الرئيسية / رحيق الأدب / في كل بحر عناء…!

في كل بحر عناء…!

بقلم :أذ. محمد ٱيت علو -المغرب 

 

الریاح تناوح خلف نوافذ بیتي، وأبصر لا شيء في ھذه العتمة المدلھمة، الریاح تصفق نافذتي! لیس غیر عذابي، وغیاب المعنى، ثم أطل منھا  على غیابنا، وھوامشنا المنسیة، الغربة قاتلة، غربة الذات تتحرك في اتجاھات  عدة، والغیاب یتآمر، یحمل سحنتھ بین یدیھ، یقسو ویزید من زیف وقبح ھذا  العالم، غریب ھو ھذا الوجه الممتد في تجاعید الوقت، مثلما یتورد الوجه من  كلمة حلوة، مثلما الدفء یغزو جفون الندامى، تعشش عندي السكینة، ولم یكن  كافیا ما أحمل من آمال عریضة، وقد حل الأمس محل الغد، ولاشيء تغیر، فالسماء رمادیة، وھذه الریح العاتیة تدوي بالشتات، توزعني بین مساءاتباردة، ھي قادمة لا محالة. وما علي إلا أن أستبشر بالریح…، فقد یتناھى الغیث  المدرار، وتنحث غمامھا عند الوقوع على شبابیك النوافذ. 

 *******

لقد كانت أمي دوما تجادلني بأسماء الریاح، ولیس لدي ما أقول، فأنبؤھا بالحصاد من فرادیس الرماد شوارعا، والنھار الخافق، وموائد الصید المھذب، 

والأصدقاء إلى جدار الوھم یقرأون الوقت، في صحف الوجوه یناوئون ویحتفون، أصغي لثرثرتھا، ثم تقول:ـ (أي بني) لا ریح في ھذا الھواء، وصوت المدافع في  

كل مكان، یزرع الجوع، یحصد الأبریاء، ویقتلع الحجر، فأرى الإحتراق یمد الخطو إلى البقیة من بقایانا، وھذه الریح القادمة تدوي بالشتات إلا قلیلا…! 

*******

تجثوا أشجاري غصنا ، غصنا، في لغوب متعب، أنا والوھم سیان، حینما یحرضني نارا على كمد، ویوزعني على مساءات باردة، وأوراقي لا تحدث  

خشخشة، تتراكم مصفرة في مھب النسیان… تنظر و تستبشر بالعبث، أكداس ورق منتشرة مبعثرة على بساط الأرض، وكأن الریاح العاتیة ھزت جمیع  

الأشجار، فتسقط الأوراق ھامدة، فقد عصفت ثائرة، ولم تترك أیة ورقة!

وھنا! لایزال الغیاب یتآمر، یحمل سحنتھ بین یدیھ، وأنا أطل على غیاب المعنى، وعلى ھوامشنا المنسیة، كما الباحث عن إبرة في غابة، على الرغم من كونھا بلا  أشجار، لذلك أقول كل شيء… بالأمس تراكمت الأوراق تستبشر بعبث الریاح،  والیوم اقتلعت الأشجار غصنا غصنا، والأمكنةُ صارت قفرا باردا قاتلا وبالقلب  

أكبر غصة، موت المعنى صقیع تفجر بكل صلابتھ، لیجرف في تیاره الصاخب، صراخ المعذبین في أعماق الفراغ. سحاب أزاح السحاب، وأشعلھ مطرا طیبا… 

*******

الغائبون تحت التراب أكثر حضورا منا، لم تبق لي غیر ذكراه الجمیلة، صورته على الجدار، وحیدة، لا أحد یشعر بكآبتھا غیر مسمار، عیناه تحدقان في، وكأن  

أفكاره تضایق الوحدة، ترتل أشواقھ في ثقوب الشبابیك، وكأن واحدنا یشبه الآخر- والریاح تناوح خلف النوافذ- لم یكن یحب الصعود إلى القمم، أو الإبحار،  لكنه كان یحب البحر، یسیر قریبا منھ، یتبع الغروب إلى أقصى نقطة، وكل ما  فخر به فیما مضى، صار مجرد تخاریف، لا تسمن ولا تغني، وعبثا حاولا لخروج، عبثا حاول تضمید الجراح، بالحلم والتمني و الریاح التي لا تأتي  بالإشتھاء. 

*******

كان دوما ینام بحذائھ المثقوب، لأنھ دوما كان یحلم بالحب و بالسفر البعید، ولذلك فـھو لا ینام كثیرا، فھو مجرد كائن بسیط، یسعى أن یكون له من  شیم الإنسان حفنة، ووجھ بألف ضحكة وضحكة، لكن ھیھات ! ھیھات ! فقد كان  له في القلب أضعاف اللوعة والحسرة. ھا أنذا أحفر ذاكرتي، كما أحفرُ في لیل بھیم، وحدھا المسافات تجفف  عرق الید، رصید من الموت والإنتحار البطيء، رصید من البؤس و الإندثار،  والصبر والإنتظار… والریاح تناوح خلف الشبابیك، فقلت :ـ یا نافذتي التي یقف  فیھا عصفور بجناح واحد، والآخرمقصوص… 

ھل كان یفھم البحرالصارخ ، الملسوع بالنوارس والبجع، وترامي الموج في غضب و صخب؟ وھل كان یفھمھ لما یزبد و یرغى، وتجھش بعد ذلك بالبكاء؟  

ولما كان یفیض على شاطئھ…؟! وقلت في نفسي:ـ حتما كان یغرق ما حوله بالماء، وقد سحب ما حولھ من قصور الرمال وآثار الأقدام. 

 *******

ھذا الذي عرفتھ، زمنا ضاربا في الغیاب، وبحرا كلھ بحر، یقتفي خطى السعد، لكأنه المحال، ولما كان یشبھني ویتلبسني، نھرتھُ، وصحتُ (وفي القلب جرح) :ــ  

اسحب ظلك من ظلي واتركني أرحل!، فما عدتُ أُطیقُ المكوثَ ھنا، سفري الذي حلمتُ به أبديٌّ وترحالي سیكونُ من غیر عودة، فإیاكَ عني، ودعني أفردُ الجناحَ  وأحلقُ عبر المدى، فما زالَ ھناك فسحة في الفضاء، فكم تعبت راحلتي في زمن  بیع ما لایباع، الآن صرتُ أحسُّ بأنَّ الحیاةَ غرورٌ وھمٌ وخداع، وبأن أُفُقي شاخ  وامتلأَ بالأنواء، یراودُني ھمسي ویشتعلُ حطبا، والریاح الزعازعُ ملأت بالثقوب  الشراع، وأنا الذي كنتُ أرى بأنَّ البحرَ في كل شيء، لكن حین یمَّمتُه زادت  معرفتي اكثر، وأدركتُ أنَّ في كل بحر عناء …

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الرواية الفلسطينية بين الغربة والاغتراب

الكاتب / رشيد سكري تظل الرواية ظاهرة مثيرة للجدل، لا على مستوى البناء الحداثي الذي تصبو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *