الرئيسية / آراء و مواقف / غذاء الفكر -الجزء(1)

غذاء الفكر -الجزء(1)

بقلم :أذ رامز محيي الدين علي – الإمارات 

إذا كان الطعامُ غذاءً للجسَدِ، كي ینموَ ویَحیَا ویَقْوى على الحیاةِ؛ فإنَّ الثقافةَ غذاءٌ ملكيٌّ للفِكرِ؛ كي ینھضَ من ظلامِ الوجودِ إلى فجرِ الحرَّیةِ والانعتاقِ والسَّعادةِ  والارتقاءِ إلى الإنسانیَّةِ النَّبیلةِ في أسْمَى معانِیْھا. 

في ھذهِ المقالةِ أقفُ قلیلاً عند أقوالِ المفكِّرینَ والأدباءِ وغیرِھم؛ كي أستنضحَ آراءَھم، وأستجليَ مذاھبَھم ورؤاھُم في الثَّقافةِ والعِلمِ والعقلِ والفكرِ، محلِّلاً ومعلِّقاً  وناقِدَاً.  

وإنِّي لَسَاعٍ جاھِداً إلى إبرازِ الدَّورِ الحضاريِّ الذي تحقِّقُه الأممُ حینما تھتمُّ بغذاءِ الرُّوح والفكرِ اھتمامَھا بغذاءِ أحشائِھا وأبدانِھا! 

لكلِّ غذاءٍ لذَّةٌ ومتعةٌ وسعادةٌ.. فإذا كانت لذةُ الأبدانِ في أحشائِھا بامتزاجِ صُنوفِ الطَّعامِ والشراب، فإنَّ لذةَ العقلِ ومتعتَھ في امتزاجِ شتَّى ألوانِ الثَّقافةِ والمعرفةِ  والعلومِ فیه.. فالغذاءُ البدنيُّ ھو الإكسیرُ الضروريُّ للحیاةِ، لكنَّه قد یتحوَّلُ من  ضرورةٍ إلى ھدفٍ بعینِه، وإذ ذاكَ یصیرُ الآدميُّ وحشاً سابغاً، ھمُّه الأولُ والأخیرُ  إشباعُ غریزتِه ونھمِه.. وحینذاك یَطَّردُ الجسدُ ضَخَامةً بتضخُّمِ الأحشَاءِ، فتنقلبُ اللذةُ وباءً یعصِفُ بلذائذِ البَدنِ قاطِبةً، في الیقظةِ وفي الرُّقادِ، في الحَركاتِ والسُّكناتِ، وتغدو المعِدةُ بیتاً للأدواءِ دونَما مُراعاةٍ للحكمةِ القائِلةِ: "المعِدةُ بیتُ الدَّاءِ والحِمیةُ رأسُ الدَّواء" ، وساعتئذٍ أقمْ على سَعادتِه مأتمَاً وعوِیلاً..   

أمّا غذاءُ العقلِ، وأنعِمْ به من غذاءٍ، فإنَّه كلَّما زادَ اشتدَّت الحاجةُ إلیھ، وكلَّما تغلغلَ في تلابیبِ الفكرِ، تحوَّل من شعورٍ بالَّلذةِ إلى خمرةٍ تَثملُ منھا الرُّوحُ، وتنتشِي بھا  الأحاسیسُ، ویَسكرُ بھا الخیالُ، فیُحلِّق في فضاءاتِ العالمِ الرَّحْبِ دونَما أجنحةٍ..  

ووقتَئذٍ یعیشُ المرءُ التَّاریخَ برُمَّتِھ والعصورَ منذُ بداءتِھا إلى مسیرِھا الحاضرِ وصولاً إلى المستقبلِ باستشرافِ رؤاهُ وتأمُّلِ مُنتھاهُ.. ویصیرُ نھراً منبعُه الماضي  ومسیرُه الحاضرُ ومصبُّھ المستقبلُ. 

وإذا كانت لذَّةُ الأبدانِ تُفضي إلى داءٍ، فتعاسةٍ، فشقاءٍ.. فإنَّ لذَّة الأفھامِ تُفضي إلى دواءٍ من كلِّ داءٍ، فسعادةٍ، فإحساسٍ وجوديٍّ بالحیاةِ، وخلودٍ تتغنَّى بمجدِهِ الأممُ،  وتترنَّم على أنغامِه الكواكبُ والنُّجومُ، وتَشدُو على ألحانِھ ثغورُ الدَّھرِ والأیامِ  لذَّةُ الأحشاءِ سُوَیعاتٌ.. ولذَّة المعرفةِ أبدیَّةٌ.. أعذبَ أناشیدِھا..  

الأولى تقودُ إلى التُّرابِ والثَّانیةُ تُحلِّقُ في الفضاءِ.. الأولى حیوانیَّةٌ والثَّانیةُ ملائكیَّةٌ..

الأولى سعادةٌ آنیَّةٌ تعقبُھا شَقاواتٌ وأدواءُ.. والثَّانیةُ عَناءُ حَصادٍ یعقبُھُ خلودٌ وسموٌّ یلثمُ خدودَ المجرَّاتِ عانقاً كواكبَھا ونجومَھا..

وإذا كانت كلُّ نبوءةٍ تقومُ على أدلَّةٍ وبراھینَ، فإنَّ كلَّ فكرةٍ حقیقیَّةٍ یُبْنى لھا صَرْحٌ على صخورِ الواقعِ!  

وإلیكمُ النبأَ الیقینَ من لسانِ الدَّھرِ، وصفحاتِ التَّاریخِ..

فھلْ من أمَّةٍ في الأرضِ خلَّد الدَّھرُ أمجادَھا على جُدرانِ أمعائِھا وكروشِھا، أم سطَّر ملاحمَھا الحضاریَّةَ على أروِقةِ تلافیفِ أدمغةِ علمائِھا ومفكِّرِیھاومبدعِیھا  وفطَاحِلِھا وفحولِھا وعبقریِّیھا في محاریبِ الفكرِ والثَّقافةِ؟! 

فالتَّاریخُ لم یخلِّدْ أمجادَ الأممِ الحضاریَّةِ منذُ ولادةِ فجرِھا على ملاعِقِ الذَّھبِ قصعاتِ النُّحاسِ ومراجلِ المعادنِ الثَّمینةِ.. وإنَّما خلَّدَ الأممَ الَّتي خطَّت فكرَھا  

على ألواحِ الطِّینِ والحجارةِ والخشبِ وجلودِ الحیواناتِ!

وھأنَذا أبسطُ لكم ما قالَه الأدباءُ والمفكِّرون في العقلِ والفكرِ والثَّقافةِ محلِّلاً ومُعلِّقاً وناقداً؛ من أجلِ الوصولِ إلى نظرةٍ شاملةٍ حولَ أھمیَّةِ الثَّقافةِ والفكرِ للإنسانِ. 

وإلیكم ما قاله شاعرُنا الكبیرُ أبو الطیِّب المتنبِّي الَّذي ملأَ الدُّنیا وشَغلَ النَّاس بشعرِهِ وحِكمِه: 

ذو العقلِ یَشْقى في النَّعیمِ بعقلِھِ وأخُو الجَھالةِ في الشَّقاوةِ یَنْعمُ

وھذه الحكمةُ تُلخِّصُ المفارقةَ الكبیرةَ بین إنسانٍ مفكَّرٍ یحیَا شَقیَّاً بالرَّغمِ من النِّعمِ به من مَآسي الفَقرِ والجھلِ والتخلُّفِ.. الَّتي تحفُّ به من كلِّ جانبٍ، وبینَ جاھلٍ شقيٍّ یعیشُ نعیماً بالرَّغمِ من كلِّ ما یُحیطُ  

وھذه النَّتیجةُ لیستْ من خیالِ الشُّعراءِ ولا من إلھامِ الفلاسفةِ، وإنَّما حقیقةٌ یفرضُھا منطقُ الحیاةِ؛ لأنَّ الإنسانَ العاقلَ والمفكِّر یعیشُ الواقعَ بكلِّ آلامِه  

وھمومِه، وتمتدُّ بصیرتُه إلى المستقبلِ، وما قد تحملُه الأیَّامُ في رحِمِھا من شقاءٍ..

یتجاوزُ لقمةَ عیشِه، وتَجدُّدَ أنفاسِه شھیقاً وزفیراً، وامتلاءَ معدتِھه بما تجنیھه یداهُ. أمَّا الجاھلُ فیحیَا حیاتَه الرَّاھنةَ غیرَ مبالٍ بما یحدثُ حولَه، ولیسَ له من خیالٍ .

ویجبُ ألا ننسَى أن قوَّةَ الإنسانِ البدنیَّةَ تخضعُ لقانونِ التَّبدُّلِ والضَّعفِ والتحوُّل، كلَّما تراكمَتْ علیھا سنون العمرِ، فتنتَھيْ بھا النَّضارةُ إلى ذُبولٍ، والشَّبابُ إلى  

شیخوخةٍ والصِّحَّةُ إلى سَقمٍ، وثورةُ الھیَجانِ إلى رمادٍ تذروهُ ریاحُ الأیَّامِ.

أمَّا قوَّةُ المخلوقِ البشريِّ الرُّوحیَّةُ والفكریَّةُ، فھي طاقةٌ متجدِّدةٌ، لا یعتریْھا داءٌ، ولا یُطفِئُ شموعَھا المتَّقدةَ شیخوخَةٌ، و لا تُبدِّد قِواھَا، المتربِّعةَ جبالاً شامخةً في  حنایا الفكرِ والنَّفسِ، أعاصیرُ الَّلیالي الحالكاتِ مھمَا عصفَتْ بزفیرِھَا، ومھمَا  زمجرَتْ بھدیرِھَا، فقوَّة البدنِ إلى شیخوخةٍ، وقوَّةُ الرُّوحِ والفكرِ لا تَشیْخُ كمَا عبَّر  عن ذلك مفكِّرُنا العربيُّ نجیبٌ الكیلانيّ: " القوَّةُ الحقیقیَّةُ ھي قوَّةُ الرُّوحِ والقلبِ  

والفكرِ، وھيَ لا تشیخُ أبداً".

والعالِمُ أغنَى ملوكِ الأرضِ قاطبةً بفكرِه وروحه وعقلِه ونفسِه، والأرضُ بما رحُبَت والممالكُ بما شَسَعَت والعروشُ بما حوَتْ، لا یمكنُھا أن تستنْشِقَ أنفاسَ  الحیاةِ دونَ أن تستمدَّ نبضاتِ قلبِھا من فكرِ عالِمٍ ینظِّم حركاتِھا، ویوقِدُ شموعَ  التجدُّدِ والانبعاثِ 

في حنایاھَا: " فكرُ العالِمِ یجعلُھُ أغنى مَلكٍ، ومُلْكُ الأرضِ بما فیھا لا یُغنِي مَلِكاً

عن عالِمٍ". (نجیب الكیلاني)

ویجبُ على العلمِ القائمِ على العقلِ أن یَحتضِنَ الرُّوحَ الَّتي تَمدُّهُ بالقیمِ والأخلاقِ والمُثُلِ، وألاَّ یتنكَّر لھَا، مھمَا بلغَ من القوَّةِ؛ لأنَّه جسَدٌ وروحُه الدِّینُ والإیمانُ  

القائِمانِ على تجدیدِ فكرِ الإنسانِ وطاقاتِھِ النَّفسیَّةِ والرُّوحیَّةِ البعیدانِ عن الخُطبِ والشِّعاراتِ والتَّفسیراتِ الطُّوباویَّة والمظاھرِ الدرامیَّةِ الحزینةِ الَّتي تَصْھرُ خسیسَ  الحیاةِ الفكریَّةِ والاجتماعیَّة البالیةِ. المعادنِ لتصُبَّھُ في بوتقةِ الجوھرِ المَصُوغِ من الإبریزِ الخالي من كلِّ شوائبِ  .

كمَا أنَّ الدِّینَ دونَ علمٍ ھَرْطقةٌ لا یقبلُھا عقلٌ، فثمَّةَ علاقةٌ جدلیَّةٌ تاریخیَّةٌ بینَھُما، وھذا مَا عبَّرَ عنھُ كبیرُ علماءِ الفیزیاءِ في العالمِ على مرِّ عصورِه، ألبرت إنشتاین،  صاحبُ نظریَّتَي النِّسبیَّة الخاصَّةِ والعامَّةِ، بالرَّغمِ من أنَّھ لم یكُن متدیِّناً:  

" العلمُ بدونِ دینٍ أَعْرجُ، والدِّینُ بدونِ علمٍ أَعْمى".

 

 

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الأدوية الذاتية … العلاج بالضحك

د.حسن العاصي- الدنمارك     يصرف البشر الكثير من الأموال في سعيهم للحصول على قسط من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *