الرئيسية / آراء و مواقف / غذاء الفكر -الجزء (2)

غذاء الفكر -الجزء (2)

 

بقلم :أذ.رامز محيي الدين علي- الإمارات 

 

والعلمُ نورٌ والجھلُ ظلامٌ كما قالُوا، فحِینَ تُشرِقُ شمسُ العلمِ، یتَوارى لیلُ الجھلِ، وبإشراقةِ الشَّمسِ تبدأُ الحرَّیةُ، وحینَھا ینتَھيْ الجھلُ، فلا یُمكنُ لجاھلٍ أن یكونَ  حُرَّاً، ولا یُمكنُ أنْ یُمنحَ سلاحَ الحرِّیَّة؛ لأن حالتَھُ تُشبھُ حالَ مَن یَمنحُ مجنوناً  سلاحاً، على حدِّ تعبیرِ الرِّوائيِّ الأمریكيِّ آرنست ھمنغواي: " تبدأُ الحریَّةُ حینَ  ینتھيْ الجھلُ؛ لأنَّ منحَ الحریَّةِ لجاھلٍ كمنحِ سلاحٍ لمجنونٍ". 

والعلمُ یرفعُ صاحبَه درجاتٍ، مثلمَا یرفعُ الإیمانُ المؤمنینَ درجاتٍ، قالَ تعالى:

"یرفعُ اللهُ الَّذین آمنُوا منكم والَّذین أوتُوا العلمَ درجاتٍ"..

وكذلك طلبُ العلمِ سبیلٌ لولوجِ نعیمِ الجنَّةِ، قالَ النبيُّ محمَّدٌ علیھ الصلاةُ والسلامُ: " مَن سلكَ طریقاً یلتمسُ فیھ علماً سھَّل اللهُ لھ طریقاً إلى الجنَّة". 

وذو العقلِ العالِمِ لیس شقیَّاً حتَّى لو كانَت أفكارُه تُبحِرُ في محیطاتِ الجھلِ والأمیَّةِ، وإنَّما ھو ملِكٌ یحكمُ عالماً من الفكرِ والخیالِ یَعجزُ جبابرةُ الأرضِ عن إدراكِ بنتٍ  من بناتِ عقلِه، كما أنَّھُ یعیشُ عالماً سحریَّاً ترفلُ السَّعادةُ مُتھادیةً بجناحَیْھا على  أروقةِ فكرهِ وروحِه المنتشیةِ بالخیالِ الملائكيِّ، فتھبطُ السَّعادةُ إلى وجدانِھِ وكیانِه  كلَّما وُلدَتْ من رحمِ عقلِھه فكرةٌ أو كلِمةٌ أو مقولَةٌ أو بیتٌ من الشِّعرِ أو اختراعٌ أو اكتشافٌ أو إبداعٌ..

وثمَّةَ بَوْنٌ شاسِعٌ بینَ الثَّرى والثُّریَّا كمَا قالُوا، والعلمُ یُكتسَبُ، ولیس مُلكاً متوارَثاً یرثُه الأبناءُ عن آبائِھم وأجدادِھم، وبه یعلو المرءُ، ویغدو سیِّدَ القومِ، ودونَه

یصغُرُ كبیرُ القومِ مھمَا عَلاَ شأنُه، یقولُ الإمامُ الشَّافعيُّ:

تعلَّمْ فلیسَ المرءُ یُولدُ عالِماً ولیس أخُو علمٍ كمَنْ ھوَ جاھلُ

وإنَّ كبیرَ القومِ لا علمَ عندَهُ صغیرٌ إذا التفَّتْ علیھه الجحافلُ

وإنَّ صغیرَ القومِ إنْ كانَ عالِماً كبیرٌ إذا رُدَّت إلیھه المحافلُ

ولكنَّ نیلَ العلمِ وجنيَ الفكرِ لیس نزھةً ترفیھیَّةً في جنانِ الأرضِ، وإنَّما ھو جھادٌ

وسعيٌ مرُّ المذاقِ، إلاَّ أنَّ ثمراتِه شھیَّةٌ حینَ القطافِ، یقولُ الشَّافعي:

ومَنْ لم یذُقْ مرَّ التَّعلُّمِ ساعةً تجرَّعَ ذلَّ الجھلِ طولَ حیاتِھِ

ومَن فاتَه التَّعلیمُ وقتَ شبابِه فكبِّر علیــــه أربعاً لوفــــاتِه

فمَن لا یتعلَّمُ یظلُّ یتجرَّعُ ذلَّ الجھلِ طوالَ حیاتِه، ومَن فاتَھ قطارُ المعرفةِ أقِمْ على روحِه صلاةَ الغائبینَ. 

والعلمُ مطلبُ كلِّ كائنٍ بشريٍّ، وھذا المطلبُ لا یتحقَّقُ بالتمنِّي، وإنَّما بالجِدِّ والمثابرةِ والاجتھادِ، قال أمیرُ الشُّعراءِ أحمد شوقي: 

وما نیلُ المطالبِ بالتَّمنِّي ولكنْ تُؤخَــذُ الدُّنیا غِلابَا

ومھمَا سَمَا العالِمُ بعلومِه، فإنَّه لن یُدركَ إلاَّ قطرةً من بحرٍ، وكلَّما حلَّق عالیاً شعرَ بصغرِ حجمه وضیقِ علمِه، قال الشَّافعي: 

كلَّما أدَّبني الدَّھْـــــــــــ ـــرُ أرانِي نقصَ عقلِي

وإذا ما ازدَدْتُ علــــماً زادنِي علمَــــاً بجَھْلي

ممَّا تقدَّم نُدركُ أنَّ العقلَ والعلمَ والفكرَ والثَّقافةَ سِمفونیَّةٌ رباعیَّةُ الأنغامِ، تعزِفُ على أوتارِھَا الأممُ أنشودةَ حضارتِھا؛ لتسعدَ وترقَى لا لتشقَى وتتردَّى، وتعانقَ  فجرَ الحریَّةِ وتلثُمَ خدودَ الشُّھبِ، وتمزِّقَ عباءةَ الجھلِ، وتُوصدَ أبوابَ العبودیَّة  والتخلُّفِ والانحطاطِ.. الأمَّةُ التي تقرأُ ھي الأقوى والأبقى.. 

الأمَّة الَّتي تُطلِقُ العنانَ للفِكرِ راسخةٌ على صدرِ التَّاریخِ رسُوخَ الجبالِ أمامَ البحار.. 

الأمَّةُ التي تصوغُ أفكارَھا سبائِكَ من عَسْجدٍ، لا تخشى على نفسِھا من صدأَ الأیَّام.. 

الأمَّةُ التي لا تَخشى أبناءَھا حینما یُقبِّلون أشعَّة الشَّمسِ ویُعانِقون الكواكبَ والنُّجومَ بأفكارِھم، لا یُمكنُ أن یتصدَّع بنیانُھا، فیعترِیْھا الانھیارُ والسُّقوطُ بینَ  براثِنِ المتربِّصِین بھا..

الأمَّةُ التي لا تَجترُّ ماضِیَھا اجترارَ المواشِي للطَّعامِ، لا تخشَى على أضراسِھا من التسوُّسِ والتصدُّعِ والانكِسار.. 

الأمَّة ُ التي یتبوَّأُ فیھا علماؤُھا مقاعِدَھم بین النُّجومِ، قادرةٌ على خوضِ غِمارِ معاركِھا على سطحِ الكواكِب.. والسُّدولِ، ولا تھابُ البتَّةَ غیاھبَ الظُّلُمات.. الأمَّةُ التي تحرصُ على إیصالِ نورِ العلمِ إلى عیونِ أبنائِھا، تتحدَّى كلَّ البراقعِ  من عزیمتِھا وساوسُ شیاطینِ الإنسِ ولا الجِنِّ.. الأمَّةُ التي یرى قادتُھا أفكارَ أبنائِھا شُعَلاً متأجِّجةً لتجدیدِ الحیاةِ، لا یمكنُ أنْ تنالَ  الأمَّةُ التي تُعنَى بغذاءِ عقولِ أبنائِھَا عنایتَھا بغذاءِ أبدانِھم، لا یمكنُ أنْ تُصابَ  بھیستیریا الجنونِ، ولا ھَلْوسةِ المَنُون.. 

وتُناطِحُ السُّحُبَ وتُسابقُ الشُّھُبَ.. الأمَّةُ التي تُقدِّم مجلَّداتِ الثَّقافةِ والفكرِ لأبنائِھَا، تبنِي صُروحَ حضارتِھا لبِنةً لبِنةً، عندَما یحرصُ قادةُ الأممِ على خلودِھم، یَبنونَ قصوراً للثَّقافةِ تُضاھِي قصورَھم.. 

عندَما یقودُ الأممَ رجالٌ یتسلَّحُون بالعلمِ والفكرِ والفضیلةِ، فأكبِرْ بتلكَ الأممِ، وھلِّلْ لعظمتِھا وشُموخِ صُروحِھا..

الأمَّةُ التي تَحتفِي بالقراءةِ، وتفتحُ لھَا میادینَ المنافسةِ والسِّباقِ والتَّحدِّي شتَّى میادینِ الصِّراعِ والتحدِّي والبقاءِ.. الحقیقيِّ، وتمنحُ أبطالَھا أوسمةَ المجدِ والشَّرفِ، فإنَّھا تبنِي جیوشاً من القادةِ في  

في إحدى مدارسِ الفتیاتِ في دبي (مدرسة العذبة) رأیْتُ أمَّةً تقرأُ، وأبصرْتُ نحلاتٍ تجنِي رحیقَ الأفكارِ؛ لتصنعَ شَھداً من عصارةِ الفكرِ والثَّقافةِ..  

شاھدْتُ مع كلِّ نحلةٍ أزھاراً من كلِّ بستانٍ.. رأیتُ حافلةً تحملُ سِلالَ الأزھارِ من الشَّارقةِ؛ لتجنيَ رحیقَھا نحلاتٌ من دبي..  

فأكبِرْ بأمَّةٍ تقرأُ و بمدارِسَ تغرسُ فسائِلَ الفكرِ في صحراءِ الحیاةِ!

وفي الختامِ أقولُ لكلِّ مَنْ یضيءُ التَّاریخَ بكتابِ علمٍ حقیقيٍّ غیرِ مُبَرقَعِ ببراقعِ التَّطبیلِ والتَّزمیرِ والتَّمجیدِ والتَّكبیرِ لتجَّارٍ یَشترُون عصارةَ العقولِ، كما یبتاعُون  

المَواشِي في حقولِھم.. وأقولُ لكلِّ عالِم وھبَ نورَ عینَیھِ البشرِیَّةَ من أجلِ نھضةِ تستَمِدُّ منْھا الأممُ طاقاتِھَا وأسبابَ بقائِھا واستمرارِھَا.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الأدوية الذاتية … العلاج بالضحك

د.حسن العاصي- الدنمارك     يصرف البشر الكثير من الأموال في سعيهم للحصول على قسط من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *