الرئيسية / آراء و مواقف / حين يحتفل العالم برأس السنة الميلادية

حين يحتفل العالم برأس السنة الميلادية

بقلم : أذ .رامز محيي الدين علي – الإمارات

 

الفرحُ والحزن حالتانِ من صراعِ الأضدادِ الّذي جُبِلت علیه النَّفسُ البشریَّةُ منذُ النَّشأةِ بكلِّ مكوِّناتِھا ومخلوقاتِھا الأولى، ھذا الصِّراعُ الذي تُجسِّدُه نقائضُ لغاتِ العالمِ، وتصارعُ الأضدادِ في الطَّبیعةِ الكونیّةِ  .

فحینَ یحتفلُ العالمُ برأسِ السَّنةِ المیلادیّة، ویحشدُ كلَّ طاقاتِ فرحِه في ساحاتِ الاحتفالِ إیذاناً بمیلادِ عامٍ جدیدٍ في حیاتِه، ویُلقي بسجلِّ نقائضِه وصراعِ أضدادِه في رفوفِ النِّسیان،  فإنَّ حالتَه تشبه حالَ عصفورٍ یرقصُ مذبوحاً من الألمِ! 

حین یتسابقُ العالمُ إلى زخرفةِ وجھِه القبیحِ بشتَّى ألوانِ الزِّینةِ، ویرتدِي أبھَى ألوانِ الإضاءةِ، ویُطلِقُ ألعابَه النَّاریَّة في السّماء، یتخیَّلُ المرءُ أنَّه في عالمٍ مثاليٍّ یتربَّعُ عرشَ جمالِ  الخیرِ والنَّعیم، ولیس في غابةٍ ینھشُ فیھا القويُّ لحمَ الضَّعیفِ، ویستأسِدُ فیھا أصحابُ النُّفوذِ  والقوَّة على المخلوقاتِ الضَّعیفة الّتي لا تملكُ من أمرِھا أدنى مقوِّماتِ الحیاةِ! 

حین تتسابقُ أممُ الكوكبِ الأرضيِّ زاحفةً إلى میادینِ الاحتفالِ، مرتدیةً أبھى زخارفِھا، وحین تتراقصُ عقاربُ السَّاعةِ وتقفزُ إلى الدَّقیقةِ الأولى بعد السّاعةِ الثَّانیةَ عشرةَ؛ لتُعلنَ  بدایةَ عامٍ جدید، یُجَنُّ جنونُ العالم، فالمیادینُ تغصُّ بالبشرِ، والطُّرقاتُ تختنقُ من طوفانِ  حركةِ المرورِ، والسَّماءُ تحترقُ بلھیبِ الألعابِ النّاریّةِ، وتتبعُھا غمائمُ الدُّخان، والحاناتُ تضجُّ  

بقرقعةِ كؤوسِ النَّشوةِ، والمراقصُ تسكرُ بنشوةِ الغناءِ والرّقصِ والموسیقا، ویثورُ كلُّ ركنٍ من أركانِ العربدةِ والخلاعةِ، ھذه اللّوحةُ الفُسیفسائیّةُ للعالمِ التي نشاھدُھا لیلةَ بدایةِ العامِ  الجدیدِ ھي (ماكیاجُ) بناتِ الھوى للدِّعایةِ والتّسویق.. أما اللّوحاتُ الحقیقیّةُ لوجه العالم؛ فمتواریةُ خلفَ ذلك المشھدِ البرَّاق، لا یراھَا إلاّ من أوتِي بقلبٍ سلیم؛ فیقرأُ سطورَ البشاعةِ  

والقبحِ والخرابِ والدّمارِ والحقدِ والأنانیّةِ والطُّغیانِ والاستبدادِ والطَّمع والجشعِ والاستعمارِ والاستعبادِ، وكلِّ ما یُنافي الطَّبیعةَ الكونیّةَ، وتعالیمَ السّماواتِ وجمیعَ العقائدِ والفلسفاتِ! 

عالمٌ أبله أخرقُ سكرانُ، لیس فیه للعدالةِ الإنسانیّةِ ولا للحقِّ مرتعٌ یبشِّرُ بخیرٍ، أویدعُو إلى التّسامحِ، ونبذِ الحقدِ والكراھیةِ والاستغلالِ والاستعبادِ والاستعلاءِ والغطرسةِ والاستحمارِ. 

أممٌ تحتلُّ أمماً، ودولٌ مارقةٌ تسكرُ على جثثِ دولٍ، ووحوشٌ تتربَّصُ بالدّوائرِ على قطعانٍ من الأغنامِ، وسماسرةٌ تتاجرُ بأشلاءِ جثثِ شعوبٍ مقھورةٍ، وخونةٌ تتلاعبُ بمصائرِ شعوبٍ  تفْنى بلھیبِ الدَّمار، وقاداتٌ مأجورةٌ تبیعُ ثرواتِ شعوبِھا؛ لتخلِّدَ على كراسِي السُّلطة، وقطَّاعُ  طرقٍ یسرقونَ أوكسجینَ الھواءِ، ومیاهَ الحیاةِ النّقیّةِ، وكلَّ ثرواتِ الأرض، ودفءَ حرارةِ  الأجسادِ، ودموعَ المشرّدین والمتسكِّعینَ والفقراءِ في شتّى أصقاعِ الدُّنیا! 

ومازال العالمُ یحتفلُ بمیلادِ عامٍ جدید! أممٌ بعضُ أشلائِھا ممزَّقٌ، وبعضُھ الآخرُ مبتورٌ، وبعضُه الثَّالثُ معلولٌ، وبعضُه الرَّابعُ مرھونٌ، وبعضُه الخامسُ قیدَ المساوماتِ، وبعضُه  السَّادسُ قیدَ الحیاةِ الجبریّةِ، وبعضُه السَّابعُ تنھشُه الكلابُ والذِّئابُ.. وتتسابقُ إلى میادینِ  الاحتفالِ! وأممٌ لا تملكُ من أمرِھا حرّیّةَ تنسُّمِ الھواءِ في سمائِھا، ولا مقدرةَ النّبشِ عن ثرواتِھا  وخیراتِھا، ولا إذنَ صناعةِ إبرةِ خیطٍ أو زراعةِ حبَّةِ قمحٍ أو ذُرةٍ أو قطنٍ أو كتّانٍ.. وتتھافتُ  إلى مسارحِھا؛ لترفعَ بیارقَھا، وتغنّيَ أمجادَھا، وتُنشدَ معزوفاتِ أناشیدِھا الوطنیّةِ، وتعلِّقَ  صورَ قوّادِھا المظفَّرینَ على حجارةِ قلاعھا المدمَّرةِ!

حین تتسابقُ أممُ الأرضِ إلى ساحاتِ البھرجةِ والنَّفاجةِ المُزیَّفة، یجبُ علیھا ألاّ تنسَى عِللَھا وأوبئتَھا التي تعصفُ بأركانِھا وأوصالِھا، وینبغِي لھا أن تتلمَّسَ آلامَھا وأوجاعَھا التي تقضُّ مضاجِعَھا، دون أن تُبالِي بھا؛ لأنَّ غرورَھا ونشوةَ فرحتِھا بملابسِھا البرَّاقةِ تُنسیھا تلك الآلامَ  والأوجاعَ! 

حین یحتفلُ العالمُ بمیلادِ عامٍ جدید في سیرورةِ حیاتِه، علیه أن یتذكَّرَ أنَّ سنواتِ شیخوختِه باتتْ معدودةً؛ لأنَّه قد دمَّر طفولةَ الأرضِ، وأحرقَ ریعانَ صِباھا، وحصدَ قواھا وطاقاتِھا في  مراحلِ شبابِھا وثورتِھا، بما جنتْه یداهُ من جشعٍ وطمعٍ واستئثارٍ وحقد وكراھیةٍ وأنانیّة،  

فلیستِ الحضارةُ المادیَّةُ والتِّكنولوجیا الصِّناعیّةُ والحربیّةُ سوى معاولَ لحفرِ أجداثِه ووأدِ ذاتِه حیّاً قبلَ أن ینتھيَ أجلُه الحقیقيُّ، ولنا في قصصِ وأساطیرِ الأوّلینَ عِبرةٌ: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى  لِمَنْ كَانَ لَھُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَھُوَ شَھِیدٌ " سورة ( ق ) الآیة (37 ).

فكمْ من حضارةٍ عریقةٍ ضاربةٍ في عمقِ التَّاریخِ أھلكَتْ ذاتَھا في براكینِ الشَّھواتِ والأطماعِ، فاندثرَت وغرِقَت في رُكامِ أشلائِھا، ولم یبقَ من صفحاتِ مجدِھا وقوّتِھا سوى أوابدَ  مفعمةٍ بطلاسمِ الحروفِ الأبجدیّةِ ورموزٍ من الكتاباتِ المسماریّةِ التي عجزَت كلُّ أفھامِ  البشریّةِ عن فكِّ شفرتِھا وإدراكِ كلِّ مقاصدِھا ودلالاتِھا! 

وكم من أممٍ وحضاراتٍ قضَت نحبَھا، وأنفُھا یطاولُ أعنانَ السَّماءِ شموخاً وكِبراً! وكم من أممٍ وحضاراتٍ وأدَتْ آلھتَھا ومعابدَھا تحتَ أدیمِ الأرضِ، بعد أن رفعتْھا فوقَ الشّمسِ،  واستشرفَت آفاقَ السَّماواتِ وأعماقَ الكوكبِ الأرضيِّ وأغوارَ الوجودِ بخیالِھا وأساطیرِھا! 

أممٌ وأممٌ.. حضاراتٌ وحضاراتٌ اندثرتْ، ولم تكُ بأوھنَ أوأقلَّ شأواً من حضارتِنا الیومَ، فقضتْ أنفاسَھا الأخیرةَ في طغیانِھا وتجبُّرِھا واستعلائِھا وبھرجتِھا، ولم یبقَ لھا من ذكْرٍ غیرُما خطَّتْه أفھامُ جھابذتِھا العظامِ، ولم تكُ تلك الحضاراتُ قد بلغتْ من الكِبرِ والغطرسةِ غیرَ  درجاتٍ ھیِّنةٍ ممَّا بلغتْه حضارتُنا الحدیثةُ من درجاتِ الاستعلاءِ والاستكبارِ والمنافسةِ الجشعةِ  للاستثارِ بمقدّراتِ العالمِ والتَّسابقِ الجنونيِّ لاستحواذِ العالمِ بسمائِه وأرضِه، بكواكبِه ونجومِه، ببحارِه وأنھارِه، بكلِّ ما تنتجُه ذرّاتُ ترابِه من خیراتٍ، وبكلِّ ما تفیضُ به ینابیعُ العطاءِ من  ثرواتٍ؛ حتّى غدا الكونُ جحیماً یلتھبُ بنیرانِ الحروبِ، ویختنقُ بدخانِ الدّمارِ الشّاملِ، ویلفظُ  أنفاسَه الأخیرةَ تحت وطأةِ العھرِ والعربدةِ والسّكرِ والخلاعةِ، ولم یبقَ للإنسانیّةِ غیرُ وجھه  مشوَّهٍ بكلِّ أسلحةِ التّدمیرِ، توشِّیه بھرجةُ الأضواءِ والألعابِ النَّاریّة!

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

هل السعادة في المال أم المال طريق إلى السعادة؟

د. زيد بن محمد الرماني إن الناس على اختلاف قيمهم وأفكارهم وتباين اتجاهاتهم ومعتقداتهم، يرغبون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *