الرئيسية / زهرة الحياة / الطفولة…ومعوقات الإبداع

الطفولة…ومعوقات الإبداع

ذ بشيرخلف

"الإبداع هو تجدّد الحياة، وهو فعلٌ اجتماعي له شروطه وليس مجرّد هبة فردية.إنه جزْءٌ من صناعة الوجود." شوقي جلال

مدخل :

جديرٌ بالذكر أن تطوير القدرات الإبداعية لدى الطفل لا ينفصل عن العملية الشاملة للتنشئة الثقافية والتنشئة الاجتماعية على جميع المستويات في المجتمع الواحد.ولمّا كانت السنوات الأولى من عمر الإنسان تشكّل قاعدة أساسية في تنشئة الطفل وتربيته وتوجيهه وتهذيبه وإبراز القدرات الكامنة عنده ومنها ملكة الإبداع، فإن أغلب المجتمعات تٌولي العناية لتطوير القدرات الإبداعية في الطفولة، وحتّى قبل مرحلة التمدرس.

نعم.. الطفل شخص مبدعٌ

الطفل يتمتع بصفات إبداعية، لأنه يتمتع بذكاء قائم على الدهشة والتعجّب والشغف بالمعارف الجديدة، وبمغامرات استكشاف المجهول كأساس لتنمية النزوع إلى البحث وكشف المحيط الطبيعي والاجتماعي الذي يحيا فيه، وذلك من خلال روح اللعب المسيطِرة على حركاته وأنشطته.وتُعدّ هذه الصفات جوهر اكتساب المعرفة، وتنمية الإثارة والدهشة والتفكير الإبداعي الابتكاري.كما أن الطفل شخصٌ خيالي إلى أبعد مدى، يمارس أنشطته الخيالية بدون حدود، ويتعجّب ممّا يراه البالغون عاديا ومألوفا، كما أنه يمارس أنشطته التعبيرية بطلاقة وتنوّع ويتمتع بالمرونة في أنشطته الحرّة، خاصة إذا لم تكن موانع ممّن يتولّى أمر تربيته..حرّية تتجلّى بوضوح مع الأقران وبينهم.(1)

إبداعات طفولية…متميّزة

المتخصّصون في التربية وعلم النفس يضعون معايير يمكن من خلالها تحديد الأعمال والمنتجات الإبداعية للطفل في : الجدّة والأصالة والتميّز. وينبغي ألاّ ننظر إلى الإبداع في فنون الطفل من المنظار العلمي المطلق كنظرتنا إلى أعمال الراشدين وإبداعاتهم، وإنما يُحدّد ذلك من خلال المقارنة والتميّز على الأقران في نفس العمر. ومن الأمانة العلمية أن يكون المقيِّم لإبداع الطفل مدركا لمراحل النموّ الفنّي لدى الأطفال حتى يمكنه تحديد مستوى هذه الأعمال الإبداعية وما إذا كانت تتماشى مع مستواه العمري أو أعْلى أو أدْنى..فالطفل خيالي في رسومه ولا يلتزم بالواقع.ونحن آثرْنا أن يكون حديثنا عن الإبداع في الرسم أولا، لكونه النشاط الأساسي والأول المُمارس من الطفل في سنّ مبكرة قبل تمدرسه وقبل معرفته للحروف
ذلك أن رسوم الأطفال أحد أشكال بناء النفس في المجال المعرفي والعقلي والمزاجي والوجداني، فهي ليست مجرّد تخطيطات عديمة المعنى، بل تعني الكثير للطفل أو لمَــنْ يهتمّ به، فهو يستنطق من خلال رسومه كل ما يعتريه من آمال ومخاوف وأفكار ومفاهيم..ولذا لا يكون اهتمامنا منصبّا على النواحي الجمالية، وإنما يتّسع ليكشف الصلة بين خصائص النموّ الفني ونواحي النموّ الأخرى .

لئن كان المبدع الراشد حين يبدع يحسّ بحالة ( ألنحن ) تلحّ عليه.فهو وإنْ تكلّم بضمير (الأنا) لكن أناه هذه لا حدود تفصلها عن سائر الأنوات الأخرى في محيطه الاجتماعي. فإن الطفل حين يبدع لا يحسّ بحالة ـ ألنحن ـ إطلاقا.أناه حدودها تنتهي عنده وحده، ليس في حاجة إلى غيره.

ما سبق ذكره يقودنا إلى أن تكون الأسرة أو المعلم والمعلمة على معرفة وإدراك بأهمية الإبداع وطرق بروزه ومجالاته وتطوّره تبعا لتقدّم الطفل العمري والتحصيل، فيكون المعلم وتكون المعلمة داعما وداعمة للاتجاهات الإيجابية التي تعين على فِــعْل الإبداع لدى الطفل.ومن المعروف لدى المتخصصين أن القدرات الإبداعية تتواجد لدى كل الأفراد ولكن بدرجات متفاوتة تتّسع أو تضيق وفق استعداداتهم الطبيعية من جهة، والمحيط الإنساني والطبيعي المتواجدين فيه ونظرته لتلكم القدرات الإبداعية من جهة أخرى.بقدْر ما هو مهمٌّ تواجد هذه القدرات الإبداعية ؛ فما هو أهمّ تشجيع ممارستها عن وعْيٍ.بالرغم من أن الإبداع استعدادٌ،هناك عوامل أخرى يتوقّف عليها أن يكون الفرد مبدعا أو غير مبدع مثل دوافع هذا الفرد واتجاهاته، وفرص تنمية هذه الطاقات الإبداعية في البيئة المحيطة ؛ فالقدرات الإبداعية هي عبارةٌ عن مجموعة مهارات قابلة للنموّ والتحسّن عن طريق التكوين والتدريب.

وقد أثبتت الدراسات العلمية والخبرات المكتسبة والمعايشات الميدانية في العديد من البلدان بما في ذلك بلدنا، وما لمسناه في العديد من المؤسسات التعليمية ولدى العديد من العائلات أن الوالديْن والمعلمين والمعلمات الذين يؤمنون بإبداعية أطفالهم يصبح أبناؤهم أكثر نشاطا ويقظة وطموحا ومغامرة، وأعْلى قدرة على الإبداع ؛ فالأطفال يؤدون أدوارا إبداعية رائعة نندهش لها إذا ما هيّأنا لهم تفاعلا نشطا ومتجدّدا أثناء اكتسابهم المعارف والخبرات والأنشطة من مصادر المحيط القريب والبعيد.ويتوقّف هذا الدور الإبداعي على كيفية تدريبهم والشروط والإمكانات المسخّرة لاكتساب المعرفة وتنظيمها، وطرق تفاعلهم مع المثيرات المختلفة التي يتفاعلون معها.

نظرتنا إلى الطفـولة

يُنظرُ إلى الطفل في المجتمع السليم كطاقة تنبض بالحيوية والنشاط والثقة..هو متعة الحاضر وطُمأنينة النفس وأمل المستقبل الباسم.والطفل الذي يحصل على تربية متكاملة بالتأكيد تتظافر في شخصيته، الصحة الفسيولوجية، والنفسية، و الذهنية , والروحية ؛ ولمّا كانت الأسرة والأبوان خاصة هما مدخل الإنسان إلى المجتمع، فإنهما يصوغان البنية الأساس لشخصية إنسان المستقبل، ولنمط علاقاته بالآخرين.فالأب المتسامح إلى حدٍّ مــا وتسامحه هذا يستند إلى وعْيٍ وفهم يعوّد طفله على الجرْأة والبحث والاستزادة من الخبرات والمعارف، وينمّي لديه الاعتماد على الذات.وشخصية الأم الواعية..الأم المتعلّمة..الأم المثقفة..الخبيرة بشؤون الحياة تغرس في نفسية طفلها حبّ الله وحبّ الناس وحبّ الحياة والتوغّل في مسالكها..ممّــا ينمّي لديه حبّ البحث ويُشْبع لديه الفضول، فتنشط عنده روح المبادرة والتطلّع إلى إثبات الذات من خلال الإبداع.

واقعنا الآن وحتى ونحن في القرن الحادي والعشرين يكذّب ادّعاءاتنا التي نرفعها ونحاول أن نقنع بها أنفسنا، بأن أبناءنا حالهم أحسن من حالنا لمّا كنّا في عمرهم..فعلا الظروف المعيشية تحسّنت ومستلزمات الحياة العصرية توفّرت.الوعي الفردي والاجتماعي ارتفع..المستوى الفكري للفرد تحسّن بفضل التعليم وتيسّر طرق كسْب المعرفة وتنوّعها.لكن بكل أسف أغلبنا يتعامل مع أبنائه وأفراد أسرته نفس معاملة جدّه لجدّته وأبيه لأمه. روح السيطرة والقهر سائدتان في أغلب بيوتاتنا..كل تحركات أبنائنا هي فوضى لا نطيقها، كلّ سعي نحو التفتح واكتشاف المحيط مضيعة للوقت..كلّ طفرة في وضْعٍ كهذا قد تبرز لدى أحد الأطفال تُخنق في المهد لا نلتفت إليها، بل نحتقرها ونعيّر صاحبها لكونه يتلهّى بما لا فائدة فيه.يحدث هذا في أسرنا وفي مؤسساتنا التعليمية..أطفالنا اغلبهم في نظر الأساتذة والمعلمين متمرّدون، عُصّــــاة، فوضويون، يكرهون المعرفة هم في حاجة إلى الترويض عن طريق العقاب البدني، أكثر ما هم في حاجة إلى التهذيب والتعلم والتعليم والتثقّف والتثقيف.

هل للإبداع بدايــة ؟

إن عملية تنمية الإبداع تبدأ من ما قبل المدرسة، أي مرحلة ما قبل التمدرس في المنزل من خلال الرعاية الأولية للطفل تحت أنظار والديْه بإحاطته بمثيرات تعمل على تنمية إدراكه الحسّي والعقلي بتوظيف واستغلال ما بالبيئة المحيطة به طبيعيا واجتماعيا وما تزخر به من وسائل وإمكانات خام وغير خام، وبعض الألعاب الإدراكية، والتفاعل مع الآخرين.

الطفل في الأسرة يُــدرّبُ على تنظيم بعض الوظائف الحيوية في جوٍّ انفعالي حميمي فيه حبٌّ وتقبّلٌ ممّــا يزرع الثقة في نفسه ويدفعه أكثر إلى الاكتشاف وإشباع فضوله.إن الأسرة لها دورٌ كبيرٌ وفعّالٌ في تشكيل عادات ومهارات تدفع إلى التفتّح والانفتاح..لنربطْ هذا القول بواقع أطفالنا في أسرنا وفي مؤسساتنا التربوية والتكوينية عامة وليس المدرسة فحسب..إنه واقعٌ مــرٌّ.نريد من أبنائنا أن يكونوا موهوبين، متفوّقين، متحصّلين على أعلى الدرجات، لا شغفا بالعلم ولا حبّا في المعرفة ولكن من أجل التفاخر بهم أمام المعارف والجيران وزوّارنا، دون أن نساهم كأولياء في توفير الشروط المعنوية والمادية لهم لكي ينموا على الأقل نموا طبيعيا وعاديا.أغلب الأسر لا تعرف عن كُنه الطفولة شيئا وتجهل مراحلها وخصائص هذه المرحلة عن تلك وحاجيات الطفل ونوعيتها في كل مرحلة، وتنتظر هذه الأكثرية بفارغ الصبر موعد تمدرس طفلها حتى تتخلص من صخبه وحركاته التي لا تتوقّف، كي تتولاّه مؤسسة أخرى ليُحشر مع غيره في حجرة تضم ما بين الخمسين والأربعين طفلا.

قبل أن نشخّص معوّقات الإبداع لدى أطفالنا حريٌّ بنا أن نقف قليلا عند مفهوم الإبداع ودواعيه وشروطه.

مــا الإبـداع ؟

تعريف الإبداع : لا شكّ أن الإبداع عملية معقّدة يصعب تعريفها ممّا أكثر تعاريفها.وسنكتفي بتعريفين يكادان يتفقان على أن الإبداع هو إيجاد الشيء ولكن لا على مثال سابق.

1 ـ في سياق تعريف الإبداع، يضيف الدكتور يوسف مراد الاختصاصي في علم النفس :

(( ومادة الإبداع مستمدّة من العالم الخارجي ومن الذكريات ولكن ليس الإبداع مجــرّد محاكاة لشيء موجود وإعادة بنائه، وإن تكن المحاكاة لا تخلو أبدا من عنصر الإبداع، بل هو الكشف عن علاقات ومتعلّقات ووظائف جديدة ثم إبداع الصيغة الصالحة لتجسيم هذه العلاقات والمتعلقات لإبراز هذه الوظائف ؛ ومنبع المبتدعات كلها هو الطبيعة غير أن المبدع لا يكتفي بمحاكاة الطبيعة في شكل من أشكالها ؛ بل يخلق شكلا جديدا، وذلك بمحاكاة أشكال مختلفة وبالتأليف بينها، أي بين أهمّ نواحي هذه الأشكال.ولا بدّ أن تكون هذه النواحي المستعارة من الأشكال القديمة قد اكتسبت دلالة جديدة في ذهن المبدع.)

2 ـ والإبداع حسب تعريف "غيلفورد " يشير (( إلى القدرات المميّزة للأشخاص المبدعين، والقدرة على إظهار السلوك الإبداعي إلى درجة ملحوظة، ويشمل السلوكُ الإبداعي فيما يشمل : الاختراع، التصميم، الاستنباط، التأليف، التخطيط.والأشخاص الذين يُظْهِرون مثل هذه الأنواع من السلوك وإلى درجة واضحة هم الذين يُوصفون بالمبدعين.))

وفي المجال التربوي والتعليمي يُعرّف ـ تورانس TORRANCE الإبداع بأنه :

(( عملية يصبح فيها المتعلم حسّاسا للمشكلات، وبالتالي هو عملية إدراك الثغرات والخلل في المعلومات والعناصر المفقودة وعدم الاتساق بينها، ثم البحث عن دلائل ومؤشرات في الموقف وفيما لدى المتعلم من معلومات، ووضْع الفروض حولها، واختبار صحّة هذه الفروض والربط بين النتائج، وربّما إجراء التعديلات وإعادة اختبار الفروض.)) 

الإبـداع … لا يأتي من فــراغ

الإبداع مرتبط أيما ارتباط بالبيئة بما تتضمنه من ظروف ومواقف تيسّر الإبداع، أو تحُول دون إطلاق طاقات المتعلّم الإبداعية.وتقسّم هذه الظروف على قسميْن هما :

أ ـ ظروفٌ عامةٌ : ترتبط بالمجتمع وثقافته، فالإبداع ينمو ويترعرع في المجتمعات التي تتميّز بأنها تُهيّئ الفرص لأبنائها للتجريب دون خوف أو تردّد، وتُقدّم نماذج مبدعة من أبنائها من الأجيال السابقة كنماذج يلتمس الجيلُ الحالي خطاها، وبالتالي تشجع على نقْد وتطوير الأفكار في شتى مناحيها.

ب ـ ظروف خاصّة : وترتبط بالإطار البشري التربوي من معلمين وأساتذة وإداريين وعمال ومشرفين تربويين وهم أصنافٌ في أدوارهم ووظائفهم في تهيئة الظروف والبيئة الصفّية والمدرسية لتنمية الإبداع لدى التلاميذ والطلاّب.

هل بيئة التعليم عندنا تنمّي القدرة على الإبداع ؟

1 ـ تنمية القدرة على الإبداع والتفكير الإبداعي رهْــنُ اقتناع الأساتذة والمعلمين والمسؤولين عن المؤسسة التربوية بأهمية الإبداع والمبدعين وتنمية قدراتهم الإبداعية.

2 ـ إخلاص الأستاذ والمعلم وحماسهما لإفادة التلاميذ والطلاّب، ورعاية المبدعين لا يقلّ أهمية في التدريس عن أية عوامل أخرى تتعلق بالعملية التدريسية.

3 ـ المتعلم بما يملك من قدرات عقلية واتجاهات إيجابية إبداعية، يمكنه تقبّل وممارسة العملية الإبداعية من خلال ممارسة النشاطات التدريسية التعلّمية التي تُعرّضه لمشكلاتٍ، تستثير وتتحدّى قدراته العقلية، وبدون توافر هذه القدرات تُصبح مشاركة المتعلم وانغماسه في العملية الإبداعية أمرا مستبعدا.

الطفل…ومعوّقات الإبداع والتفكير الإبداعي

الحواجز التي تحُول بين أطفالنا وبين الإبداع في شتى مناحيه عديدة وبإمكان الملاحظ الدقيق لطرق التنشئة التربوية لأطفالنا داخل الأسرة وفي قطاع التربية، وفي القطاعات الأخرى التي لها نصيب في التعليم والتكوين كالمسجد، ودُور الشباب، والمراكز الثقافية، وأماكن الترفيه العامة، والمنظمات الكشفية، ومراكز التكوين المهني، وغيرها من المؤسسات أغلبها تنظر إلى الطفل على انه شخصٌ فوضوي، مدمّرٌ، عدواني يجب أن يروّض وأن يُعامل بحزم، وحتى المرونة واللين والعطف معه لها حدود معه، لأن التمادي فيها يؤدي به إلى الميوعة والتمرّد والعصيان.ولا أعتقد أن نظرة كهذه للبراءة ستفكر في الإبداع الطفولي أو ستعمل على إبرازه وتنميته بتوفير البيئة المساعدة على جعله سمة من سمات تنشئتنا وتربيتنا.

في الأسرة :

يتسرّب الخطر الذي يلحق الأذى بالطفل ويسلب إرادته من خلال اعتباره ـ ملكية خاصة ـ وتعويضا لمهانة لحقت بالأم خلال تنشئتها، أو في عدم التوفيق في زواجها.ففي مجتمعات القهر والتسلّط الذكوري، كما هو الحال في بلدنا يلحق بالمرأة النصيبُ الأوفر من القهر والاستلاب.واستلاب إرادة المرأة هو الذي يحرمها من اكتساب المعرفة وتطوير مواهبها، ممّا يمكّنها من التعامل بوعي وشعور بالمسؤولية الراقية في حياتها الخاصة والعامة.ومن يدّعي جهلا أو تجاهلا أن وظيفة المرأة تتلخّص في الإنجاب والتنشئة، هو مخطئٌ، ذلك أن تربية الأطفال تتطلب خبرة بالحياة ومعارف خاصة فيما يتعلق بنفسية الطفل وآلية عملها وتفاعلها مع المؤثرات، والكثير مــمّا يصدر عن الأم يترك آثارا حاسمة في نفسية رجل وامرأة المستقبل وذهنيته ومجمل سلوكه.

قد تفتح الأم وعْي الطفل على حقائق الحياة، وتؤسس لديه احتراما للذات وثقة بالنفس وقدرة ذاتية على ولوج دروب الحياة وتسامحا حيال الآخرين وتعاونا معهم ومشاركة وجدانية .وقد تغرس فيه انفعالية مشوّهة وأنا داخلية معطوبة عن حُسْن نية أحيانا، وتعصّبا وتزمّتا يغلقان مجال الحياة على رحابتها مع الغير ومع الحياة.الأم المُسْتلبة تعوّض استلابها بامتلاك الطفل وإغداق الحنان عليه أكثر مما هو ضروري، بحيث تعطل تدريبه على الاعتماد على الذات والتعلّم من خلال التجربة والصواب والخطإ.وحيث ينشأ الطفل في حضن أمٍّ مضطَـهَدة يصعب عليه أن يكون شخصية مستقلّة.

وقد يأتي القهر من الأبوين معا في عدة أشكال ، منها :

ـ انعدام الاتصال : هناك أعدادٌ لا تُحصى من الآباء والأمهات يأنفون من الاتصال بأطفالهم، خاصة الآباء، قد يشكو الأطفال من أنهم لا يستطيعون التحدث إلى والديهم أو التقرّب منهم..ونؤكد بأن الكثير من الأطفال في منازلهم يكونون في أحاديث حميمية، وألعاب وتوافق وانسجام وتلقائية فيما بينهم أو مع الأم، بمجرّد دخول الأب يعمّ المنزل السكون والكل ينزوي..تتوقف الحركة والحياة.

ـ سوء استعمال كلمة (( لا )) الزجرية وكلمة (( نعم )) الدالة على التسامح المفرط. هناك آباء وأمهات شديدو التزمت، عظيمو الرغبة في فرْض سلطتهما على أطفالهما،متوهّمين أنهم إذا تنازلوا ولانوا سيعجزون مستقبلا عن فرْض السيطرة، كما أن التشدد والقسوة هما الوسيلتان الناجعتان لتكوين الأبناء الصالحين.

ـ الكثير من الآباء والأمهات لا يثقون في أطفالهم ولا يحترمونهم وأحيانا يعاملونهم كما لو أنهم غير عاديين، لا يراعون خصائص مراحل النمو وحاجات مراحل الطفولة، يتجاهلون فروق السن والفروق الفردية فيفرضون على الطفل حاجات ومطالب كما يرونها هم مثل الغذاء والنوم، وعادات النظافة والتحدث والاتصال بالغير، حتى ما يخصّ اختيار الأقران والأصدقاء.

ـ الابتعاد عن الأطفال : هناك عدد كبير من الآباء لا يعرفون أطفالهم حقّ المعرفة لسبب بسيط هو أنهم لا يقضون مع أطفالهم أوقاتا كافية.إن الأب الكثير المشاغل يحاول دائما أن يبعد أطفاله عن طريقه بحجة أنه مشغول، وأن وقته لا يتسع لأخذهم إلى نزهة، أو حتى الجلوس معهم ومحادثتهم وملاعبتهم، فما بالك بمسعادتهم على الدراسة والتعليم والتعلّم.إن كثيرا من الآباء يرتكبون خطيئة فاحشة عندما يتزوجون أعمالهم ووظائفهم ويُؤْثرونها على أطفالهم. 

وحيث يتعود الفرد منذ الطفولة على تلقّي الأوامر والنواهي، وحيث يتلقّى المعارف عن طريق التلقين والحشو وحدهما، تتعطّل في نفسيته روح المبادرة والبحث والثقة بالذات، وتتعطل في ذهنيته مَلكةُ الإبداع.هذه المَلَكَةُ وما يتفرّع عنها من خيال جامح وتطلُّعٍ للكشف وجسارة على ولوج المجهول والابتكار، يتمّ غرسها بدءا في المنزل ثم في مرحلة الطفولة المبكرة، وتتعهّدها وتنميها التربية العصرية في روضة الأطفال والمدرسة، وما يوفّره المجتمع من بعد من مجالات مختلفة تعمل على ازدهار الإبداع واحتضان المبدعين.

الإبداع يتعارض مع القيود ومع القهر..الإبداع عملية بناء، والقهر عملية هدْمٍ وإفْناء..القهر الأسري في مراحل الطفولة يترك شروخا في النفس لا تزول أبدا، وتبقى ظلالها القاتمة مؤثرة في حياة الفرد.هذا الدكتور " شريف حتاته " وهو كاتب وطبيب مصري، يتحدّث بمرارة عن هذه الظلال المتأتية من قهر والدته وقسوتها عليه في طفولته :

(( ولدت من أب مصري ومن أم أنجليزية..علاقتي بأبي ظلت سطحية..كان غائبا أغلب الوقت، ربما كان هذا الغياب مفيدا من بعض الوجوه فلم يمارسْ عليَّ تلك السلطة الأبوية التي كثيرا ما تعوق نموّ القدرات في البنت أو الابن..ولكن أمي كانت امرأة قوية، وصارمة.تربيت على قيم ومُثُل العهد " الفيكتوري ".

عندما كنت صغيرا تكاثرت عليّ التساؤلات عمّا يدور حولي وهذا شيء طبيعي في الطفل.فالتساؤل والتجربة تقودانه إلى المعرفة..إلى الخروج من نطاق الاعتماد على الآخر.كنت دائم السؤال عن كل شيء..لماذا ؟ لماذا ؟ وكانت أمي تنهرني عن هذه التساؤلات بشيء من الضيق.

كانت أمي أول مَنْ قهرني في الحياة..أنا مُدينٌ لها ببعض الصفات، لكنها في الوقت نفسه صبغت عليّ صفات أخرى تتعارض مع الإبداع..مع التصرف العفوي..والتفكير الحر..مع التساؤل والخيال، وكسْر الأنماط.كنت أحبّ الموسيقى حبا كبيرا..وفي ذلك الوقت لم تكن هناك وسائل للتسلية سوى الراديو  والسينما.كان يوجد في غرفة المكتب راديو كبير.كنت أغلق على نفسي الباب وأستمع إلى الموسيقى الأجنبية والعربية التي تُذاع من عواصم العالم..حفظت ساعات الإرسال، والبرامج، والموجات..أنتقل من محطّة إلى محطّة..أتصوّر نفسي قائد فرقة موسيقية، فاقف أمام المذياع وأحرّك ذراعي.

أمي كانت تمسك يدي وتقول : " هذه اليد..يد عازف بيانو أو جرّاح ماهر !! " بصيغة السخرية، ولكني عندما تمكنت من توفير مبلغ من المال اشتريت به كمانا، رفضت أمي أن ترسلني إلى مدرسة للتدريب على العزف حتى لا أنشغل بمجال الفن لأنه لا يؤدي إلى الربح المادي.
خرجت من مرحلة الطفولة، ثم من المدرسة بعد أن صُقلْت كأداة طيّعة للقيام بدور لا أعرفه.. شابٌّ جافّ العواطف.. متباعدٌ يشعر بالغربة في مجتمع هو ليس منه.))

اللعب لدى الطفل…الطريق إلى الإبداع

الطفل طاقة تزخر بالحياة والنشاط، وما تنفكّ هذه الطاقة أن تتفجّر في شكل لعب وحركات بريئة.فاللعب طبيعة فطرية في الطفل جعلها الله غريزة في نفسه تساعده في تنمية وبناء الجسد والعقل بشكل طبيعي، فقد يكون اللعب عند الكبار وسيلة لملْء الفراغ أو التسلية ولكنه بالنسبة للطفل عملٌ مهمٌّ جدا وضروريٌّ له على كافة المستويات العقلية والنفسية والجسدية والاجتماعية والسلوكية.فاللعب هو حياة الأطفال، وهو أحد الحاجات الأساسية للنمو الطبيعي لدى الطفل، فهو نشاطٌ حيوي يساعد على البحث والاكتشاف والتجريب والإبداع واكتساب الخبرات، وليس مضيعة للوقت وشغبا كما يعتقد الآباء.

اللعب يفتح الباب أمام الطفل للتعلم من خلال أدوات اللعب المختلفة التي تؤدي إلى معرفته للأشكال المختلفة والألوان والأحجام والتركيب والتحليل، والتمثيل وتقمّص الأدوار، والحصول على الخبرات والمعلومات المفيدة والمتنوعة من اللعب، كما تفجّر في الطفل طاقات الإبداع والابتكار، وتجريب الأفكار والاختراعات أحيانا، والتي تنمّي الذكاء والقيم المهارية والفكرية لديه.إذا كانت هذه هي فوائد اللعب وضرورته في مراحل الطفولة، لماذا نحاربه لدى أبنائنا ونقمعه بشتى أساليب القهر من تنبيه وتوبيخ وعقوبات جسدية، تسبّب في أحايين كثيرة عاهات دائمة وتكون خطيرة تؤثر على الحياة المستقبلية للطفل.يقول الإمام الغزالي رحمه الله :(( فإن منْع الصبيّ من اللعب، وإرهاقــه إلى التعليم دائما، يُميت قلبه، ويبطل ذكاءه.))

في المدرسة :

الطفل الذي ينشأ على تلقّي الأوامر والنواهي والإذعان لتوجيهات الكبار، وتلقّي المعرفة في المدرسة عن طريق التلقين والنسخ وحشو العقل دون مشاركة في اكتساب المعرفة، والاسترداد لها حرفيا في الاختبارات والامتحانات، تتربّى نفسيته وذهنه على موقف سلبي من نفسه، ومن غيره، ومن الحياة والكون، ويكون دوما في وضعية إذعان، بحيث يلوذ بالموروث ينشد فيه حلّ المشكلات. التلقين يعطل تطور التفكير، حيث يتناقض مع إكْساب مهارة البحث والتقصّي في الواقع وتنمية مهارة الابتكار..التلقين يعطل موهبة التفكير النقدي ويُبْقِي المرء على جهْل تام بالصيغ العلمية لدى تناول الأمور.وتتفاقم الحالة مع اعتماد التخويف والترويع أداة تربية وتهذيب للناشئة.

عطَــبٌ آخر أشدّ فداحة يكتنف العملية التربوية في مدارسنا ويتمثّل في حشْو المناهج الدراسية بالمعلومات التي يتوجّب حفظها عن ظهر قلب واستظهارها حرفيا في الاختبارات والامتحانات..المناهج وطرق التدريس في تجدد وتطور مستمرين وفق تطور الحياة المعاصرة ووفق ما وصل إليه علم النفس، وانعكس هذا التطور في بلادنا على المناهج وطرق التدريس التي جاءت بها المدرسة الأساسية في الثمانينات، وما جاء بعدها من تجديد في المفاهيم البيداغوجية والأهداف والغايات كالأهداف الإجرائية والمقاربات، والتدريس بالكفاءات وغيرها من الأفكار التربوية المعاصرة، إلاّ أن القلة من الأساتذة والمعلمين تماشت مع هذا التطور وعملت به عن قناعة وتبصّرٍ ووعي، وظلت وتحت ضغط الامتحانات والكم مرغمة على إنجاز البرنامج واعتماد التعليم وسيلة لذلك بدل التعلّم الذي يجعل المتعلم شريكا فعّالا في كسْب المعارف..والمتعلم في هذه الحالة يتحايل على ضُعْف قدرته على الحفظ باللجوء إلى الغشّ..ممّا يجعل هذا الغش حيلة متبعة لدى العديد من التلاميذ والطلاب، وقيمة تربوية يحبّذها الأولياء ويغضّ الطرف عنها البعض من المربّين..وهو واقعٌ موجود وخبرناه وعايشناه في أكثر من واقعة.ولا أعتقد كما يعتقد الكثيرون معي أن هذا النوع من التربية والتعليم يساعد على الإبداعية لدى أبنائنا.

إن الدراسات التربوية في العديد من البلدان أوضحت أن من أسباب معوّقات الإبداع في المجال التربوي والتعليمي :

أولا : التدريس التقليدي :الذي من جملة جوانبه أن يجلس التلاميذ مسمّرين في مقاعدهم في حجرة اكتظوا فيها ويصل عددهم إلى الخمسين وفي أحسن الحالات، الأربعين كما هو الحال عندنا.وأن يمتصّ هؤلاء المعرفة الملقاة لهم كما يمتصّ الإسفنج الماء دون مشاركة عملية، ممّا يعوق النشاط الإبداعي ونموّ القدرات الإبداعية.وساهم نمطُ القيادة التربوية لدي مديري المؤسسات التعليمية الاتباعي المقلِّد والمعادي للتجديد، بل المقاوم لكل إصلاح لأن أغلب المقبلين على الإدارة التعليمية عندنا هدفهم الحافز المادي، والتهرّب من التدريس، وهالة المنصب، وليس الهدف الحرص على تطوير الأداء التربوي والتعليمي.

يرى أغلب المدرسين وقد يشاركهم في ذلك العديد من المديرين ـ واقع موجود عايشنه وخبرناه ـ أن تنمية قدرات التلاميذ والطلاب الإبداعية عملٌ شاقٌّ ومضنٍ.فالتلميذ أو الطالب المبدع لا يرغب في السير مع أقرانه في مناهج تفكيرهم، وقد يكون مصدر إزعاج للمعلم والمدير معا، وغالبا ما يرفض التسليم بالمعلومات السطحية التي تُعرضُ عليه. كما يسبب بعض هؤلاء التلاميذ والطلاب حرجا لبعض المعلمين والأساتذة بأسئلتهم الغير المتوقّعة، والحلول البديلة والمخالفة والغريبة أحيانا التي يقترحونها لبعض المشكلات العلمية والمعرفية المطروحة.كما أن المدرسة التي يسيطر عليها جوّ الصرامة المبالغ فيه والتسلّط غالبا ما تكون أقلّ المدارس في استثمار الإبداع وقدرات التفكير الإبداعي لدى تلاميذها أو طلاّبها.

ثانيا : ضخامة المناهج : كثرة المواضيع والمحاور بالمناهج الرسمية المقررة للمستويات التعليمية، تعوق غالبا المدرسين عن تنمية القدرات الإبداعية لدى تلاميذهم وطلابهم، خاصة عندما يشعرون بأنهم ملزمون بإنهاء المادة الدراسية من ألفها إلى يائها. والسلطة التربوية تريد ذلك، والأولياء لا تهمهم المعرفة كغاية في حدّ ذاتها بقدر ما يهمهم أن ابنهم انتقل أو تحصّل على الشهادة …وللعلم لا يوجد في الأدب التربوي ما يؤكد أن إكمال تدريس مادة تعليمية ما، تعني أن التلاميذ قد استوعبوها وامتلكوها وتمثلوها.

ثالثا : تصميم المناهج والكتب الدراسية : تشير الدراسات التقويمية للمناهج في العالم العربي عموما إلى أن المناهج والكتب المدرسية المعتمدة لم تصمّم على أساس تنمية الإبداع.والأدب التربوي في مجال الإبداع يؤكد على الحاجة إلى مناهج تدريسية وبرامج تعليمية هادفة ومصمّمة لتنمية التفكير الإبداعي لدى التلاميذ
برامجنا غالبا ما تخلو من فرص التجريب العلمي والرياضي والأدبي والفني وحتى إن وجدت يتخلّى عنها المدرس ويتجاهلها، وإن قام بها يتولاّها بنفسه كنشاطات مخبرية أو يعوّضها برسوم ومخطّطات على السبورة.

رابعا : النظرة إلى الإبداع : يعتقد بعض المدرسين خطأً أن القدرات الإبداعية لدى التلاميذ والطلاب موروثة ومحصورة في عائلات معيّنة دون غيرها، وأن بيئة التعلّم أثرها قليل ومحدودٌ في تنمية القدرات الإبداعية.ويرى البعض الآخر أن الموهبة تكفي دون تدريب للإبداع.كذلك هناك عدد كبير من المدرسين، وبخاصة ذوي الاتجاهات السلبية نحْو الإبداع لا يعرفون أساليب الأداء الفعّال في التدريس ولا الطرق التربوية المساعدة على اكتشاف المواهب وتنميتها، ويسكنهم الخمول إلى درجة أن معارفهم وطرائقهم التي استهلّوا بها حياتهم المهنية تتآكل سنة بعد أخرى.ركنوا إلى مقولة : " ليس في الإمكان أبدع ممّا كان "

خامسا : عوامل أخرى محبطة للإبداع : 1 ـ التدريس الموجه فقط للنجاح والتحصيل المعرفي المبني على الحفظ والاستظهار.2 ـ الاختبارات المدرسية وأوجه الضعف فيها.3 ـ النظرة المعادية للتساؤل وروح البحث والاكتشاف لدى التلميذ، واللذان غالبا ما يُقابلان بالعقاب والقسوة من المدرسين.4 ـ الفلسفة التربوية السائدة في المجتمع ونظرته ومدى تقديره للمبدعين.

سادسا : اعتبارات أخرى : أغلب المدرسين يغفلون أو يتجاهلون أن أغلب التلاميذ والطلاب على اختلاف أعمارهم وعروقهم مبدعون إلى حدّ ما، بمعنى أن قدرات التفكير الإبداعي موجودة عندهم جميعا مهما اختلفت أعمارهم وعروقهم وأجناسهم.كما أنهم متفاوتون في القدرات الإبداعية، بمعنى أن الفروق الموجودة بينهم هي فروق في الدرجة لا في النوع، أو هي فروقٌ كمية لا كيفيةٌ.كما أن للبيئة أهمية كبيرة في تنمية الإبداع والتفكير الإبداعي، من خلال تأثيرها على الصحة العقلية والقدرات الإبداعية للمتعلم.فالمتعلمون يتعلمون بدرجة كبيرة وفاعلية في البيئات التي تهيئ شروط تنمية الإبداع، فقد تتوفر عند المتعلم القدرات الإبداعية التي تمكّنه من الإبداع، إلاّ أن البيئة ( البيت، المدرسة، مجموعة الرفاق، المجتمع بتركيبته المتنوعة ومؤسساته المختلفة ) قد لا تتوفر فيها التربة الصالحة للإنتاج الإبداعي الخلاّق.

المنهاج متطور ّ.. ولكن… !

قد تكون البرامج والمناهج التعليمية متطورة، ووُضعت من قبل اختصاصيين في مستوى عال من التأهيل والتخصّص لكنها وُضِعتْ بين يدي المدرس الغير الكفء والمدير العاجز عن استيعابها وتبليغها، والغير المتحمس لها حتى يتابعها ميدانيا، فإن هذه المناهج والطرائق والأساليب البيداغوجية لن تتحقق غاياتها المنتظرة.

لنُلقِ نظرة على ملمح التلميذ الجزائري المنتظر من خلال المناهج الجديدة المتأتية من الإصلاح التربوي الذي دخل حيز التطبيق بداية من الموسم الدراسي : 2003/2004 بدءا بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي من جهة والسنة الأولى من التعليم المتوسط من جهة أخرى.ويتواصل في الموسم الدراسي المقبل في السنة الثانية من التعليم الابتدائي والسنة الثانية من التعليم المتوسط.

جاء في كتاب مناهج السنة الثانية من التعليم الابتدائي الصادر في شهر ديسمبر سنة 2003 عن وزارة التربية الوطنية، في الصفحة السادسة تحت عنوان " ملمح التخرّج من التعليم القاعدي " والمقصود بهذا المصطلح ـ مرحلة التعليم الابتدائي. جاء ما يلي :

تهدف التربية القاعدية أو( الأساسية ) الإجبارية إلى تنمية شاملة للمتعلم، في المجال الوجداني، والمجال الحسّي الحركي، والمعرفي، ومعنى ذلك أنه ينبغي أولاً استهداف ازدهار الشخصية، بحيث يتمّ التأكيد على إيقاظ :

ـ الفضول، التساؤل، الاكتشاف.

ـ الرغبة في الاتصال بين الأفراد.

ـ الرغبة في التفتح على المحيط.

ـ حبّ العلم، والتقنية والتكنولوجيا، والفنون.

ـ الإحساس والشعور الجمالي.

ـ روح الإبداع والفكر الخلاّق.

ـ روح الاستقلالية والمسؤولية.

ـ الشعور بالانتماء إلى المجتمع.

ـ الشعور بالهوية الثقافية من خلال كل تركيباتها.

ـ الثقة بالنفس، وفي تنمية الشخصية.

ـ تنمية الضمير الأخلاقي والمدني والديني.

ـ تنمية روح المُواطنة والقيم السامية للعمل.

للمدرسة القاعدية ( الأساسية ) وظيفة رئيسية هامّة في إيصال المعارف الأساسية، وهي أيضا الفضاء المميّز لتعلّم الحياة الجماعية والاندماج وسط المجتمع.

غايات سامية تنطوي على قيم رفيعة وأساليب في تفتح المتعلم على محيطه، والدفع به إلى التقصّي والبحث والاكتشاف، وتنمية مهارات الإبداع والفكر الخلاّق.

السؤال الجدير بالطرح : هل نملك المدرس الذي بإمكانه تفهّم هذا المنهاج العصري والإيمان بجدواه، والاستعداد الصادق لإنجازه ؟ وهل مؤسسات المجتمع لها استعداد لاستقبال مئات التلاميذ والطلاب يومي لزيارتها والتعرف على أعمالها ووظائفها اكتشافا للمحيط ؟ وهل الإداريون والمشرفون على قطاع التربية قادرون على تجنيد الجميع من أجل الوصول إلى تلكم الغايات ؟ وهل الدولة مستعدّة لضخّ الأموال للتعليم الابتدائي من أجل توفير ما يلزم من وسائل مادية وتكنولوجية متطورة تماشيا مع المعارف الحديثة وتقنيات الاتصال، واحتضان هذه المدارس اليتيمة التي تسعى بلديات الوطن إلى التخلّي عنها والتنصّل من مسؤولياتها تجاهها، ووزارة التربية تأبى إضافتها إليها ماديا لكثرة عددها، على غرار مؤسسات التعليم والمتوسط والثانوي ؟ وهل….؟ وهل….؟ أسئلة مطروحة منذ السنوات الأولى للاستقلال.ولا أخالنا واجدين لها إجابات في القريب المنظور.

..ويبقى في ثنايا هذه الأسئلة سؤال يطلّ باحتشام : كيف ننمّي الإبداع لدى فلذات أكبادنا ؟ ومتى ؟

وبعـــــــد :

إن الطفولة أينما كانت لا يمكن لها أن تزدهر وأن تتطوّر إبداعيا خارج فضاءاتها التربوية السليمة. فالمجتمع بمكوّناته يتحمّل مسؤولية التنشئة.فضياع المواهب المبدعة تتحمّلها عملية التربية المتعاقبة التي تجبر الفرد على تشرّب وقَبول مفاهيم وتصوّرات وآراء اجتماعية تقف كمعامل مضادٍّ للإبداع.إن التخلف له آليات قسرية تنبع من خلال أساليب التنشئة والتربية والتكوين والإعلام، وسلطة العائلة، وسلطة المدرسة التي تشترك جميعها كحلقة تخلّفٍ تعمل على إخماد جذوة الإبداع.
إن الإبداع لا يتكوّن من تلقين المعارف التي هي عطاءٌ مشتركٌ، وإنما يتأتى الإبداع من اكتشافه أولا في مرحلة الطفولة المبكرة، ثم العمل على تنميته وفق طرق علمية وتشجيع أصحابه وتوفير الشروط المساعدة على جعله إبداعا يرقى بأصحابه فكريا من جهة، وبالمجتمع فيما بعد من جهة أخرى..بكل أسف إدراكنا لهذه لا زال غائبا، طالما نغمط المبدعين حقهم في التقدير والاعتراف بهم..

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

التربية الذكية

بقلم : هناء رشاد التربية الذكية ، أسلوب ناجح لبناء شخصية أبنائك • لا تدمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *