الرئيسية / إشارات ملونة / الألم والإبداع

الألم والإبداع

بقلم الأديب الجزائري أذ: إبراهيم مشارة 

 

الروح في حضرة الموت 

لاشئ یجعلنا عظماء غیر ألم عظیم "ألفرید دي موسیھ "

الألم كظاھرة جسمانیة أو نفسیة مظھر من مظاھر النقص في الكائن البشري وآیة عدم سویتھ، إنھ یصیب الإنسان بالعجز ویحسسھ بانسحاقھ وبعدم قدرتھ على مزاولة حیاتھ الیومیة كغیره من  

بني جنسھ.

وسواء أكان الألم جسدیا أم نفسیا فإنھ یلقي بظلالھ الشاحبة على عالم اللاوعي ویمسح بكآبتھ على  سرادیب الروح فیحس الفرد بنقصھ وربما عدم كفاءتھ -على الأقل- في ممارسة الحیاة العادیة  كعامة الناس. 

ولأن الإنسان أناني بطبعھ، وغریزة البقاء متأصلة فیھ ، تأصل خلایاه وأنسجتھ ولأن الموت والنسیان ھما خصماه اللدودان، فإنھ یسعى لاستكمال ذلك النقص المتجلي في المعاناة بضربیھا  الجسدي والنفسي بالتطلع إلى عوالم لا یرقى إلیھا الأشخاص العادیون وبالتحلیق في سماوات  تقصر مدارك الناس عنھا إنھ اللاوعي یقاوم الفناء ویؤكد خصوصیة الذات ویستنبت بذور البقاء،  ویشفي الغلیل -غلیل نفس مھما كانت إنسانیة-فھي حاقدة على الصحة الموفورة والاتزان النفسي  للجماعة -القطیع- ولھذا كان شاعرنا الكبیر المتنبي على حق حین قال: 

 ذو العقل یشقى في النعیم بعقلھ

 وأخو الجھالة في الشقاوة ینعم

وإذا كان فروید یفسر الإبداع على أنھ التحول في اللبیدو ، فإن كارل جوستاف یونغ السویسري یفسره على أنھ إحساس بالدونیة ومن ثمة التسامي -عن طریق الإبداع- بھذه الذات إلى الظھور  في مستوى الناس العادیین بلھ والتفوق علیھم والاستعلاء على مداركھم وطموحاتھم. 

وقد كانت العرب على حق حین قالت:" كل ذي عاھة جبار" وھو قول علمي أكثر منھ أدبي مضمونھ جمع بین الفلسفة والعلم، وترك لعقل القارئ تحلیل ھذا القول واستقصاء جزئیاتھ  لإدراك مرامیھ البعیدة التي شرحناھا من الوجھة النفسیة والوجودیة في بدایة المقال. 

وفي أدبنا العربي قدیمھ وحدیثھ مبدعون كبار –نثار وشعراء- ینسحب علیھم ھذا القول وذلك التحلیل المقدم آنفا. 

لقد كان الألم مھمازا للقریحة، ووقودا للسیر في طریق الإبداع والخلود وأجنحة حلق بھا أصحابھا في عوالم الفكر والشعور، ومعارج عرجت بھم إلى قمة الأولمب بین أقدام أبولون  فباركھا بأن منحھا الخلود ومنح إبداعھا إكسیر البھاء والبقاء. 

والعجیب في أدبائنا الشعراء والكتاب المتألمین، كانوا كالشھب في سماء الخلق الفني أضاءوا إضاءات سریعة واختفوا عن الوجود لم یثبتوا ثبات النجوم حتى لیملھا الرائي، فقد كانت حیاتھمق، قصیرة كان الألم والنشیج والأنین حجر الزاویة فیھا، وأشد ما یلفت النظر في الشھاب سرعة  حركتھ واندفاعھ في السماء وشدة ضیائھ الذي یكاد یخطف الأبصار ویكسف ما حولھ من نجوم  عتیقة. 

وكذلك كانت حیاة ھذا النفر من الأدباء ولعل شاعرنا الصداح فوزي المعلوف ( 1899 / 1930 (خیر من یمثل ھذه الفئة وھو إن لم یصبھ الداء العیاء في صدر شبابھ، بل كان مثالا  للصناعي الناجح في البرازیل والغني المتألق الوسیم، ولكن معاناتھ كانت نفسیة وجودیة رأت  الحیاة بمنظار أبي العلاء، وتشربت معاني رباعیات الخیام فبدا لھا الوجود غفوة والموت صحوة  والمال والبنون والصحة والوسامة مظاھر خداعة تتستر على ھاویة العدم وقاع الفناء، وعانى  ھذا الشاعر من النفاق والریاء والكذب والغرور والحسد تلك الصفات الممیزة للإنسانیة في  ملمحھا العام اسمعھ یقول: 

من یمت ألف مرة كل یوم * وھو حي یستھون الموت مـره

تعب كلھا الحیاة وھـــــــذا * كـل مـا قال فیلسوف المـــعره

واقرأ معي ھذا المقطع الذي تجد فیھ الشاعر قد نفذ إلى لباب الوجود

نـظرت وردة إلـي وقــــــــــالت * أنت مثلي في الكون للكون كاره￾حسب رأیھ- فإذا ھو الزوال والفناء:

ویـح نفسي مـن الربـــــــیع ففیھ * أجتـنى بـین آسـھ وبـھــــــــــاره

ومن الصیف فھو یحرق أكمامي * علـى رغـمھا بـلفحة نــــــــــاره

والـنسیم البـلیل ھــــــــل ھو إلا * قـاتلي بـین وصـلھ ونـــــــــفاره؟

یتصابـى حـتى أســــــلمھ نفسي * فـیــــــجفو والـعطر مـلء إزاره

وكان آخر ما نظم ھذا الشاعر:

مرحبا بالعذاب یلتھم العین * التھاما وینھش القلب نھشا

مشبعا نھمة إلى الدم حرى * ناقعا غلة إلى الدم عطشى

وقد خاطب قلمھ أجمل خطاب مرة:

یا یراعي مازلت خیر صدیق * لي منذ امتزجت بي وستبقى

باسما من سعادتي حین أھنــا * باكیا من تعاستي حین أشقى

وأما الشاعر اللبناني الآخر إلیاس أبو شبكة (1903 / 1947 (بودلیر الشرق ھذا الشاعر الذي أبدع في وصف الغوایة، وتتبع العورة والسقطة، فقد كان الألم دافعھ في الإبداع وحادیھ في  الكتابة اسمعھ یقول: 

من لم یذق في الخبز طعم الألم * ولـم یـنكر وجـنتیھ الســــــــقم

من لـم یغـمس في ھواه دمــــھ * من یمنع الأھـوال أن تطــعمھ

من لیس یـرقى ذروة الجلــجلھ * ومن لم یسمر في الھوى أنملھ

لن یعرف الـعمر شعاع الإلـــھ * ولـن یـرى أمـــــــالھ في رؤاه

وفي البیت الثالث استلھم الشاعر قصة صلب المسیح أجمل استلھام واللافت في ھذا الشاعر البارع في وصف الغوایة والمدرك لحقیقة الشعر والحیاة معا وھي قول ولیم بلیك "اذھب وطور  قابلیتك على رؤیة الرؤى حتى تصل بھا إلى أفضل ما یمكن أن تكون علیھ" أنھ عانى ألما جسدیا  ونفسیا معا عجلا بھ إلى ھاویة العدم وما أجمل قولھ: 

إن الشقا سلم إلى السما * فعدن میراث لمن تألما

وأجمل منھ ھذا المقطع الظاھر فیھ التأثر بالرومنطیقیة الفرنسیة الحزینة:

اجرح القلب واسق شعرك منھ * فـدم القـلب خمرة الأقـــــلام

وإذا أنت لم تـعذب وتـغمـــــس * قـلــــــــما فـي قـرارة الآلام

واشق ما شئت فالشقا محرقات * صعدت من مذابح الأرحـــام

رب جرح صار ینـبوع شــــعر * تلتقي عنده النفوس الظـوامي

وزفیر أمسى إن قدستھ الروح * ضـربا مـن أقدس الأنــــــغام

وعذاب قد فاح مـنھ بـــــــــخور * خالد فـي مجـامر الأحــــــلام

وكذلك كان شاعر مصري الذي لا یعرفھ إلا القلیل صالح الشرنوبي ( 1951-1924( رفیق صالح جودت، جرتھ كآبتھ ومعاناتھ النفسیة وقلقھ الوجودي إلى الموت تحت عجلة القطار  وھو القائل: 

غدا یا خیالي تنتھي ضحكاتنا * وآمالنا تفنى وتـفنى المشاعـــــر

وتسلمنا أیدي الحیاة إلى البلى * ویحكم فینا الموت والموت قادر

وقد كان الشاعر خلیل شیبوب(1891م-1951 (صریع الداء مكدود البدن تساقط نفسھ أنفسا على حد وصف امرئ القیس لعلتھ، وزاده الألم النفسي قھرا وعذابا فانفجر یقول: 

أنا بین الأمراض والحسرات * ذھبت صبوتي وضاعت حیاتي

كم دعوت السماء دعوة یأس * عالما أن راحتي فـي ممــــــاتي

حبذا الموت یـا ظلام فــــإني * تاعس الحظ قد سئمـت حیــــاتي

وأما الشاعر السوداني التیجاني بشیریوسف ( 1937-1912( فقد كان الألم ھو الآخر – وألمھ ھنا نفسي- كألم صاحبھ دافعھ إلى الإبداع وسلمھ إلى التحلیق في  سماء الابتكار، وقد كان كسابقیھ شھابا خطف الأبصار سناه ثم انتھى رمادا ، اقرأ معي ھذا  المقطع الدال على معاناتھ: 

ثـم مـاذا جـد مـــــــــن * بعد خلوصي وصفائي؟

أظلمت روحي ماعدت * أرى مــا أنــــــــا راء

أیھذا الـعثیر الغــــــائم * فـي صـحو سمــــــائي

للمنایا الـسود آمـــــالي * وللـموت رجــــــــائـي

وفي قصیدتھ قلب الفیلسوف یقدم لنا الشاعر ملامح شخص مرھف الحس، شدید الألم، تغطیھ أسمال بالیة على ھیكل مكدود وھو یعني نفسھ ومن على شاكلتھ:  

أطل من جبل الأحقاب محـتمـــلا * سفر الحیاة على مكدود سیمــــاه

عاري المناكب في أعطافھ خـــلق * من العطاف قضى إلا بـقایــــــاه

مشى على الجبل المرھوب جانبھ * یكاد یلمس مھوى الأرض مرقاه

ھنا الحقیقة في جنبي ، ھنا قـبس * من السموات في قلبي ، ھنـا الله

أما شاعر العربیة الكبیر وبلبلھا الصداح ونسمتھا المنعشة وعبیرھا الفواح ، شاعر تونس الخضراء أبو القاسم الشابي (1906 / 1934 (فالألم الجسدي وقصور قلبھ كانا سبب نكبتھ  ومعراجھ إلى سماء الخلود وطریقھ إلى الشعر بعد أن امتلك أسبابھ وتھیأت لھ فواتحھ، ولسنا  نتحدث عن الشابي المجدد والرومانسي وصاحب رائعتي إلى الطغاة وإرادة الحیاة وإنما نتحدث  عن الشابي المكدود العلیل الصارخ من الألم المستشعر نھایتھ القریبة في شرخ الشباب ونضارة  العمر ونكتفي بمقطعین یعبران عن معاناتھ الجسدیة والنفسیة من قصیدتھ "الصباح الجدید" وكأنھ  یؤمن في ھذه القصیدة بتناسخ الأرواح، أو بفكرة البعث بعد الموت واستمرار الحیاة إلى الأبد في  أطوار وحیوات مختلفة، ولكنھا حیلة اللاوعي وغریزة البقاء تسكن لوعتھ وتھدأ من روعھ حتى  تحین القاضیة ، اسمعھ یقول مخاطبا آلامھ وجراحھ: 

أسكـني یـاجـــــــــراح * واسكـتي یـا شجـون

مـات عـھد النــــــواح

وأطـل الصـبـــــــــاح * مـن وراء الـــقـرون

في فجـاج الــــــــردى * قـد دفـنـت الألـــــــم

ونـثرت الدمـــــــــوع * لــریـاح الــعـــــــدم

واتخـذت الـحیـــــــــاة * مــعزفـا للنـــــــــغـم

أتـغـنى علـیـــــــــــــھ * في رحـاب الـزمـان

أما شاعر العراق الكبیر ورائد شعر التفعیلة بدر شاكر السیاب (1926 / 1964 (فكانت معاناتھ جسدیة، جسد ذاوي كأوراق الخریف ونشاز خلقي سبب لھ الألم وھو الشاعر المفتون بالنساء  العاشق للمرأة الراغب في امتلاكھا الساعي إلى مواقعتھا نزولا عند رغبتھا واستجابة  لاستعطافھا، لقد كان السیاب ظاھرة فریدة طواه الموت قبل الأربعین وأخرس صوت الألم فیھ  .

ولكن الألم خالد في شعره یصیبنا بفیروسھ كلما قرأنا شعره وإن كنا لسنا كالقابض على الجمر، وفي قصیدة" دار جدي" وھي من أجمل قصائده التي توحي بھیبة صاحب الجلالة – الزمن-  وتشعرنا بتفاھتنا وتفاھة الموجودات أمام عرشھ الأزلي الأبدي، في ھذه القصیدة إشارة إلى  مرضھ وألمھ وآھتھ وإنھ لیؤثر تأثیرا بالغا في وجدان قارئھ حین یقول: 

وفي لیالي الصیف حین ینعس القمر

وتذبل النجوم في أوائل السحـــــــــر

أفیق أجمع الندى من الشجـــــــــــر

في قدح لیقتل السعال والھـــــــــزال

ولما استبد بالشاعر الألم وأعیاه الصراخ وجفاه النوم وانتحرت خلایاه یأسا وسكن الموت في سرادیب روحھ وتلافیف مخھ، ورأى ھاویة العدم تنفتح لتبتلعھ لم یجد غیر الله یلوذ بھ ولربما  أدركھ الیأس حتى من الله ولكنھا حیلة اللاوعي وغریزة البقاء تعمل عملھا وتحیي سنتھا في  مخلوقاتھا اقرأ معي قولھ: 

شھور طوال وھذي الجــــــراح

تمزق جنبي مثل المــــــــــــدى

ولا یھدأ الداء عند الصبــــــــاح

ولا یمسح اللیل أوجاعھ بالـردى

وقد جاءه الردى أخیرا فمسح الأوجاع وطوى الآھات وأخرس الأنات ولكنھا خالدة في دواوین الشاعر. 

ھذه لمحة عجلى عن الألم – النفسي والجسدي- وعلاقتھما بالإبداع، استقصیناھا عند بعض

شعرائنا المحدثین، وإن كانت ثنائیة الألم والإبداع ظاھرة موجودة في كل آداب الدنیا قدیماوحدیثا، وسیظل الألم ھو الطریق إلى ذروة الجلجلة على حد وصف شاعرنا إلیاس أبي شبكة،  

ولكن المشكلة أنھ لیس في مقدور أي إنسان أن یخلد معاناتھ ویؤبد ألمھ ویفرض على الزمان اسمھ وإبداعھ، وبذلك ینفلت من ھاویة النسیان، فالإبداع في الأصل موھبة لھا ملكاتھا الفطریة في  وجدان صاحبھا ویكون الألم عند البعض الوقود الذي یلھب مشاعر الأدیب فیسابق الریح ویحرق  المراحل ویخلد في شرخ الشباب وفي نضارة الصبا.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

افعل الخير …

بقلم :أسماء جابر العبد  إذا عوَّدتَ نفسك ألَّا تفعل خيرًا إلا لمدْحِ الناس لك وثنائهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *