء لأبطال القصص مناسبة و معبرة.
8- استعمال الحوار القصصي و المسرحي الملائم.
من بين المهتمين بأدب الطفل من يرى بأن مبادئ و خصائص أسلوب أدب الطفل تأخذ الصدارة قبل الموضوع و ما تضمنه من أفكار و قيم تربوية … و الأسلوب في رأي الكاتب العراقي الهادي نعمان الهيتي ينحصر في أساسيات أربع و هي: الاقتصاد، الوضوح، القوة، الجمال.
الاقتصاد: الذي يتمثل في تقديم الأفكار بصيغ أدبية لا ترهق الطفل و لا تكلفه جهودا كبيرة، وذلك باستخدام كلمات و تعابير واضحة لا تحتمل أكثر من معنى واحد … و أن تكون الكلمات و التعابير ثرية مع عدم اللــجوء إلى الإطناب و الرصانة، حتى لو كلفنا ذلك الاستغناء أحيانا عن فكرة أو حقيقة.. لان الطفل الذكي كثيرا ما يشعر بأن بعض الأفكار مُقْحمة و دخيلة على النص الأدبي … و معروف أن أهمية الأفكار و قوتها تدفع الطفل إلى التأمل و التفكير.
وضوح الأســلوب: هادي نعمان الهيتي يرى أن وضوح الأسلوب لا يقل أهمية عن العنصر السابق فوضوح الأسلوب و بساطته كلمات و تراكيب و أفكار يساعد المتلقى على الإقبال و الاستغراق في القراءة … والغموض من شانه أن ينفر لأنه يشوه المادة الأدبية "و الحقيقة تكون أكثر جمالا إذا تعرت و يكون التأثير الذي تحدثه عميقا بقدر ما يكون التعبير عنها بسيطا، وذلك راجع من جانب إلى أنها في ذلك التعبير تستحوذ استحواذا كاملا على روح القارئ و لا تدع له من الخواطر الجانبية ما يشتت ذهنه، و من جانب آخر لأن القارئ يشعر و أنه لا يوجد من يحاول خديعته و إفساد إدراكه بفنون البلاغة، و أن كل ما للقول من أثر في نفسه نابع من الشيء ذاته" .
قـوة الأســلوب:يؤكد السيد هادي نعمان بأنها تتمثل في المثيرات أو المنبهات التي توقظ أحاسيس الطفل ومشاعره و تحرك وعيه و خياله، و تحفزه على التأمل و التناغم و التوافق مع الفكرة المقدمة.. و لا ريب أن استعمال الكلمات المعبرة و العبارات القصيرة الواضحة و الثرية بالمعاني و الأفكار.. و إطلاق الصفات الخاصة ذات التأثير الانفعالي في الطفل و الدقيقة بعيدا عن الصفات العامة المألوفة.. وتحاشي ما يبلبل الذهن و يُعثر عملية القراءة… هذه العناصر تمنح الأسلوب قوة، و تساعد على استثارة اهتمام الطفل المتلقي و جذبه و مشاركته الكاتب في أفكاره.. وولوجه الأجواء التي رسمها.
جمال الأسلوب: ذاك التناغم بين الأصوات و المعاني عن طريق استخدام ألفاظ و تعابير سلسة موحية و في التناسق بين الأفكار و المواقف و ما يثير ذلك من إحساسات و مشاعر دون تكلف.
و يربط السيد هادي نعمان بين الأسلوب و الأفكار و يعتبر ذلك من ملامح جمال الأسلوب.. حيث أن الأفكار المختلفة تستلزم تعبيرات مختلفة.. ضف إلى ذلك ضرورة تلاؤم الأسلوب و قدرات الطفل المتلقي العقلية والمعرفية و الوجدانية و الفكرية و الخبراتية و الأدبية.
و يصر الكاتب هنا على أن كتابتنا في ثقافة الطفل و كذلك في أدبه لا نعتمد فقط على قاموس الطفل اللغوي و رصيده المكتسب، بل نعتمد أيضا إلى جانب قاموسه اللغوي على القاموس الإدراكي لديه و الذي يتجلى في قدرته على فهم كلمات و تعابير أخرى من خارج قاموسه اللغوي الذي يتحدث به … و هو لدى البعض ما يسمى بالحدس أو بالعقل الباطن.
بدورنا نؤكد هنا إضافة إلى الآراء السابقة للكاتب العراقي على ضرورة توفر الخفة في أسلوب أدب المتلقي و دغدغة شعوره الطفولي … بحيث كل فقرة من النص تحمل فكرة و ابتسامة.
ولئن كنا نتكلم عن أسلوب الطفل ،ففي الآن عينه نتكلم عن اللغة التي يُجمع جل كتاب أدب الطفل على أنها اللغة السهلة الواضحة التي يفهمها و التي تساعده على الفكرة المطروحة بيسر و دون مشقة و توفر له المتعة و السعادة، و تقوده برفق نحو متابعة حوادث القصة أو المسرحية أو غيرهما أو تصور ما يجري في الحكاية.
لذلك ينبغي لكاتب الطفل أن يعرف مستوى الأطفال الذين يكتب إليهم و خصائص نموهم البدني و العقلي و الوجداني و اللغوي و الفكري و الاجتماعي و خصوصيات المجتمع و المحيط كما سبق ذكره .
و لـلمرحوم كامل كيلاني رأي في هذا، إذْا يرى أن تكون اللغة التي يقدم بها الكاتب لأدب الطفل أرقى من مستواه قليلا حتى يستفيد منها بمحاكاتها و من ثم تتحسن لغته و أسلوبه مع حرصه على تجنيب الأطفال الخطأ اللغوي و المعنوي في كتاباته.
جون أيكن … كاتب للأطفال يحدد شروطا يراها ضرورية لكل من يتقدم للكتابة في أدب الطفل، حيث يقول:
« لهذا عليك قبل البدء بالكتابة أن تكون واثقا في نفسك فيما إذا كنت تكتب عن الأطفال أو للأطفال… هل لك قارئ أو قراء مرتقبون ؟ و لكن ما لم يكن لك أنت الكاتب قارئ محدد راسخ الهدف الذي توجه قصتك نحوه أو عملك الأدبي، فلعل مؤلفك يتذبذب و يتردد و يسقط بين أسلوبين و تضيع الفرصة، و بناء على هذا و لأجل الوضوح في أسلوبك و عرضك ومنفعتهما، عليك أن توطد قناعتك قبل أن تبدأ وترى إذا كنت تنوي أن تكتب لفلانة أو فلان من الأطفال ».
و يواصل جون أيكن حاثا على أن يتعرف كاتب الأطفال على جمهوره سواء كانوا من وطنه أو غيره:
« أديب الأطفال ينبغي أن يتعرف إلى جمهور الأطفال … أن يحيط بهذا العالم الغريب، مع الرغم أن الإحاطة التامة تظل أمرا عسيرا لأن ما يكتب ـ شكلا و مضمونا ـ يخضع لطبيعة هذا الجمهور و خصائصه، و لا يكفي أن يتعرف الأديب إلى عدد من الأطفال سواء كانوا أبناءه أم أبناء جيرانه أم تلامذته … بل ينبغي أن يدرس جمهور الأطفال دراسة علمية معتمدا على ما توصل إليه رجال التربية و علم النفس .» 
و لكن هل يعني هذا أن يتصرف الأديب حيال الأطفال مثلما يتصرف رجل التربية أو علم النفس و هو الأديب الفنّان؟
بالطبع لا، لأن موقف أديب الأطفال كموقف الفنان التشكيلي حيال لوحته الفنية التي يبدعها.. إنه يتطلع إليها من مسافة قريبة بين حين و آخر ليعود و يحمل الفرشاة..ليضيف لمسة أو يضيف لونا أو يمزج لونا بآخر..و هكذا. و لا يكفي أن يعرف أديب الأطفال جمهوره، بل عليه أن يحترمهم..أن يحبهم … و بتلك المحبة و ذلك الدفء الإنساني السامي يقنعهم من خلال إبداعه أنه صديق لهم.
و أخيرا يمكن القول:إن أدب الأطفال يؤلف أداة فنية من أدوات تنشئة الأجيال التي تعتبر ركيزة المستقبل. و يؤلف هذا النوع من الأدب دعامة رئيسية في تكوين شخصيات الناشئة عن طريق إسهامه في نموهم العقلي و النفسي و الوجداني و الاجتماعي و اللغوي و تطوير مداركهم و إغناء حياتهم بالثقافة التي تُعرف بثقافة الطفل، وتوسيع نظرتهم إلى الحياة و إرهاف إحساساتهم و إطلاق الخيال عندهم … و أدب الطفل بقدر ما هو وسيلة لتحقيق ذلك فإنه أداة فعّالة و حسّاسة للنهوض بالمجتمع من خلال الأطفال.
كل هذا متوقف على الكاتب الأديب الفنان القادر على إغناء المكتبة العربية بما يلبي حاجة الطفل العربي من تهذيب و تثقيف … هذه الرسالة تتساوى مع رسالة رجل التربية ..فهل نعثر على هذا الفنان الأديب المربي ؟

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

فلسفة الحب والجمال في الفكر والأدب (دراسة نظرية)الجزء الثاني

بقلم: رامز محيي الدين علي-الإمارات الفصلُ الثّاني– فلسفة الجَمال: مدخل :       اختلف النّاسُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *